العنوان علي الطنطاوي.. وذكريات عطرة
الكاتب مجد أحمد مكي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1999
مشاهدات 106
نشر في العدد 1358
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 13-يوليو-1999
عندما شرعت بالكتابة عن الأستاذ الطنطاوي تتابع سجل الذكريات وساعات اللقاءات التي امتدت عبر عقد من الزمان.
كيف أبدأ الكتابة، فالطنطاوي تاريخ حافل، وديوان كامل، وموسوعة معارف متنوعة الجوانب ومتعددة المواهب.
هل أكتب عن تاريخ حياته طفلًا نابغًا وشابًا يافعًا، ومعلمًا ناجحًا، وصحافيًا لامعًا وداعية موفقًا، وقاضيًا عادلًا، ومحاميًا عن الإسلام منافحًا، ومتكلمًا موهوبًا، وكاتبًا بليغًا وشيخًا وقورًا أقعدته السنون وعركته تجارب الحياة.
أم أكتب عن الطنطاوي «المربي».. فاستعرض أراءه التربوية، وكلماته وتوجيهاته، ولفتاته ونظراته، وتجاربه في تربية الأبناء والاهتمام بالجيل والعناية بالأسرة.
أم أكتب عن الطنطاوي «المعلم».. فأبين مواقفه في تعليم الأجيال، وأذكر آراءه في المناهج الدراسية، وطرق التعليم وأساليب التأليف.
أم أكتب عن الطنطاوي «الداعية».. فأذكر منهجه في الدعوة إلى الله، وتجاريه ونصائحه ومشاركته في حقل الدعوة بقلمه ولسانه، وأثره في الصحوة الإسلامية.
أم أكتب عن الطنطاوي «الفقيه».. عن فهمه لمقاصد الشريعة، ومنهجه في الفتوى، وأثره في تقريب الفقه وتيسيره لعموم الناس.. ومعالجته للكثير من القضايا الجديدة، والمشكلات المعقدة بنظراته البعيدة وافقه الواسع.
أم أكتب عن الطنطاوي «الأديب» عن أسلوبه المتميز وموهبته النادرة، وصولاته وجولاته في دفاعه عن العربية، ومعاركه الأدبية في الصحف والمجلات.
أم أكتب عن الطنطاوي «المتحدث» اللبق و«الإعلامي» الناجح.. عن عفويته المحببة، ونفسيته القريبة، ولهجته الحبيبة، وبديهته العجيبة، ومعلوماته المتنوعة، وموسوعيته المدهشة، فعن أي جانب من هذه الجوانب أكتب وماذا أدع:
هو البحر من أي النواحي أتيته *** فلجته المعروف والجود ساحله
لقد صحبت الشيخ ولازمته خلال السنوات العشر الأخيرة من عمره، فكان يوم الأربعاء من كل أسبوع هو اليوم المخصص لي، وما قدم إلى جدة زائر من أهل العلم والفضل ممن يعرف الشيخ إلا وسعى لزيارته، وتشرفت بصحبة الكثير منهم إلى مجلسه الحافل.
فقد كان الشيخ في السنوات الأخيرة من عمره يحب الاجتماع بالناس، ويجد متعة وانسًا بمحادثتهم ولقاتهم، ويحرص على طول مكنهم وتكرر زيارتهم، بعدما كان في أكثر عمره منطويًا على نفسه يحب العزلة، ويؤثر الانفراد.
وخلال تلك الزيارات المتكررة استمعت لأطايب كلامه، وجنيت من وافر ثماره وناضح أرائه، وسعدت بصحبة الكثير من الأعلام والعلماء في مجلسه، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: أستاذنا العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، والأستاذ اللغوي سعيد الأفغاني رحمهما الله، والسيد أبو الحسن الندوي، والشيخ مصطفى الزرقا - يرحمه الله والذي قد توفي قبل أيام-، والدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور محمد رجب البيومي، والدكتور محمد الحبيب بن الخوجة، والدكتور معروف الدواليبي، والدكتور إبراهيم سلقيني، والدكتور محمد أبو الفتح البيانوني، والشيخ محمد عوامة، والشيخ عبد الله الفليدي، والدكتور عبد السلام الهراس، والأستاذ هاني الطايع، والمحامي علي الرضا الحسيني، و.. وغيرهم كثير ممن لا يغيب ذكرهم عني، فكانت مجالس علم وأدب وحلم ووقار، وفكاهة محببة.. تسمع فيها من عيون الشعر، وروائع الأدب، ولطائف العلم.
لقد كان بيت الشيخ في جدة مجمعًا علميًا، وندوة أدبية ممتدة خلال الأسبوع، في السنوات العشر الأخيرة، فمن بعد صلاة العشاء إلى قرب منتصف الليل، ندوة متجددة ومواهب متعددة، ووجوه جديدة من مختلف الاختصاصات وتنوع الاتجاهات.
يحضر مجلسه كبار العلماء والأدباء ممن أشرت لذكر بعضهم، ويحضره كذلك مجموعة من العلماء والأدباء الشباب، أذكر منهم الأستاذ محمد السرار من المغرب، ونظام يعقوبي من البحرين، ومحمد بن ناصر العجمي من الكويت، وحسن قاطرجي من بيروت، ورائد سنهوري الشاعر المبدع من جدة، ومحمد عبد الله الرشيد من الرياض، الذي كان صلة الوصل بين الشيخ ودمشق، ينقل له أخبار من بقي من علمائها، ويأتي في مقدمة هؤلاء: الأخ الكريم عبد الله زنجير، الذي كان من أثرهم لديه وأكثرنا برا ووفاء، فكان للشيخ كالولد البار في رعايته وبره،وكان الشيخ له كالوالد في حنوه وعطفه.
ولم يقتصر مجلس الشيخ على طبقة العلماء الكبار والشباب منهم.. بل غمر بواسع كرمه، وكريم عطائه.. العامة الذين أحبوه وطعموا في مائدة إفطاره، واقتبسوا من نور وهداية واستفادوا من حلول «المسائل والمشكلات» فكان يحضر مجلسه هؤلاء فيأنسون ويستفيدون.
بل إن مجلسه العامر شمل حتى طبقة الصغار من الأبناء، الذين كانوا يجلسون مع ابائهم بسكينة ووقار، فيتلقون درسًا عمليًا في الأدب والذوق، وتنطبع في مخيلتهم صورة الشيخ المهيب في تواضعه وسكينته، وتنالهم بركة دعواته الصالحة، وهم يقبلون يده الطاهرة.
ويحيط هذا المجلس برعايتهم وحفاوتهم أصهار الشيخ وأحفاده، وفي مقدمتهم: الأستاذ زياد الطباع - سبط الشيخ علي، والأستاذ نادر حتاحت- صاحب دار المنارة، وأحفاده الأعزاء، وفي مقدمتهم الإخوة الكرام عمرو حتاحت، ومجاهد، ومؤمن، ومعتصم، ومعتز ديرانية، وطارق طباع.. وغيرهم من أحفاد الشيخ وأقربائه جزاهم الله كل خير على برهم ووفائهم.
وكنت في مجلسي معه، أستحضر له مشاهد من ذكرياته، وعبارات من روائع كلامه.. وأستثير ما في ذاكرته الثرة الغنية من تاريخ شاهد، ورجال صحبهم، وأعلام تعرف عليهم.
وكنت أطلعه على ما يصور من كتب جديدة، فيحرص على اقتنائها، ويوصي بشرائها، وتجد بجانبه مجموعات من الكتب والمجلات التي تهدى له، فتحيط الكتب به، وتتضاعف وتزداد حتى تأخذ سبيلها إلى مكتبته، وعلى الرغم من إعراض الشيخ عن الكتابة، وضعف يده عن الإمساك بالقلم.. إلا أنه كان يقرأ ويطالع، ويناقش ويحاكم بعقليته الكبيرة، وذهنه الوقاد.
وكم كنا نعجب مما تستحضره تلك الذاكرة العجيبة من ذكريات ومشاهد، وعلوم ومعارف، فكان يسرد علينا من روائع الشعر والأدب والحكم ودقائق المسائل.. ما نجد أنفسنا عاجزين عن مجاراته، أو الجري في ميدانه.
وكم كان الخلاف يدور حول مسألة من المسائل وقضية من القضايا، يراعى فيها أدب الخلاف والحوار فيجد الحاضرون الرأي السديد والجواب المقنع عند الشيخ رحمه الله تعالى.
وإذا استشكلنا معنى كلمة أو غريب لفظ بادرنا بسؤاله فنجد الجواب حاضرًا على لسانه، وقد يردنا إلى بعض المراجع، ويعلمنا أن نتثبت من الحكم والمسألة.. ويعودنا على الرجوع إلى «القاموس» الذي كان على يمينه لا يفارق مجلسه.
وفي أواخر أيامه توقف الشيخ عن الفتوى وامتنع عنها، خوفًا وتورعًا، وكان يشير على من سأله بالرجوع إلى الأستاذ مصطفى الزرقاء يرحمه الله، ويثني كثيراً على علمه وفقهه.. وربما رد السائل المستعجل إلى مكتبته لمعرفة الحكم الفقهي الذي يسأل عنه.
كنت خلال هذه المجالس أحرص على انتقاء أطايب الكلام، وقراءة بعض النوادر مما أقف عليه في بطون الكتب والدوريات.. وكنت أحضر له الكثير من مقالاته المنسية مما كتبه في بواكير شبابه في «الفتح» و«الزهراء» و«الرسالة» و«الأزهر» و«المسلمون» و «حضارة الإسلام» و«الوعي الإسلامي»، و«هدى الإسلام»، و«مجلة الحج»، و «رابطة العالم الإسلامي» فيجد متعة في قراءتها، ويبدي سروره وإعجابه بوقوفي عليها.
واستعرض معه أسماء الكثير من الأعلام الذي أحبهم وصحبهم، واذكره بمواقفهم فيجد ما يسليه في غربته، ويعيده إلى ما مضى من سالف أيامه.
وأقرأ له بعض ما كتب عنه.. من ثناء ومدح..وإعجاب وإنصاف.. قرأت ما كتبه الدكتور محمد رجب البيومي في النهضة الإسلامية، وما كتبه الشاعر الأديب عبد الله بلخير في ذكرياته، وما كتبه الأستاذ عبد الغني العطري في «عبقريات وأعلام».. فكانت عيناه تدمع فرحًا وسرورًا.. لأنه لم يضع جهده وجهاده، ولم ينس الناس أثره وأعماله.. ويدعو الله سبحانه أن يتقبل منه، ويتجاوز عنه، ويحسن خاتمته.
لقد كان الشيخ بعيش هموم المسلمين، وقضايا الأمة، فما زرته يومًا لأخبره بما يقع للمسلمين من أحداث وما يحل بهذه الأمة من نكبات إلا وكان على دراية تامة ومعرفة دقيقة.
على الرغم من ضعف الشيخوخة التي أقعدته في بيته خلال سنوات عمره الأخيرة إلا أنه كان يعيش مع المسلمين في آلامهم وآمالهم وأفراحهم وأتراحهم، وعصرهم ويسرهم، فهو معهم ومنهم ولهم.
وكانت أكبر أمنياته قوله: «وأسال الله سبحانه كما سترني في شبابي أن يسترني في شيخوختي، وكما أحسن إلي في دنياي أن يحسن إلي في آخرتي، وأن يختم لي بالحسنى وأن يتوفاني مسلمًا ويلحقني بالصالحين، وأن بريني قبل موتي ظفر المسلمين وعودتهم إلى دينهم عودة كاملة صحيحة سالمة من كل عيب «مقدمات علي الطنطاوي، مقدمة المقدمات ص ۱۸».
الشيخ الطنطاوي مدرسة علمية تربوية حافلة، أمد الله في عمره حتى جاوز التسعين فأصبح متفردًا بين الناس في علمه وعمره وطبقته، لم بيق من أقرانه الذين صحبهم وصحبوه وعرفهم وعرفوه وأحبهم وأحبوه إلا الاثنين أو الثلاثة بعد أن كانوا عشرات.. وهؤلاء بعيدون عنه.. يسأل عنهم ويسمع أخبارهم.. فكان يحس بالغربة، ولطالما انشد قول الطغرائي:
هذا جزاء امرئ أقرانُهُ دَرَجوا *** من قبله فتمنى فسحة الأجلِ
ولم يكن الشيخ ممن يتمنى فسحة الأجل بعد أن فقد أعز أصحابه، ولكنه فضل الله عز وجل الذي أطال عمره ووفقه لحسن العمل.
وشعر في أواخر عمره بثقل الأيام، ووهن الشيخوخة فكان يردد قول الشاعر:
أترجو أن تكون وأنت شيخ *** كما قد كنت أيام الشباب
ولكن الروح التي تتخلل ذلك الجسد، كانت روحًا وثابة، والنفس التي تسكن ذلك الجسم كانت نفسًا متطلعة أبية تتطلع إلى رضوان الله وجنته، وتتشوق إلى لقائه ودار كرامته.
لقد حمل الشيخ الراية بعزم وصدق وإخلاص.. وترك بصماته في حياة الناس.. ونافح عن الإسلام ودافع عن حرماته أمام المفسدين وقاوم الظلم والظالمين وترك وراء تراثًا ضخمًا. وعلمًا نافعًا وأدبًا ثرًا.. ولم يكن يريد من وراء ذلك كله إلا الأجر والثواب والجزاء من الله سبحانه الذي لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
يقول الشيخ رحمة الله عليه: وأنا أخطب وأكتب من أكثر من ستين سنة، فإن خلصت لله نيتي في العشر منه، بل في معشاره فكتب في صحيفة حسناتي فقد أفلحت وأنجحت، وإن اقتصر حظي فيه غدًا على حفلات تأبين تقام وخطب تلقى ومقالات تكتب، فيا ضيعة المسعى، إن ذلك كله يبقى «هنا»، وإنما أريد ما يصحبني «هناك»، والله مالي إلا رجاء عفو الله، وأني مؤمن لا أشرك بالله أحدًا من الناس، ولا شيئًا من الأشياء والأمل بدعاء الصالحين من المسلمين.
اللهم إن تسألني ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (الانفطار: 6)
قلت: غرني أنك وصفت نفسك يا كريم.
لقد غرني يا ربي كرمك، والكريم لا يرد من وقف بيابه نادمًا ومستغفرًا راجيًا «المقدمات من 407»
فما أصدقها من كلمات، وما أخلصها مندعوات.
كان يرحمه الله يرجو ثواب الله ومغفرته،ودعوات الصالحين.
«والثواب هو وحده الذي يبقى على حين يفنى الإعجاب، وتذهب الأموال، ويعود إلى التراب ما خرج من التراب، ولدعوة واحدة لي، بعد موتي من قارئ حاضر القلب مع الله، أجدى على من منة مقالة في رثائي، ومنة حفلة في تأبيني، لأن هذه الدعوة لي أنا، والمقالات والحفلات لكتابها وخطبائها، وليس لي فيها شيء اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وأسألك حسن الخاتمة والوفاة على الإيمان» «المقدمات ص ۳۸۹ – ۳۹۰».
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وارفع درجته في المهديين، وأخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره ونور له فيه.. اللهم اؤجرنا في مصيبتنا وأخلف لنا خيرًا منها ولا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده.
مجد أحمد مكي- جدة