; علم المستقبل .. ماذا يعني؟ | مجلة المجتمع

العنوان علم المستقبل .. ماذا يعني؟

الكاتب عادل حسون الخنساء

تاريخ النشر الثلاثاء 14-أكتوبر-1997

مشاهدات 120

نشر في العدد 1271

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 14-أكتوبر-1997

لطالما شغلني هذا السؤال منذ أن بدأ وعيي يتفتح بالحياة.. ولطالما ملك علي نفسي وعقلي وأنا أنظر حولي ببراءة الأطفال وشدة ملاحظة المراهقين والشباب فلا أرى سوى الذي يشتغل بالماضي بغير فهم أو يقف عند الحاضر بتفكير ناقص وإذ بالجمود يلفنا حينًا من كل جانب أو بعض جانب بينما بلدان أخرى اخترقت حاجز الماضي والحاضر لتصل إلى المستقبل تدرسه وتستشرفه.. تناوره وتحاكيه وتبارزه تؤسس المعاهد المختصة بالمستقبل وتضع المقررات التي تدرس آلية عمل هذا المستقبل.. تواجه فرضياته بروح الفريق العلمي المتميز وتستقصي اسراره وسننه وقواعده بمجموعات من الباحثين المتخصصين وتبرمج حياتها وكأنها في المستقبل تحيا وهي لما تطرق أبوابه أو تضع خطوة واحدة في طريقه.. وإذ بعد فترة صار بجهودها للمستقبل علم.. علم قائم بذاته.. وصارت قواعده وأحكامه وآلية عمله تحت السيطرة ولم يعد المستقبل تلك الهواجس أو الأحلام وما تحمله من مفاجآت يقف الإنسان حيالها حائرا أو خائفا لا يقدر على شيء سوى الاحتماء من كوارثه والاختفاء من نائباته.

علم المستقبل وعلم الغيب! وعلم المستقبل يختلف اختلافا كبيرا وجذريا عن علم الغيب، فإذا كان علم الغيب من اختصاص الله سبحانه وحده لا شريك له، فإن علم المستقبل من اختصاص الإنسان. 

لأن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان وزوده بالعقل جعل هذا العقل يمتلك قدرة فائقة على الاختراق للمعضلات البشرية والمشكلات الإنسانية يراها في الحاضر ويتوقعها في المستقبل وإلا فقدت هذه الطاقة العقلية عظمتها وقيمتها ولم تكن دليلا رفيعا على عظمة الله.. لأنه وكما هو معلوم تكون عظمة المخلوق دليلا على عظمة الخالق بمعنى قدرة العقل البشري على الاختراق سواء اختراق الماضي واستقصائه، بل واستشفافه وسواء اختراق المستقبل باستقصائه واستشرافه إنما هو برهان على عظمة الخالق الذي خلق بنفسه هذا العقل وأراد له أن يكون كذلك بهذا المستوى اللائق الذي به يرتفع المخلوق شاهدا على عظمة الخالق، ونتيجة لذلك يكون علم المستقبل مختلفا كل اختلاف عن علم الغيب.

نخلص من ذلك إلى أن علم المستقبل هو من اختصاص الإنسان، وهو كغيره من العلوم التي يعمر بها الإنسان هذه الأرض.. اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وعلميًا، وإعلاميا ... وهو بمعنى آخر يتميز بالية عمل محددة وقواعد وأحكام مرتبة وسنن وقوانين منظمة.. وما على الإنسان العاقل أو المجتمع العاقل إلا العمل على اكتشافها وتطبيقها والاستفادة من نتائجها، ومثلما يدرس الإنسان التاريخ ليستفيد من وقائعه وتجاربه عليه أن يدرس المستقبل ليستفيد من احتمالاته وممكناته انطلاقا من قرارات صائبة ومعطيات واضحة وواقع حاضر مشاهد ومدروس. 

تسميات مختلفة لعلم الاشتغال بالمستقبليات:

عندما يظهر علم من العلوم تتعدد في كثير من الأحيان تسمياته حسب المجتمع الذي نما فيه وحسب الرؤى المختلفة لفرق الباحثين وتخصصاتهم.. ينطبق ذلك أيما انطباق على ذلك العلم المستقبلي ففريق من العلماء يطلقون على هذا العلم اسم علم استقراء المستقبل بينما يطلق عليه فريق آخر علم المستقبليات، أو علم تنظيم المستقبل، أو علم صناعة المستقبل، أو علم إدارة المستقبل.. وهنالك من يركز على مصطلح استشراف المستقبل أو علم بحث المستقبليات أو علم بحث السياسات المستقبلية وعلم دراسة المستقبليات وعلم التنبؤ المشروط، أو علم التنبؤ التخطيطي وغير ذلك من المترادفات التي تتوالد بين الفينة والفينة والتي تختلف درجات تقبلها وشيوعها من منطقة إلى أخرى غير أنها في مجموعها تعبر عن مضمون ذلك العلم الجديد والمعاصر الذي يتميز بكونه الوعاء الذي يمكن من خلاله رسم صورة للمستقبل بهدف إحكام السيطرة عليه في إطار من العلمية والموضوعية.

نخلص من ذلك إلى أن العلوم المستقبلية سواء أطلق عليها علم بحوث المستقبليات، أو علم الاستقبالية، أو غير ذلك من الأسماء هو علم لا يخرج عن دائرة التنبؤ في الممكن... كمحاولة لحل إشكالية المستقبل بالوسائل العلمية الكفيلة بتنظيم حياة المجتمعات بطريقة تعود بالنفع العميم على حاضر الأجيال الحاضرة ومستقبل الأجيال المقبلة.

مضامين علم المستقبل ومفاهيمه:

علم المستقبل حسب ما يراه اندريه بوفر في كتابه «بناء المستقبل» (۱۹۷٦) هو ذلك العلم الذي يدرس الأسباب العلمية والاقتصادية والاجتماعية التي تدفع تطور العالم الحاضر والتنبؤ بالأوضاع التي يمكن أن تنجم عن تأثير النظرية الإسلامية لعلم المستقبل تقف الموقف المعتدل الذي لا يخلط بين الغيب والمستقبل، وتشجع الإنسان على دراسة علم المستقبليات باعتباره  من العلوم التي تحقق الحياة الكريمة للإنسان . 

هذه الأسباب.. بينما يرى العالم «شان» أن علم المستقبليات ما هو إلا ذلك التخصص الجديد العلمي الذي يختص بصقل البيانات وتحسين العمليات التي على أساسها يتم اتخاذ القرارات السياسية في مختلف مجالات السلوك الإنساني مثل الأعمال التجارية والحكومية والتعليمية والغرض من هذا التخصص العلمي هو مساعدة متخذي القرارات وصانعي السياسات على أن يختاروا بحكمة في إطار أغراضهم وقيمهم، من المناهج البديلة المتاحة للفعل في زمن معين.

ويرى الدكتور ضياء الدين زاهر في بحث حول علم المستقبل في التربية أن بحوث المستقبل أو علم المستقبل لا يتضمن فقط دراسة معلومات الماضي والحاضر والاهتمام بها إنما يتضمن إلى جانب ذلك استحضار واستشراف المستقيلات البديلة الممكنة والمحتملة واختيار البديل المرغوب منها ثم التخطيط والعمل على تحقيقه، وهي مسألة تحتاج إلى جهد شاق ومكثف.

اختلاف النظريات حول مفهوم المستقبل:

ابتداء ينبغي التفريق بين علم المستقبل وبين المستقبل في حد ذاته.. فإذا كان علم المستقبل يعني بأبسط معانيه مجموعة من المحاولات التكنولوجية أو الاجتماعية التي تختص بصقل البيانات وتحسين العمليات لرسم صورة معقولة للمستقبل تمهيدا للسيطرة على آلية عمله فإن المستقبل مجموعة من الاحتمالات والظروف خارج دائرة الزمن الحاضر والذي يحمل في طياته كثيرا من المفاجآت والأزمات، وبمعنى آخر أن المستقبل في حد ذاته غير قابل للتوقع ولا يمكن احتجازه في سلسلة من التنبؤات، وذلك لكثرة وجود العوامل المحتملة فيه على حد تعبير أندريه بوفر، وبحيث يكون دور علم المستقبل محاولة مدروسة وعلمية بصورة مطردة وعمليات

متعاقبة مصممة من أجل تحريك أشكال المستقبل الممكنة التي ترغبها ومنع ولادة أشكال المستقبل التي نخشاها، فيكون علم المستقبليات هو الرباط الذي يربط بين الحاضر وبين المستقبل كي يتمكن المجتمع في أي لحظة من اتخاذ القرارات العقلانية الممكنة والهادفة والصحيحة من خلال رؤية ديناميكية للمستقبلية، مما يعني آخر الأمر الانتقال من الاندفاعات الغرائزية القائمة على الارتجال والانفعال اللاعقلاني إلى نوع من العقلانية الممكنة والواسعة للسلوك والتفكير من أجل المستقبل.

ويمكن وبصفة مستحسنة تصنيف عدد من النظريات المختلفة حول مفهوم المستقبل بشكل ييسر للقارئ، والدارس والباحث والمتخصص معرفة خلفية كل نظرية كي يتمكن من اتخاذ موقف أكثر علمية وأكثر موضوعية عند محاولته فهم آلية عمل المستقبل وبالتالي فهم حقيقة علم المستقبل.

۱ – نظرية العقائديين: يؤمن أنصارها النظرية بأن المستقبل إنما هو مرحلة محددة حسب بعض القواعد التي لا يملك معرفتها وسرها وآلية عملها غيرهم، وبالتالي فإن فهم آلية عمل المستقبل هو من اختصاص العقائديين الذين يمتلكون سر ألية عمل مع  قواعده المحددة.

۲ – نظرية البراجماتيين: يرون أن المستقبل لا يتكون إلا من بعض الظروف العارضة التي تتألف مع بعضها.. بمعنى أن المستقبل يتشكل من ظروف عارضة تلفت وتمازجت. 

٣- نظرية القانونيين: ويرى أنصار هذه النظرية أن المستقبل يمكن أن يتوافق مع خطة مثالية يطمحون إليها.

فالمستقبل في نظرهم يمكن أن يخدم طموحاتهم المثالية.

4- نظرية التقنيين: حيث يرى أنصار هذه النظرية أن التقدم التكنولوجي إذا استمر تواتره على ما هو عليه من تطور فقد يؤدي إلى الانفجار.. بمعنى أنهم يتوقعون بدقة حدوث إنفجار للتقدم التكنولوجي مستقبلا. 

5 -نظرية المنطقيين: ويرى أتباع هذه النظرية أن المستقبل قد يحقق لهم إمكانية اكتشاف بعض العقلانية في تطور الوقائع، وبالتالي فإنهم يتعاملون مع المستقبل بمنتهى العقلانية «انظر د. ضياء الدين زاهر – المحلية التربوية – ص ٨ وما بعدها». 

6- النظرية الإسلامية: ويرى اتباع هذه النظرية أن المستقبل هو مرحلة زمنية قادمة تتضمن خيرًا وشرًا يمكن من خلال الاستعداد الكامل والفهم الشامل وترتيب بدايات صحيحة لجميع الأوضاع والظروف وفق قواعد العقيدة الإسلامية وضمن حدود البحث العلمي السليم والصحيح والهادف، يمكن الوصول إلى مستقبل أفضل للأجيال الحاضرة والمقبلة بإذن الله بمعنى أن علم المستقبل علم، ممكن فهمه وممكن التعامل معه وممكن تكييفه من خلال الحاضر وحسب إمكانيات الإنسان في السيطرة على قوانين المستقبل وآلية عمله بحيث يختلف ذلك عن علم الغيب الذي هو الله.

اعتدال المنظور الإسلامي لعلم المستقبل:

ومن هذا المنطلق تقف النظرية الإسلامية لعلم المستقبل الموقف المعتدل الذي لا يقع في الخلط بين الغيب والمستقبل والذي لا يسمح فيه للإنسان أن يكون جاهلًا لحقائق المستقبل ولا سبيل في التعامل معه بل مدعوًا لأن يكون إيجابيا في منتهى الإيجابية في تحقيق أكبر استفادة من المستقبل بالحث على دراسة علم المستقبليات باعتباره أحد العلوم البشرية والإنسانية التي تحقق السعادة والحياة الكريمة للإنسان وتحقق العمران والتقدم للمجتمع، وهذه إحدى أهم الغايات التي وجد الإنسان لأجلها في هذه الحياة وشاء الله بحكمته أن يزوده بالطاقة العقلية، وذلك كي يتميز الإنسان عن الحيوان «غير القادر على بناء الحضارات وإنشاء المدنيات وابتكار المعارف والعلوم» وكي يتميز أيضا عن الملائكة ذوي القدرات الخاصة والمكلفين بالتعبد لله دون الاشتغال بعمران الكون.

إن المستقبل في النظرية الإسلامية الصحيحة هو حاضر قادم.. وبما أنه حاضر فإن التعامل معه سهل إذا ما قدر الإنسان- هذا المخلوق الكريم – على إعمال هذا العقل إعمالا صحيحا بعيدًا عن الخيال الواهم أو الهواجس أو التوهمات أو الأحلام وبعيدًا عن استخدام هذا العقل في البحث في أمور لا تنفع الإنسان بل بالعكس تهيئ الأسس لفنائه وتدميره، وبالتالي فإن إعمال العقل في النظرية الإسلامية المستقبلية أي المرتبط بعلم المستقبل إنما يكون إعمالا واقعيا معتدلا بعيدًا عن السلبية وبعيدا عن الإيجابية المبالغ بها والتي قد تصل المبالغة فيها إلى نتائج سلبية وكان النظرية الإسلامية في تعاملها مع المستقبل أخذت بعبدا لا إفراط ولا تفريط وهو مبدأ رائع لأنه يجعل المستقبل فهما وتعاملا بين أيد أمينة تستفيد من خيره وتتفادى كثيرا من شره. 

الرابط المختصر :