العنوان علماء اليمن: نعم للوحدة، لا للدستور
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مارس-1990
مشاهدات 55
نشر في العدد 958
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 13-مارس-1990
علماء الدين ليسوا ضد الوحدة فنداء الوحدة في ضمائرهم ومشاعرهم وعواطفهم.
ما زال الدستور الدائم الذي يحكم اليمن الشمالي حاليًا يلتزم بالإسلام.
اليمن السعيد صار اليوم حديث الناس، وصارت أخبار الوحدة بين الشطرين تأخذ الزوايا والصفحات الواسعة في الصحف والمجلات العربية والعالمية.
ففي صبيحة الثلاثاء الماضي 1990/3/6، كتب السيد فهمي هويدي في صحيفة الوطن الكويتية مقالًا مطولًا تحدث فيه عن الفوارق بين دستوري شقي اليمن، كما بدأ حديثه عن موقف الإسلاميين من مشروع الدستور المطروح بين اليمنين.
وفي يوم 1990/2/26، نشرت الوطن الكويتية تحت عنوان: "التيار الديني في اليمن يرفض دستور الوحدة"، وفي الوقت نفسه تناقلت بعض وكالات الأنباء موقف الإسلاميين الذي يتلخص بـ"نعم للوحدة، لا لمشروع الدستور".
مشروع الدستور:
مشروع الدستور الخاص بوحدة اليمنين، ليس وليدًا، وإنما هو نتاج عمل لجنة دستورية بدأت وضع بنوده عام 1972 أي قبل 18 عامًا، وانتهت من وضع نقاطه عام 1982.
وتعود مشروعات الاتفاق على الوحدة ودساتيرها بين اليمنين إلى عام 1972؛ حيث كان الجزء الشمالي من اليمن يواجه العصابات الإرهابية الشيوعية في الجنوب. وقد سجل التاريخ أن المواجهات كانت تنتهي لصالح الشمال لولا اتفاقية القاهرة التي جاءت في أعقاب وفاة جمال عبد الناصر.
فقد دعي من يمثل البلدين إلى القاهرة في بدايات عهد أنور السادات لتُصاغ بين الطرفين اتفاقية تمهيدًا للوحدة. وقد تضمنت الاتفاقية التي رعاها السادات آنذاك بنودًا تتعارض ودستور اليمن الشمالي، وذلك لتضمنها مفاهيم تصطدم مع عقيدة أهل اليمن. وبعد أن استعرضها العلماء في صنعاء، عقبوا عليها في رسالة رفعوها إلى الرئيس اليمني آنذاك القاضي عبد الرحمن الإرياني، وإلى مجلس الشورى في اليمن الجنوبي.
وكان أبرز ما تضمنته اتفاقية القاهرة دمج التشريعات الإسلامية مع بعض الأحكام التي تتعارض معها، وكان الرئيس الإرياني قد وعد بإصلاح الموقف، الأمر الذي جمد الاتفاقية، وتوقف مشروع الوحدة ودستورها فترة من الزمن.
وباختصار شديد، تحرك الرئيس اليمني القاضي عبد الرحمن الإرياني باتجاه تلبية رغبة العلماء، واجتمع مع الرئيس الجنوبي آنذاك (سالم ربيع) في طرابلس الغرب، وتم تعديل اتفاقيات القاهرة، ليكون البديل عنها بيان طرابلس.
لقد جاء بيان طرابلس وفي بدايته (الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع) لتحل محل المادة الناصعة في دستور اليمن الشمالي: "الشريعة الإسلامية مصدر القوانين جميعًا". ومن هنا لم يرض أهل اليمن عما تضمنه بيان طرابلس على الرغم من أنه قد تضمن حظًا لا بأس به للشريعة الإسلامية.
كذلك فإن التجمعات اليسارية اتهمت الإسلاميين بالبعد عن الاشتراكية العلمية، وأنهم يريدون أن يعودوا باليمن إلى العصور الأولى. وإلى جانب هذا، كان الرئيس الإرياني يصر على أن يكون بيان طرابلس بديلًا لاتفاقية القاهرة، لكن حكام الجنوب رفضوا ذلك آنذاك.
فوارق منهجية قديمة:
عندما قام الحزب الاشتراكي في الجنوب وضع ميثاقًا تضمن - في أهدافه تحقيق ما أسماه باليمن الديمقراطي الموحد - 3 مراحل:
• مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية.
• مرحلة بناء الاشتراكية.
• مرحلة الاشتراكية العلمية.
ويعتقد المنظرون في الحزب الاشتراكي أنه في ضوء هذه المراحل يمكن للمؤمنين بالاشتراكية العلمية أن ينتقلوا باليمنين معًا إلى صيغة اليمن الديمقراطي الموحد.
وإذا كان شعب اليمن الشمالي يزيد اليوم في تعداده عن 9.5 ملايين نسمة، بينما شعب اليمن الجنوبي يقدر بحوالي 2.5 مليون نسمة، فإن أي تغيير في منهج الحكم، أو في الدستور لا بد وأن يعرض على البرلمان في كل من الشطرين، وقد أكد الرئيس علي عبد الله صالح ذلك، ومن ثم سوف تعرض الصيغة الدستورية الجديدة على الشعب اليمني في الشطرين لإقرارها.
ولما كان أهل اليمن الشمالي الذين يمتلكون دستورًا دائمًا يتضمن كثيرًا من الشروط الإسلامية، فإن موقفهم وموقف علمائهم من صيغة مشروع الدستور المقترح للوحدة منذ عام 1982 يتلخص بما تم إعلانه (نعم للوحدة، ولا للدستور) الذي ما زال مشروعًا. ولعل الذي يجعل الفوارق المنهجية قائمة بين ما يطرحه الاشتراكيون وما يريده العلماء وجماهيرهم في اليمن الشمالي هو أن الميثاق في الشمال يدعو إلى الوحدة في ظل الإسلام، وذلك بحسب النص التالي:
"إن إيماننا بالوحدة اليمنية كطريق للوحدة العربية الإسلامية بطابعها الإنساني يحتم علينا أن نوحد جبهتنا الداخلية في جبهة وطنية".
وما زال الدستور الدائم الذي يحكم اليمن الشمالي حاليًا يلتزم بالإسلام (الكتاب والسنة) وهو يبين أن كل شيء مرجعه الإسلام، فهل يقبل أهل اليمن بالتنازل عن هذا الدستور القائم؟
ملاحظات على المشروع:
ما زال المشروع الذي وضعته اللجان ما بين عامي 1972-1982 مشروعًا حتى الآن، فهو ليس دستورًا لإحدى الدولتين، وما زالت كل دولة تتحاكم إلى دستورها. ولعل من أبرز الفوارق بين المشروع وبين دستور اليمن الدائم ما يلي:
1- اليمين الدستورية:
في الدستور الدائم والقائم حاليًا في اليمن الشمالي يبدأ السياسي عمله معاهدًا على ما يلي وفق صيغة القسم المسمى بـ(اليمين الدستورية) حيث يقسم النائب أو عضو مجلس الشورى وكذلك الوزراء:
"أقسم بالله العظيم أن أكون متمسكًا بكتاب الله وسنة رسوله، مخلصًا لديني ووطني وأمتي، وأن أحافظ على النظام الجمهوري ومبادئ الثورة، وأن أحترم دستور البلاد وقوانينها، وأن أكون أمينًا حريصًا على حريات الأمة ومصالحها، وأموالها وكرامتها، وأن أبذل جهدي وكل ما لدي من قوة للمحافظة على سيادة واستقلال الوطن، والدفاع عن سلامة أراضيه، وأن أقوم بمهنة النيابة (إذا كان نائبًا) بشرف وصدق وإخلاص، والله على ما أقول شهيد".
أما مشروع الدستور فقد ألغت اللجنة التي وضعته (قبل سنوات عدة) كثيرًا من القيود الإسلامية في صيغة القسم، ونصه في المشروع المقترح كما يلي:
"أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصًا على النظام الجمهوري، وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أراعي مصالح الشعب وحرياته رعاية كاملة، وأن أحافظ على وحدة الوطن واستقلاله وسلامة أراضيه".
وقد غاب من الصيغة الحرص على أموال الأمة وكرامتها، والتمسك بالدين الإسلامي الحنيف. ويعلق علماء اليمن بأن الصيغة في المشروع المقترح ألغت خصائص الحكم الإسلامي.
2- عضو مجلس الشورى:
جاء في الدستور الدائم وصف لعضو مجلس الشورى كما يلي:
"يشترط في عضو مجلس الشورى أن يكون يمنيًا، لا يقل سنه عن 25 عامًا، ولا يكون أميًا، وأن يكون مستقيم الخلق، محافظًا على الشعائر الدينية، وألا يكون قد صدر ضده حكم مخل بالشرف ما لم يكن قد رد إليه اعتباره".
وقد أسقط مشروع الدستور المقترح عبارة (محافظًا على الشعائر الدينية). ومن ناحية أخرى، يشترط الدستور الدائم على عضو مجلس الشورى "أن يكون عارفًا بالشرعيات، مستقيمًا أخلاقًا وسلوكًا، محافظًا على الشعائر الإسلامية". وقد أسقط المشروع المقترح استقامة الأخلاق والسلوك والمحافظة على الشعائر.
3- فرائض شرعية:
حرص الدستور الدائم لليمن الشمالي على تطبيق فرض الزكاة في المجتمع اليمني؛ حيث نصت المادة 135 منه على ما يلي:
"الزكاة ركن أساسي من أركان الإسلام، وعلى الدولة العمل على تحصيلها وصرفها في مصارفها".
بينما يلغي مشروع الدستور المقترح هذه المادة، ويضع البديل كما يلي:
"إنشاء الضرائب العامة وتعديلها وإلغاؤها لا يكون إلا بقانون، ولا يعفى أحد من أدائها كلها أو بعضها إلا بالأحوال المبينة بالقانون، ولا يجوز تكليف أحد بأداء غير ذلك من الضرائب والرسوم والتكاليف العامة إلا بقانون".
وهذا ما يتعارض تمامًا مع رغبة اليمن الذي يحرص على وجود مادة الزكاة في الدستور. أما المشروع فإنه يلغي الفريضة، ويسمح بأخذ الضرائب دون قيد أو شرط.
4- الأسرة:
ومن الأمور التي يرفضها أهل اليمن إسقاط المادة 7 من الدستور الدائم والتي تقول: (الأسرة أساس المجتمع، وقوامها الدين والأخلاق والوطنية). فقد ألغى المشروع هذه المادة، كذلك ألغى حد الزنا الذي يتضمنه الدستور الدائم، وذلك بوضع المادة 33 التي تلغي الحدود الشرعية الإسلامية.
5- الحقوق العامة والخاصة:
كفل الدستور الدائم حريات المواطنين العامة والخاصة وذلك بنص المواد التي تقول:
• تكفل الدولة الحرية العامة والخاصة في حدود الشريعة والقانون.
• للدماء والأموال والأعراض حرمتها، وتكفل الشريعة والقانون وسائل حمايتها.
وواضح أن هذه المواد الإسلامية ضرورية بشكل أساسي لاستقرار المجتمع، وقد ألغاها مشروع الدستور المقترح بمادة أخرى يقول فيها: "تكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية، وتحافظ على كرامتهم وأمنهم، ويحدد القانون الحالة التي يحرم منها المواطن من حريته".
مادة التشريع:
على أن الأصل الذي يتمسك به أهل اليمن هو ما ورد في الدستور الدائم حول مصادر التشريع؛ حيث ينص الدستور على أن "الشريعة الإسلامية مصدر القوانين جميعًا". وهذا يعني أن الدستور الذي يعمل به حاليًا في اليمن الشمالي أسند الحاكمية كلها لله. ومن هنا فإن علماء اليمن وأهل اليمن معهم متمسكون بدستورهم الدائم، وهم إلى جانب ذلك متمسكون بالوحدة مع الشطر الجنوبي لليمن، بل إنهم يدعون إلى وحدة العالم العربي جميعًا، ويعتقدون أن الوحدة العربية لا تكفي، فلا بد أن يتحد العالم الإسلامي بأجمعه، فالعصر ما عاد يسمح بقيام الكيانات الهزيلة والتجمعات الصغيرة.
أخيرًا، إن علماء اليمن ليسوا، كما نشرت بعض الصحف، ضد الوحدة، فنداء الوحدة في ضمائرهم، ومشاعرهم وعواطفهم مع إخوانهم أينما كانوا، وإنما المعترض عليه من قبلهم هو مشروع الدستور. وقد أشار الأستاذ فهمي هويدي في صحيفة الوطن إلى ذلك. والمعتقد أن أهل اليمن جميعًا لن يتنازلوا عن دستورهم يوم أن يعرض المشروع المقترح على التصويت في مجلس الشورى (البرلمان) وعلى الشعب، فما زال شعار "نعم للوحدة، لا لمشروع الدستور" هو الذي تردده ضمائر الشعب في اليمنين معًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل