العنوان مؤتمر «الحضارة الإسلامية وروسيا اليوم» يطرح للنقاش: علاقات روسيا بالعالم الإسلامي والدور الإيجابي المنتظر لمسلميها
الكاتب د. حمدي عبد الحافظ
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1998
مشاهدات 60
نشر في العدد 1304
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 16-يونيو-1998
أجمع المشاركون في مؤتمر «الحضارة الإسلامية وروسيا اليوم.. الطريق إلى التفاهم المشترك»، الذي انعقد في موسكو في الرابع والخامس من شهر يونيو الجاري على رفضهم لما يسمى بالتطرف والإرهاب، وأشاروا إلى ضرورة التعايش السلمي بين معتنقي الديانات المختلفة ومواجهة التحديات المعاصرة التي تواجه البشرية عشية القرن الحادي والعشرين.
وحمل المشاركون في الندوة -الذين وفدوا من ٢٦ دولة عربية وإسلامية وأوروبية- على الحملات المغرضة التي تشنها وسائل الإعلام الروسية والغربية لتشويه الجوهر السمح للإسلام، ودمغه بالتطرف لحساب قوى عالمية تتربص بالمسلمين في كل مكان، وحذر المشاركون في المؤتمر من عواقب ما يحدث في شمال القوقاز الروسي، ووصفوه بمخطط صهيوني لإشعال الحرب وإحداث الوقيعة بين روسيا الاتحادية والعالم الإسلامي.
شارك في أعمال المؤتمر خمسون مندوبًا من ٢٦ دولة، و١٢٠ مندوبًا من ممثلي المنظمات والإدارات الدينية في روسيا وبلدان رابطة الكومنولث.
وسعى البيان الصادر عن المؤتمر إلى تحليل نتائج النهضة الإسلامية التي بدأت في روسيا في مطلع التسعينيات على إثر انتشار الليبرالية في الحياة الاجتماعية وإلى رسم طرق وسبل تطور الإسلام في روسيا، وتحقيق التعاون والتفاهم بين العالم الإسلامي وروسيا في القرن القادم.
وجاء في البيان «إن الأوضاع الناشئة في روسيا الآن تبعث على الأمل والتفاؤل من جهة، والقلق والاضطراب من جهة أخرى، ففي السنوات الأخيرة عاد الملايين من المسلمين الروس إلى ممارسة طقوسهم الدينية بكامل حجمها، وأتيحت لهم فرصة التردد على المساجد ودراسة القرآن والتصرف وفقًا لمبادئ الإسلام في الحياة الاجتماعية، بل في الحياة السياسية أيضًا، لكن العقود الماضية التي راح الملحدون فيها يتخذون إجراءات قمعية ضد من يمارس الطقوس الدينية وغابت فيها التربية الروحية الصحيحة والجهل بمسائل الإيمان كل ذلك تسبب في نشوء ظاهرة تشوه حقيقة الإسلام، وتضع نظريات عدوانية غريبة على المسلمين تقوم على الإكراه والعنف وإهمال خبرة وتقاليد الحضارة الإسلامية التي نشأت في أراضي روسيا منذ قرون عديدة.
ولدى التطرق لعلاقات روسيا مع العالم الإسلامي جاء في البيان «.... ثمة ميول مختلفة تظهر الآن في علاقات روسيا مع البلدان الإسلامية، فمن جهة تحظى روسيا بسمعة متزايدة في البلدان الإسلامية، وتقيم علاقات ودية مع معظمها، وتطور معها التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري والتقني، ومن جهة أخرى فإن هناك طاقات هائلة لتطوير مثل هذه العلاقات ولكن لم تتخذ حتى الآن إلا الخطوات الأولى في سبيل ذلك، ومن شأن المسلمين الروس الذين يبلغ عددهم زهاء العشرين مليونًا، أن يضطلعوا بدور كبير في تطوير وتعزيز مختلف الصلات بين روسيا والعالم الإسلامي.
وطرح المؤتمر والبيان الختامي الصادر عنه العديد من التساؤلات الملحة منها:
كيف تبنى العلاقات بين روسيا والعالم الإسلامي؟
ما مدى تأثير النهضة الإسلامية في العلاقات بين مختلف القوميات الروسية؟
بأي اتجاه سيتطور التعاون الاقتصادي بين روسيا والبلدان الإسلامية؟
ودعا المؤتمر رجال الدين والشخصيات الحكومية والعلماء ورجال الأعمال والمثقفين إلى الشروع في حوار مفتوح وشامل للرد على الاستفسارات السابق ذكرها، وإيجاد الإجابة الناجعة لها، وصياغة الطرق الملائمة وتطبيقها.
وصاغ المؤتمر ولجانه المتخصصة التي انبثقت عنه مجموعة من التوصيات في المحاور الرئيسة التي تناولتها المناقشات الجادة والمتواصلة بين المشاركين فيه جاء فيها:
أولًا، العالم الإسلامي وروسيا في سباق العلاقات السياسية والاقتصادية:
۱ - ينمو ويتزايد دور العامل الإسلامي بسرعة في الوقت الحاضر في الحياة السياسية في روسيا وفي السياسة العالمية بصورة عامة، وتمارس الطوائف الإسلامية عملها في أكثر من ۱۸۰ بلدًا، ويشكل المسلمون أكثرية السكان في ٤٩ بلدًا، ويربو عدد المسلمين على مليار ومئتي مليون، إن الحفاظ على الاستقرار العالمي يتطلب إيجاد آلية للتعاون والوفاق بين مختلف المجتمعات من خلال إقامة حوار بين الحضارات ولا سيما بين روسيا والعالم الإسلامي.
۲ - يحتل الإسلام مكانة مهمة على نطاق كومنولث الدول المستقلة، وتشكل البلدان الإسلامية «أذربيجان، كازاخستان، أوزبکستان، قیرغیزستان ترکمانستان طاجيكستان» نصف عدد أعضاء الكومنولث وعلى الصعيد الدولي يمارس العديد من البلدان الإسلامية التعاون السياسي والاقتصادي مع روسيا.
٣ – لا بد من الاستفادة من العامل الإسلامي بشكل بناء لتحقيق تسوية سياسية للنزاعات العسكرية والناشبة بين مختلف الدول في أراضي الاتحاد السوفييتي السابق، سواء في روسيا نفسها أو خارجها، وترتبط قضايا الشيشان وكاراباخ، وأبخازيا، وطاجيكستان ارتباطًا وثيقًا بتناقضات «أثنية» ودينية وحضارية، ويمثل توسيع التعاون بين روسيا والعالم الإسلامي أحد أهم الشروط الكفيلة بإيجاد حل سلمي لهذه النزاعات وتفادي نشوب خلاقات ونزاعات جديدة.
4-وبهذا الصدد تكتسب ضرورة تطوير العلاقات بين روسيا والأمة الإسلامية أهمية خاصة، وتصبح أحد الاتجاهات الرئيسة للسياستين الداخلية والخارجية، ويتطلب تفعيل التعاون بين روسيا والأمة الإسلامية وضع نظرية طويلة الأجل للتعاون السياسي والاقـتـصـادي والثقافي.
5 - إن الشراكة بين روسيا والعالم الإسلامي يجب أن تصبح شراكة بين عاملين في الحياة الجيوسياسية العالمية، يتمتعان بسمعة دولية متكافئة، ويمكن أن تساعد على تزايد سمعة روسيا على الصعيد العالمي، مشاركتها في نشاطات المنظمات الإسلامية الدولية، وفي مقدمتها منظمة المؤتمر الإسلامي
ثانيًا: المجتمع الإسلامي في روسيا حاضره ومستقبله:
١ - تنتمي روسيا المعاصرة إلى حضارتين:
مسيحية أرثوذكسية، وإسلامية، ويبلغ عدد المسلمين القاطنين في روسيا عشرين مليونًا تقريبًا.
ويضطلع الإسلام بدور مهم في حياة عدد من الجمهوريات القومية المنضمة إلى روسيا الفيدرالية، ومنها تترستان، باشکورتوستان، داغستان، کاراتشاييفو، تشيركيسيا،كاماردينو، بالكاريا، أديفيا، أينفوشينيا، أوسيتيا الشمالية، الأنيا، جمهورية يتشكيريا الشيشانية، ويتضمن قانون حرية المعتقد والمؤسسات الدينية الذي صادق عليه مجلس الدوما إشارة إلى الوضع الخاص للدين الإسلامي.
۲ - أمام المسلمين في روسيا اليوم مهام اجتماعية ويقف المسلمون في روسيا، إلى جانب ممثلي الأديان الأخرى ضد المواقف اللاأخلاقية والإدمان على المخدرات وغير ذلك من العيوب الاجتماعية المتفشية في المجتمع، ومن أجل ترسيخ القيم الأخلاقية الدينية.
٣ - من أهم أولويات المجتمع الإسلامي في روسيا- العمل على تعزيز أركان الأسرة ورعاية الأمومة والطفولة، وتهيئة ظروف ملائمة للحفاظ على صحة المواطنين الجسدية والروحية، ويسعى المسلمون جاهدين للحصول على حقوق متساوية مع غيرهم من مواطني روسيا الفيدرالية في كافة مجالات حياة المجتمع، بما فيها الدين والسياسة والاقتصاد والثقافة، وتلعب دورًا مهمًا قضية حماية المسلمين من التمييز الاقتصادي والملاحقات ولا سيما في مجال التجارة الحرة وعمل الشركات الصغيرة ودعم نشاط المسلمين الاقتصاد واجتذاب الاستثمارات الأجنبية من قبل رجال الأعمال المسلمين.
٤ - ويستحق اهتمامًا خاصًا ما يبذله المسلمون من جهود جهيدة لحفظ السلام وحل النزاعات القوقازية والتي طال أمدها، بما في ذلك تطبيع العلاقات مع جمهورية يتشكيريا الشيشانية والتسوية العادلة للعلاقات بين أوسيتيا الشمالية وإينفوشينيا، وتخفيف التوتر في داغستان.
ثالثًا: الحضارة الإسلامية في روسيا:
١- تم في روسيا حتى الآن، تسجيل ما يربو على ٧٥٠٠ جمعية إسلامية وأكثر من مئة مؤسسة تعليمية، وزهاء أربعين هيئة إدارية على شتى المستويات، وزاد عدد المساجد على سبعة آلاف.
2- تعتبر السلطات الإسلامية ثاني الأديان من حيث الأهمية.
وقد افتتح مجد تذكاري في «بوكلونايا»، تكريمًا لذكرى الجنود المسلمين الذين دافعوا عن روسيا في سنوات الحرب العظمى؛ حيث جرت مراسم افتتاح المسجد أثناء الاحتفالات المكرسة لمرور ٨٥٠ سنة على تأسيس مدينة موسكو، وكان هذا الحدث رمزًا للاعتراف بالدور الإيجابي الخاص الذي اضطلع به الإسلام في تاريخ روسيا.
٣- أمام المسلمين في روسيا مهام واسعة النطاق في مجال التربية والتعليم والمطلوب اليوم ليس فقط دراسة أسس الإسلام، بل إعداد الأئمة والمتخصصين في العلوم الإسلامية، إن المطلوب اليوم ليس فقط النهضة الإسلامية بعد سنين طوال من الحكم الإلحادي، بل حصول المسلمين على مكانتهم وإدراكهم دور الإسلام في الحضارة الروسية.
مستشار الكرملين: نفرق بين «الأصولية» كمذهب ديني وبين المواقف «الراديكالية» التي يحاول البعض إلصاقها بالإسلام!
مفتي روسيا: نسعى لإنشاء «أوقاف» روسية
موسكو: المجتمع
اعتبر مفتي روسيا ورئيس الإدارة الدينية لمسلمي القسم الأوروبي من الفيدرالية الروسية الشيخ راوي عين الدين وحدة المسلمين الروس الشرط الرئيس لتبوئهم مكانة لائقة في المجتمع تتناسب وعددهم الذي تخطى راوي عين العشرين مليون نسمة، أي ما يقرب من سبع عدد السكان، وحذر الشيخ راوي عين الدين في تصريحاته للمجتمع من محاولات شق صفوف المسلمين الروس التي تبذلها الدوائر الداخلية والخارجية التي تتربص بهم وتخطط لإضعافهم وبث الشقاق والتناحر في صفوفهم.
وردًا على سؤال للمجتمع حول مغزى وأهمية مؤتمر الحضارة الإسلامية وروسيا اليوم سبل التعاون بينهما، أشار مفتي المسلمين الروس إلى أهمية انعقاد المؤتمر لا بالنسبة للمسلمين الروس وحدهم، بل للسلطة الروسية ذاتها التي بعثت بممثليها وكبار المسؤولين فيها ومن بينهم عضو المجلس الرئاسي ومستشار الرئيس للشؤون القومية إميل باين ونائب رئيس الحكومة رمضان عبد اللطيبوف وعضو البرلمان الألكسي مترفانوف وآخرون، للمشاركة في أعماله، بوصفه خطوة جادة نحو تحقيق التقارب والتفاهم بين ممثلي الأديان في روسيا الاتحادية، وأكد الشيخ راوي عين الدين على أهمية الإعلان الذي صدر عن المؤتمر والذي شدد على ضرورة التحلي بتعاليم الدين الحنيف في الجنوح للسلم والتسامح، وحسن المحاورة لدى معالجة النزاعات المتفجرة في روسيا اليوم وبخاصة في شمال القوقاز واستبعد في معرض رده على أسئلة المجتمع تحقيق النجاح في تطوير وتنمية المجتمع الروسي، وإضفاء الديمقراطية والحرية عليه دون مشاركة المسلمين الروس الفاعلة في مختلف جوانب الحياة.
وحمل الشيخ راوي عين الدين على بعض وسائل الإعلام الروسية «المسماة الديمقراطية» وعلى ما تبثه من أكاذيب مغرضة للإساءة إلى الإسلام والمسلمين الروس وإلقاء مسؤولية توتير الأوضاع في شمال القوقاز على عاتقهم، فيما تتناسى الأسباب الحقيقية لتفجر النزاعات العرقية والقومية، وفي مقدمتها حملات التنكيل المتواصلة التي استهدفت شعوب المنطقة وانعدام السياسة الثابتة لتطويرها والتردي الشديد لأوضاعها الاقتصادية وتدني مستوى المعيشة فيها.
واختتم الشيخ راوي عين الدين تصريحاته للمجتمع بالكشف عن مساعي الإدارة الدينية لمسلمي روسيا لبعث وإعادة «الوقف»، وإنشاء إدارة خاصة «الأوقاف» تتولى الإشراف على بناء المساجد والمدارس وتؤسس صناديق الائتمان والضمان الاجتماعيين وصناديق للتقاعد وتقديم المساعدات للمحتاجين من المسلمين الروس، وعلى هامش أعمال المؤتمر أشار عضو المجلس الرئاسي الروسي ومستشار الكرملين للشؤون القومية إميل باين في تصريح المجتمع إلى أهمية المؤتمر ومستوى التمثيل الرفيع فيه من جانب رجال الدين الإسلامي في روسيا والعديد من البلدان العربية والإسلامية وبلدان رابطة الكومنولث، وأكد على أهمية العنصر الإسلامي في روسيا وأشار إلى استحالة تحقيق التقدم والازدهار وترسيخ قواعد المجتمع الديمقراطي المتحضر دون مشاركة عشرين مليون من المسلمين الروس الفاعلة ودون تحقيق التفاهم المشترك بينهم وبين السلطة السياسية فيها.
وفي معرض رده على سؤال للمجتمع حول مزاعم وسائل الإعلام الروسية عن «الخطر الأصولي» في شمال القوقاز، دعا إميل باين إلى التمييز بين «الأصولية»، كمذهب ديني وبين المواقف والسياسات الراديكالية المتطرفة التي يحاول البعض إلصاقها بالدين الإسلامي، وعزا إميل باين عدم الاستقرار في شمال القوقاز إلى التذمر الاجتماعي الناجم عن تدهور مستوى المعيشة واضمحلال فرص العمل مما خلق حالة من التكالب والتشاحن وبخاصة بين الأجيال الشابة ودفعها إلى تأييد «الشيوعيين» في الانتخابات السابقة وقد يدفعها في الوقت الراهن، إلى تبني أي أفكار راديكالية سواء جاءت بغلاف ديني أو سياسي أو قومي.
وردًا على سؤال لـلمجتمع حول طبيعة العلاقات التي تربط روسيا بالعالم الإسلامي في الوقت الراهن، أشار مستشار الكرملين إميل باين إلى التحسن المطرد في هذه العلاقات، وبخاصة بعد تولي بريماكوف وزارة الخارجية الروسية، وأكد باين على أهمية التعاون والتشاور بين روسيا والبلدان العربية والإسلامية المنظمات الدولية والإقليمية تجاه القضايا ذات في الاهتمام المشترك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل