; عقود الخيارات.. رؤية إسلامية | مجلة المجتمع

العنوان عقود الخيارات.. رؤية إسلامية

الكاتب د. أشرف دوابه

تاريخ النشر الاثنين 01-مارس-2021

مشاهدات 109

نشر في العدد 2153

نشر في الصفحة 47

الاثنين 01-مارس-2021

اقتصاد إسلامي

عقود الخيارات.. رؤية إسلامية

لا يقر عقد الخيار أي حق للمشتري ما لم يتم تنفيذه باستثناء حق الخيار في تنفيذ العقد أو عدم تنفيذه

المعقود عليه في الخيار ليس مالاً ولا منفعة ولا حقاً مالياً يجوز الاعتياض عنه لذا فهو غير جائز شرعاً

بعضهم أجازوا خيار الشراء المغطى باعتباره عقداً على حق مالي يجوز بيعه وشراؤه وتداوله على أصل موجود مملوك لمصدره

الغرر والجهالة والقمار سمة عقود الخيارات وفقاً لتصميمها كمنتج مالي للمضاربة والتحوط ولا يمكن اعتبارها حقاً مالياً

د. أشرف دوابه

 

نشأت عقود الخيارات (Option Contract) في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان يجري التعامل بهذه العقود في السوق المالية غير المنظمة من خلال وسطاء ماليين، ثم انتقل التعامل بعد ذلك إلى السوق المنظمة من خلال بورصة شيكاغو، في 26 أبريل 1973م، وسرعان ما انتشرت هذه العقود في البورصات الأمريكية، فالبورصات الأوروبية.

تعرف عقود الخيارات بأنها عقود تعطي لمالكها حق (وليس التزام) شراء ويسمى «Call Option”، أو بيع ويسمى “Put Option” كمية معينة من أصل مالي بسعر محدد متفق عليه مقدماً (ويسمى سعر التنفيذ أو الممارسة Exercise or Striking Price)، وذلك نظير مبلغ معين غير قابل للرد (وليس جزءاً من قيمة لصفقة) يدفع لبائع العقد على سبيل التعويض أو المكافأة (ويسمى علاوة Premium)، ويبقى هذا الحق صالحاً حتى تاريخ استحقاق العقد. 

ويطلق على مشتري العقد (Buyer) صاحب المركز الطويل (Long Position)، بينما يطلق على المحرر (Writer) صاحب المركز القصير (Short Position)، وقد سميت هذه العقود بعقود الخيار؛ لأنها تعطي لمالكها الحق في تنفيذ الاتفاق أو عدم تنفيذه، ولا يقر عقد الخيار أي حق للمشتري ما دام لم يتم تنفيذه، باستثناء حق الخيار في تنفيذ العقد أو عدم تنفيذه، ومن ثم لا يكون لحامل عقد الخيار أي حق في أرباح المنشأة في حالة عقود خيارات الأسهم بل ليس له أي علاقة بالمنشأة المصدرة لتلك الأسهم.

وقد تكون الخيارات مغطاة حينما يكون محرر العقد (البائع) مالكاً بالفعل للأوراق المالية التي يحرر عليها عقد شراء بما يمكنه من الوفاء بالتزاماته إذا ما طولب بتنفيذ العقد وتسليم الأوراق المالية محل التعاقد، أو يكون لديه السيولة النقدية الكافية للوفاء بالتزاماته إذا ما طولب بتنفيذ العقد، وكان العقد خيار بيع. 

كما قد تكون الخيارات غير مغطاة عندما لا يكون لدى بائع حق الخيار رصيد من الأوراق المالية محل التعاقد تسمح له بتغطية التزاماته إذا ما طولب بتنفيذ العقد وتسليم الأصل محل التعاقد، إن كان العقد خيار شراء أو لم يكن لديه السيولة النقدية الكافية للوفاء بالتزاماته، إذا ما كان العقد خيار بيع.

توقعات المشتري والمحرر

ومن خلال خيار الشراء يكون من حق المستثمر (مشتري حق الخيار) شراء عدد من الأوراق المالية بسعر محدد في تاريخ معين، نظير مكافأة يدفعها المشتري لمحرر حق الخيار، وفي هذا النوع من الخيارات تختلف توقعات كل من مشتري الحق ومحرر العقد؛ فبينما يتوقع مشتري الحق ارتفاع أسعار الأوراق مستقبلاً، يتوقع محرر الحق انخفاض أسعار الأوراق المالية مستقبلاً، ويستخدم هذا النوع من الخيارات في المضاربة على الصعود من جانب أولئك الذين يتوقعون ارتفاع أسعار الأسهم مستقبلاً في السوق، كما يستخدم كأداة للتغطية أو التحوط ضد المخاطر حيث يتيح فرصة للمستثمر لحماية استثماراته ضد مخاطر ارتفاع القيمة السوقية للأوراق المالية التي يرغب المستثمر في شرائها مستقبلاً، فمن حق المستثمر إلزام محرر عقد خيار الشراء بتنفيذ العقد إذا ما ارتفعت أسعار الأوراق المالية، في خلال فترة التعاقد عن السعر المتفق عليه، وهو سعر التنفيذ، وتم التسوية في الواقع العملي بصورة نقدية.

وعلى العكس من ذلك، فإن خيار البيع يكون من حق المستثمر (مشتري حق الخيار) ببيع عدد من الأوراق المالية بسعر محدد في تاريخ معين نظير مكافأة يدفعها المشتري لمحرر حق الخيار، وفي هذا النوع من الخيارات يتوقع مشتري حق خيار البيع أن تنخفض أسعار الأوراق المالية مستقبلاً، في حين يتوقع محرر حق خيار البيع أن ترتفع أسعار الأوراق المالية مستقبلاً، ويستخدم هذا النوع من الخيارات في المضاربة على الهبوط من جانب أولئك الذين يتوقعون انخفاض أسعار الأسهم مستقبلاً في السوق، كما يستخدم كبديل لعمليات البيع على المكشوف وأداة للتغطية أو التحوط ضد المخاطر حيث يتيح فرصة للمستثمر لحماية استثماراته من مخاطر انخفاض القيمة السوقية للأوراق المالية، فمن حق المستثمر إلزام محرر عقد خيار البيع تنفيذ العقد إذا انخفضت أسعار الأوراق المالية في خلال فترة التعاقد عن السعر المتفق عليه وهو سعر التنفيذ، وتم التسوية في الواقع العملي بصورة نقدية. 

الحكم الشرعي للخيارات

وبالنظر للحكم الشرعي للخيارات، فإن المعقود عليه في الخيار ليس مالاً ولا منفعة ولا حقاً مالياً يجوز الاعتياض عنه؛ لذا فإنه عقد غير جائز شرعاً، كما أن الاتفاق الذي يؤدي إلى الحصول على خيار لقاء ثمن الخيار لا يعتبر عقداً؛ لأنه يفتقد محل العقد المعتبر شرعاً، فضلاً عن أن العوض الذي يدفع مقابل الخيار هو في الحقيقة شراء التزام في الذمة، والالتزام حق، والحق لا يقبل المعاوضة، وبالتالي يعتبر أكلاً للمال بالباطل؛ لأنه لم يدفع لتحقيق أو توثيق الشراء، بل هو ثمن للخيار، ولذا لم يعتبر جزءاً من ثمن البيع.

ورغم حرمة عقود الخيارات وتحريم المجامع الفقهية والمعايير الشرعية لها، فقد ظهر رأي يجيز أنواعاً منها باسم الحق كما يلي:

1- خيار الشراء المغطى جائز باعتباره عقداً على حق مالي يجوز بيعه وشراؤه وتداوله على أصل موجود مملوك لمصدره وخالٍ من الغرر والقمار والجهالة، فإذا تم التعاقد على شراء أسهم موجودة مملوكة ومحجوز عليها مع خلو هذه العملية من المخالفات الشرعية فلا إشكال فيها.

وهذا الكلام مردود عليه، فوفقاً لآليات الخيارات لا يمكن التسليم بما قيل، فلو افترضنا شراء تلك الأسهم، فإن تأخير البدلين هو محصلة ذلك، وهو بيع كالئ بكالئ وغرر فاحش، لا سيما مع احتمالية إمكانية التنفيذ من عدمه. 

كما أن القول بأن حق الخيار حق مالي يجوز بيعه غير صحيح، فالحق المالي هو اختصاص مشروع بمنفعة ذات قيمة مالية بين الناس، وهو ما يفتقر إليه الخيار، كما أنه لا تجوز الحقوق التي يترتب عليها تغيير الأحكام الشرعية، فضلاً عن أن من قواعد منع التعسف في استخدام الحق القصد غير المشروع، فاستعمال الحق لتحقيق غرض غير مشروع لا يتفق مع المصلحة المقصودة من الحق أمر لا يجوز شرعاً.

كما أن قياس حق الخيار على حق الشفعة هو قياس مع الفارق، فرغم أن حق الشفعة حق مالي مجرد، فإن الاعتياض في هذا الحق منعه الحنفية باعتباره مجرداً عن محل الملك، فيلزم من ذلك عدم التصرف فيه بطريق المعاوضة، ومنعه الشافعية والحنابلة، وردوا ذلك إلى طبيعة هذا الحق وهو كونه شرع لدفع الضرر، وأجاز المالكية ذلك بعد الشراء باعتباره تنازلاً عن ملك بعوض، ومنعوه قبل الشراء وكان على شفعته؛ لأن من وهب ما لا يملك لم تصح هبته، وبصفة عامة الحقوق المجردة لا يجوز الاعتياض عنها وأثبتها الشارع لدفع الضرر عن أصحابها.

2- خيار البيع المغطى فيه يبيع البائع الأسهم ويعطي المشتري مبلغاً من المال مقابل امتلاك الحق في بيعها عليه مدة العقد إذا رغب، وهذا جائز بشرط وجود الأسهم وملكيتها لأحد العاقدين، وذلك لأن المعقود عليه حق مالي يجوز ويصلح أن يكون محلاً للعقد والمبلغ المدفوع مقابل الحصول على الحق.

وهذا مردود عليه بما ذكرناه من نفي أن الخيار حق مالي معتبر شرعاً، كما أن المكافأة ليست ثمناً أو جزءاً من الثمن، إضافة إلى أن العبرة ليس بتملك الأسهم فقط، ولكن أيضاً بتسليمها، ولو افترضنا تسليمها في تاريخ التنفيذ فإن الثمن أيضاً مؤخر، ولا يجوز شرعاً تأخير البدلين، فضلاً عن احتمالية إمكانية التنفيذ من عدمه.

وهذه الصورة تدخل في بيعتين في بيعة المنهي عنها شرعاً، فإذا كان ذلك ممنوعاً في البيع فإنه في الحق غير الشرعي للخيار أولى.

3- خيار البيع غير المغطى، شركة الوساطة تشترط على المحرر إيداع مبلغ لضمان تأدية التزامه، وهذا المبلغ لا بد أن يغطي أقصى خسارة، وهي معلومة في هذا العقد، وهي القيمة المتفق عليها لشراء الأسهم، وإذا لم يملك كامل المبلغ فلا إشكال أيضاً إذ لا يشترط أن يملك المشتري ثمن المبيع، كما لو اشترى سلعة بالأجل فلن يؤثر وجود الثمن في صحة البيع المؤجل وعقد الخيار البيع فيه تم على الحق وقبضت قيمته، فيجوز التعامل بهذا النوع من العقود لأنه عقد على حق مالي، والأسهم موجودة ومملوكة لأحد العاقدين، لأن في هذا النوع من العقود من يشتري حق البيع هو مالك السهم، فيشتري حق البيع ليبيع أسهمه إذا رغب. 

وهذا مردود عليه بما ذكرناه من نفي أن الخيار حق مالي معتبر شرعاً، وأن المكافأة ليست ثمناً أو جزءاً من الثمن، كما أنه في البيع الآجل يتم تسليم السلعة وتأجيل الثمن وهنا يتم تأجيل البدلين.

بيع ما لا يملك

ومن الجدير بالذكر هنا أن من ذهب لإباحة خيار البيع غير المغطى حرم في الوقت نفسه خيار الشراء غير المغطى، مبرراً ذلك بعدم استيفاء الحق لملكية الأسهم، فهو بيع ما لا يملك وفيه غرر وجهالة وقمار، والحقيقة أن الغرر والجهالة والقمار هي سمة عقود الخيارات وفقاً لتصميمها كمنتج مالي للمضاربة والتحوط، ولا يمكن اعتبارها حقاً مالياً؛ فهي في حقيقتها معاوضة لضمان السعر بغرر كثير كالتأمين التقليدي.

هذا، ولم يقتصر بعض المجيزين للخيار على ذلك، بل هناك من رأى أن عقد الخيار هو خيار شرعي، ومن رآه على أنه بيع عربون، وهذا قول مردود في أصله، حيث إن عقد الخيار عقد مستقل عن عقد البيع ومحله حق لمشتريه والتزام على بائعه وليس معاوضة على سلعة معينة، بينما الخيار الشرعي ليس له وجود مستقل، فهو يتعلق بعقد البيع ومحله سلعة معينة، كما أنه في بيع العربون يتم دفع مقدم من الثمن في سلعة، فإذا تم البيع خصم من الثمن، وإذا لم يتم البيع أخذ البائع العربون، فالخيار فيه للمشتري، واللزوم على البائع، وبذلك يكون العربون جزءاً من ثمن سلعة، أما علاوة الخيار فهي حق أو التزام.

إن عقود الخيارات في حقيقتها ما هي إلا مقامرة على وقائع مغيبة، يخسر فيها طرف ويكسب فيها آخر، ولا يحدث فيها تسليم ولا تسلم ولا دفع للثمن، وإنما تسوية عند التصفية لفروق الأسعار يدفعها الخاسرون ويربحها الرابحون، والمصيبة الكبرى في صناعة المالية الإسلامية هو محاولة البعض شرعنة الخيارات وليّ عنق النصوص لمجاراة الواقع الغربي، ونحن لسنا ضد وجود أدوات شرعية بديلة لتلك الخيارات، بل نحن مع ذلك شريطة أن تكون تلك الأدوات للتحوط وليس للمضاربة بعيداً عن سياسة الترقيع أو التبرير الفقهي والتقليد المذموم والحيل المذمومة أو الهندسة المالية الشيطانية، مع أهمية الفطنة للمقاصد والأمور الكلية في الاقتصاد الإسلامي، من خلال النظر في بيان الحكم الشرعي إلى الجزئيات والكليات وإلى الفروع والمقاصد.

وفي ضوء ذلك، يمكن وضع بدائل شرعية للخيارات وتطبيقها في سوق المال الإسلامية من خلال إصدار وعد ملزم من البائع مالك الأسهم الشرعية، أو وعد ملزم من المشتري للأسهم الشرعية، دون تخصيص مقابل للوعد، مع عدم قابلية الوعد للتداول، وكذلك من خلال إبرام العقد على أسهم شرعية مع اشتراط الخيار لإثبات حق الفسخ لأحد العاقدين أو لكليهما خلال مدة معلومة، مع عدم قابلية خيار الشرط للتداول.

وأخيراً إبرام العقد على أسهم شرعية مع دفع جزء من الثمن عربوناً على أن يكون للمشتري حق الفسخ خلال مدة معينة نظير استحقاق البائع مبلغ العربون في حال استخدام المشتري حق الفسخ مع عدم تداول الحق الثابت بالعربون.

الرابط المختصر :