; عقوبات القوانين الوضعية في ضوء الكتاب والسنة | مجلة المجتمع

العنوان عقوبات القوانين الوضعية في ضوء الكتاب والسنة

الكاتب عبدالملك الكليب

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1981

مشاهدات 232

نشر في العدد 538

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 11-أغسطس-1981

العقوبات المقررة في شريعة الله زاجرًة رادعًة حاميًة لجناب المجتمع بشدتها وعذابها النفسي.

     ولا يظهر عوار القوانين الوضعية كافرًة، ولا ينجلي لأولى الألباب زيغها، ولا ينكشف ظلمها للمجتمع وإضرارها البالغ بالناس إلا إذا قورنت عقوباتها الوضعية الخاطئة بما قرره رب العباد -سبحانه- في شريعته المطهرة، وما ذلك إلا لأن هذه القوانين الفاسدة تدافع عن الفرد وتحميه، وتستميت في المحافظة عليه، ومهما كانت درجة جريمته فإنها تحاول جاهدًة التخفيف من العقوبة المقررة ليس في الشريعة فقط، وإنما في القانون الوضعي نفسه، ولذلك نجد هذه العبارة تتكرر كثيرًا في نصوص مواد قوانين الجزاء الوضعية «يعاقب بالحبس مدة كذا، وبغرامة مبلغ كذا، أو بإحدى هاتين العقوبتين» الأمر الذي يؤدي إلى إعادة المجرم إلى المجتمع، وبالتالي تكرار نفس الجريمة التي ارتكبها مرة أخرى في حق الأبرياء.

     وبهذه الطريقة الفاسدة الظالمة التي تنتهجها القوانين الوضعية هتكت أعراض آلاف الصبيان، واغتصبت آلاف الفتيات، وقطعت الطرق، وتفشى الزنا والسرقة والقذف وسائر الجرائم، فماذا يحبس المجرم عن جريمته وهو آمن على نفسه وأطرافه؟

     أما الحدود المقررة في شريعة ربنا -تبارك وتعالى- التي يستكبر هؤلاء المنافقون وأولئك المرتدون عن الإذعان لها وتحكيمها في أمور القصاص- فإنها عقوبات زاجرة رادعة حامية لشباب المجتمع المسلم؛ نظرًا لما هو مقرر فيها من الشدة على المجرم، والعذاب النفسي والجسدي الذي يصاحب العقوبة، فهي لا تقسو إلا على من صدرت منه القسوة ابتداء، وهي تحفظ مصلحة المجتمع المسلم، وتحمي جنبات الفضيلة والأخلاق الحميدة، ولا تضحي بهذا المجتمع الصالح الكثير في سبيل المجرم، ولذلك فإننا نجد هذه العقوبات تقضي بالجلد، وبقطع اليد والرجل أحيانًا، والصلب والرجم حتى الموت، وما ذلك إلا لبتر هذه الأطراف الآثمة، وحماية للأبرياء، وكم من مجتمع كان مسرحًا لغارات الأشرار، وترويع الأبرياء، وانعدام الأمن، وشيوع الفواحش والبغي- عاد مجتمعًا آمنًا لا يحرك فيه المجرم ساكنًا لما قام فيه سلطان الدين وهيمنة الشريعة العادلة على أروقة الحكم والحاكم، جرى هذا الأمر في بلد قريب قبل بضع وستين سنة فاستراح العباد من الظلم، وأمنوا من الخوف، واليوم بدأت بوادر الظلم، وظهر الخوف وانقطاع السبيل مرة أخرى أتدرون لماذا؟ لأن أفرادًا من المجرمين قلة شعروا هم بالأمن وباستبدال بتر الأطراف بالسنة والسنين في ضيافة الحكومة؛ فخرجوا إلى ممارسة ما فطرت عليه أنفسهم الشريرة على الله أن يقيض لهم ولغيرهم في بلدان المسلمين من يردعهم، وينكل بهم، إنه -سبحانه- غفور رحيم.

قال السيد سابق -وفقه الله تعالى: الحد في اللغة بمعنى المنع، وسميت عقوبات المعاصي حدودًا؛ لأنها غالبًا ما تمنع العاصي من العود إلى تلك المعصية التي حد لأجلها، والحد في الشرع عقوبة مقررة لأجل حق الله، أي إنها مقررة لصالح الجماعة وحماية النظام العام؛ لأن هذا هو الغاية من دين الله، وإذا كانت حقًا لله فلا تقبل الإسقاط لا من الأفراد، ولا من الجماعة، وقد قرر الكتاب والسنة عقوبات محدودة لجرائم معينة تسمى «جرائم الحدود»، وهذه الجرائم هي: «الزنا، والقذف، والسرقة، والسُكر، والمحاربة، والردة، والبغي» (فقه السُنة 2/355).

     وفيما يلي مقارنة بين العقوبات في الشريعة المطهرة، وبين العقوبات في القوانين الوضعية الجائرة؛ فتأمل هوة الفساد التي انحط إليها واضعو الأخيرة -لا رفعهم الله تعالى- وأستيقن من ردتهم المؤكدة حينما يستميتون الدفاع عنها وتثبيتها ومحاربتهم لمن يريد أن تكون شريعة الله هي الحاكمة، ورميهم له بالتزمت والتحجر، لكن ما الحيلة فيمن اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم، وخَتم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة؛ فأني لهؤلاء الهداية إلا أن يشاء ربنا أمرًا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين، ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير، ربنا اغفر لنا، وارحمنا، وأنت خير الراحمين.

عقوبات القوانين الوضعية في ضوء الكتاب والسنة

الزنا:

     لا تهتم القوانين الوضعية بجريمة الزنا، ولا تعتبرها جريمة تعاقب عليها إذا تم الزنا بالتراضي؛ ذلك أن هؤلاء المشرعين المفسدين الذين يتبعون الشهوات يعتبرون مواقعة الأنثى برضاها أمرًا لا جريمة فيه متى كانت قد بلغت سن الثامنة عشرة من عمرها؛ حيث إنها -كما يرونها بنظرهم القاصر- مسألة شخصية، لا تمس مصلحة الجماعة، ولا تؤثر في كيان الأسرة، إلا إنهم يعتبرون الزنا جريمة إذا كان أحد طرفيها محصنًا -أي متزوجًا- ويقررون عليه عقوبة (هينة لينة) في حالة رفع الدعوى من قبل الزوج الآخر فقط، وتتفاوت منه العقوبة من قانون وضعي لآخر؛ فمنهم من لا يعاقب على الزنا بالتراضي البتة إذا لم يكن أحد الطرفين محصنًا، ومنها من يحبس المتهم، ومنها من يغرمه، وتنص المادة ١٩٤ من قانون الجزاء الكويتي على أن "كل من واقع امرأة بلغت الثامنة عشرة برضاها، ولم تكن ذات رحم مُحرم منه، وضبط متلبسًا بالجريمة- يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة واحدة، وبغرامة ألف روبية، أو بإحدى هاتين العقوبتين، ويحكم بالعقوبة نفسها على المرأة التي رضيت بهذا الفعل". (شرح قانون الجزاء الكويتي ٢١٥).

     وتعليقًا على هذه العقوبات غير المجدية يقول عبدالقادر عودة -رحمه الله: وتعاقب القوانين الوضعية على الزنا بالحبس، وهو عقوبة لا تؤلم الزاني إيلامًا يحمله على هجر اللذة التي يتوقعها من وراء الجريمة، ولا تثير فيه من العوامل النفسية المضادة ما يصرف العوامل النفسية الداعية إلى الجريمة أو يكتبها، وقد أدت عقوبة الحبس إلى إشاعة الفساد والفاحشة، وأكثر الناس الذين يستمسكون عن الزنا اليوم لا تصرفهم عنه العقوبة، وإنما يمسكهم عنه الدين أو الأخلاق الفاضلة التي لم يعرفها أهل الأرض قاطبة إلا عن طريق الدين.

عقوبة الزنا في الشريعة

     قال الله -عز وجل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء:٣٢)، وقضى على الزاني غير المحصن -أي غير المتزوج- بعقوبة الجلد، كما قال -سبحانه وتعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور:٢)، أما إذا كان محصنًا فإن عقوبته هي الرجم الثابت بالسنة حتى الموت.

     هذه هي عقوبة الزنا في دين الإسلام، وهي عقوبة قاسية، أمر بها رب العباد -سبحانه؛ صيانة للأعراض، وحفظًا للأنفس، وحماية للطهارة والعفاف، وقد عد السيد السابق -وفقه الله تعالى- عدة دواعٍ اعتبر الزنا بموجبها جريمة رهيبة تستحق أقصى العقوبة؛ لأنه وخيم العاقبة، ومفضٍ إلى الكثير من الشرور والجرائم، فالعلاقات الخليعة والاتصال الجنسي غير المشروع مما يهدد المجتمع بالفناء والانقراض، فضلًا عن كونه من الرذائل المحقرة، وهو سبب مباشر في انتشار الأمراض الخطيرة التي تفتك بالأبدان، وتنتقل بالوراثة من الآباء إلى الأبناء وأبناء الأبناء كالزهري، والسيلان، والقرحة، وهذا أحد أسباب جريمة القتل؛ إذ إن الغيرة طبيعة في الإنسان، وقلما يرضى الرجل الكريم، أو المرأة العفيفة بالانحراف الجنسي، بل إن الرجل لا يجد وسيلة يغسل بها العار الذي يلحقه، ويلحق أهله إلا الدم، كما أن الزنا يفسد نظام البيت، ويهز كيان الأسرة، ويقطع العلاقة الزوجية، ويعرض الأولاد لسوء التربية مما يتسبب عنه التشرد والانحراف والجريمة، وفي الزنا ضياع النسب، وتمليك الأموال لغير أربابها عند التوارث، وفيه تغرير بالزوج إذ إن الزنا قد ينتج عنه الحمل فيقوم الرجل بتربية غير ابنه، أضف إلى ذلك أن الزنا علاقة مؤقتة، لا تبعة وراءها، فهو عملية حيوانية بحتة، ينأى عنها الإنسان الشريف، هذا إلى جانب أنه مروج للعزوبة واتخاذ الزانيات، ومن ثم كان أكبر باعث على الترف، والسرف، والعهر، والفجور. (فقه السنة ٢/١).

• العقوبة العادلة الناجعة:

قال عبدالقادر عودة -رحمه الله: وضعت عقوبة الرجم على نفس الأساس الذي وضعت عليه عقوبة الجلد للزاني غير المحصن، ولكن شددت عقوبة المحصن للإحصان؛ لأن الإحصان يصرف الشخص عادة عن التفكير في الزنا، فإن فكر فيه بعد ذلك فإنما يدل تفكيره فيه على قوة اشتهائه للذة المحرمة، وشدة اندفاعه للاستمتاع بما يصحبها من نشوة، فوجب أن توضع له عقوبة فيها من شدة الألم والعذاب ما فيها، بحيث إذا فكر في هذه اللذة المحرمة، وذكر معها العقوبة المقررة تغلب التفكير في الألم الذي يصيبه من العقوبة على التفكير في اللذة التي يصيبها من الجريمة، ويستكثر البعض منا اليوم عقوبة الرجم على الزاني المحصن، وهو قول يقولونه بأفواههم، ولا تؤمن به قلوبهم، ولو أن أحد هؤلاء، وجد امرأته أو ابنته تزني واستطاع أن يقتلها ومن يزني بها لما تأخر عن ذلك، ولو أن هؤلاء الذين يجزعون من القتل للزاني رجعوا إلى الواقع لاستقام لهم الأمر، ولعلموا أن الشريعة الإسلامية -حين أوجبت قتل الزاني المحصن- لم تأت بشيء يخالف مألوف الناس، فنحن الآن تحت حكم القانون، وهو يعاقب على الزنا بالحبس إذا كان أحد الزانيين محصنًا، فإذا لم يكن أحدهما محصنًا، فلا عقاب ما لم يكن إكراه، هذا هو حكم القانون، فهل رضي الناس حكم القانون؟ إنهم لم يرضوه، ولن يرضوه، بل إنهم حين رفضوا حكم القانون القائم مرغمين، أقبلوا على عقوبة الشريعة المعطلة مختارين، فهم يقتصون من الزاني محصنًا وغير محصن بالقتل، وهم ينفذون القتل بوسائل لا يبلغ الرجم بعض ما يصحبها من العذاب، فهم يغرقون الزاني، ويحرقونه، ويقطعون أوصاله، ويهشمون عظامه، ويمثلون به أشنع تمثيل، وأقلهم جرأة على القتل يكتفي بالسم، يدسه لمن أوجب عليه الموت زناه، ولو أحصينا جرائم القتل التي تقع بسبب الزنا لبلغت نصف جرائم القتل جميعًا، فإذا كان هذا هو الواقع فما الذي نخشاه من عقوبة الرجم؟ إن الأخذ بها لن يكون إلا اعترافًا بالواقع، والاعتراف بالواقع شجاعة وفضيلة.

     ويخشى البعض أن يكون في عقوبة الرجم شيء من القسوة، ولمثل هؤلاء نقول: إن الرجم هو القتل لا غير، وإن قوانين العالم كله تبيح القتل عقوبة لبعض الجرائم، ولا فرق بين من يقتل شنقًا، أو ضربًا بالفأس، أو تسميمًا بالغاز، أو صعقًا بالكهرباء، أو رجمًا بالحجارة، أو رميًا بالرصاص، فكل هؤلاء يقتل، ولكن وسائل القتل هي التي فيها الاختلاف، ولا فرق في النتيجة بين الرمي بالحجارة، والرمي بالرصاص، ومن كان يظن أن الموت يسرع إلى المقتول بالرصاص في كل حال ويبطئ عن المرجوم بالحجارة في الأحوال، فهو في ظنه على خطأ مبين؛ لأن الرصاص قد لا يصيب مقتلًا من القتيل، فيتأخر موته، ولأن الحجارة قد تصيب المقتل، وتسرع بالموت أكثر مما يسرع به الرصاص، فرماة الرصاص عددهم محدود وطلقاتهم محدودة، أما رماة الأحجار فعددهم غير محدود، وعليهم أن يرموا الزاني حتى يموت، ومن استطاع أن يتصور مائة أو مئات يقذفون شخصًا في مقاتله بالأحجار؛ استطاع أن يتصور أنه يموت بأسهل وأسرع مما يموت قتيل الرصاص، ولقد دلت التجارب على أن حبل المشنقة لا يزهق الروح في بعض الأحوال، وأنه لا يزهقها بالسرعة اللازمة في كثير من الأحوال، كما دلت التجارب على أن ضربة الفأس الواحدة قد لا يكفي لقطع الرقبة، وأن قطع الرقبة ليس هو أسهل الطرق للموت، كذلك فإن التسميم بالغاز والصعق بالكهرباء يبطئ بالموت أحيانًا أكثر مما يبطئ به الشنق أو الرصاص.

     وأخيرًا فإن التفكير في هذه المسألة بالذات تفكير لا يتفق مع طبيعة العقاب، فالموت إذا تجرد من الألم والعذاب كان من أتفه العقوبات، وأكثر الناس اليوم إذا اتجه تفكيرهم للموت فكروا فيما يصحبه من ألم وعذاب، فهم لا يخافون الموت في ذاته، وإنما يخافون العذاب الذي يصحب الموت، وإذا كان العذاب لا قيمة له مع المحكوم عليه بالموت، فإن قيمته يجب أن تظل محفوظة للزجر والتخويف، وليس من مصلحة المجتمع في شيء أن يفهم أفراده أن العقوبة هينة لينة لا تؤلم ولا تدعو للخوف، وقد بلغت آية الزنا الغاية في إبرازها هذا المعنى حيث جاء بها: ﴿ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (النور: ٢)، وحيث جاء بها: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: ٢) ذلك أن الرأفة بالمجرمين تشجع على الإجرام، والعذاب الذي يصحب العقوبة هو الذي يؤدب من أجرم، ويحرم من لم يجرم. (انتهى ملخصًا من التشريع الجنائي (1/641 - 644).

الرابط المختصر :