; عقلانية الفطرة.. وبساطة العقيدة | مجلة المجتمع

العنوان عقلانية الفطرة.. وبساطة العقيدة

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2008

مشاهدات 1

نشر في العدد 1826

نشر في الصفحة 66

السبت 08-نوفمبر-2008



تميز الإسلام عن غيره من الديانات بعقلانية الفطرة وبساطة العقيدة مما كان له أثر كبير في انتشاره السلمي. وقد شهد بذلك عدد لك من علماء الغرب ومفكريه، منهم المستشرق الفرنسي البروفسور «مونتيه» (1856 - 1927م)، الذي ترجم القرآن الكريم إلى الفرنسية، وكتب مؤلفه المرموق عن «حاضر الإسلام ومستقبله» فقال:

«إن الإسلام في جوهره دين عقلي، بأوسع معاني هذه الكلمة من الوجهتين الاشتقاقية والتاريخية، فإن تعريف الأسلوب العقلي Rationalism بأنه طريقة تقيم العقائد الدينية على أسس من المبادئ المستمدة من العقل والمنطق، ينطبق على الإسلام تمام الانطباق.. وإن لدين محمد كل العلامات التي تدل على أنه مجموعة من العقائد قامت على أساس المنطق والعقل.

إن عقيدة الإسلام في الوحدانية وفي النبوة والرسالة إنما تستقر في نفس المتدين به على أساس ثابت من العقل والمنطق، وهي تلخص كل تعاليم العقيدة التي جاء بها القرآن، وإن بساطة هذه التعاليم ووضوحها لها على وجه التحقيق من أظهر القوى الفعالة في الدين وفي نشاط الدعوة إلى الإسلام.

لقد حفظ القرآن منزلته من غير أن يطرأ عليها تغيير أو تبديل، باعتباره النقطة الأساسية التي بدأت منها تعاليم هذه العقيدة، وقد جهر القرآن دائمًا بمبدأ الوحدانية في عظمة وجلال وصفاء لا يعتريه التحول، ومن العسير أن نجد في غير الإسلام ما يفوق تلك المزايا.

وإن هذا الإخلاص لمبدأ الدين الأساسي والبساطة الجوهرية في الصورة التي يصاغ بها هذا الدين، والدليل الذي كسبه هذا الدين من اقتناع الدعاة الذين يقومون بنشره اقتناعًا يلهبهم حماسة وغيرة، إن هذا كله يكون الأسباب الكثيرة التي تفسر لنا نجاح جهود دعاة المسلمين.

وكان المتوقع لعقيدة محددة كل التحديد، خالية كل الخلو من جميع التعقيدات الفلسفية، ثم هي تبعًا لذلك في متناول إدراك الشخص الاعتيادي، أن تمتلك، وإنها لتمتلك فعلًا، قوة عجيبة لاكتساب طريقها إلى ضمائر الناس».

أما الشهادة الخامسة على حقيقة انتشار الإسلام بالسلم والعقلانية، فهي للاهوتي الكاثوليكي والمستشرق الإيطالي الأب «مراتشي» Marracci (1612 - 1700م)، وهو الذي نشر القرآن مترجمًا ومشروحًا بالإيطالية، وألف كتابه «دراسة عن الإسلام»، وأسهم كذلك في ترجمة العهدين القديم والجديد. فهو يشهد شهادة الخبير على امتياز الإسلام ببساطة الفطرة وعقلانيتها، فيقول:

«لو قارن إنسان بين أسرار الحالة الطبيعية البسيطة التي فاقت طاقة الذكاء البشري، أو التي هي على الأقل من الصعوبة بمكان، إن لم تكن مستحيلة (يقصد العقيدة المسيحية)، وبين عقيدة القرآن لانصرف عن الأولى في الحال، وأسرع إلى الثانية في ترحيب وقبول».

يقول القرآن: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وهي نظرية دينية تتحقق على صورة رائعة تبعث على الدهش في المجتمع الإسلامي، وقلما تعجز عن أن تتجلى في أعمال الشفقة إزاء المسلم الداخل في الإسلام حديثًا، إنه مهما يكن جنسه ولونه وأسلافه فإنه يقبل في زمرة المؤمنين، ويتبوأ مكانته على قدم المساواة مع أقرانه المسلمين.

لقد روعي في تأليف هيئة الكنيسة منذ بدء تاريخها لنشر التعاليم المسيحية، أن يكون مبشروها - في أغلب الأحيان - قساوسة ورهبانًا، يعينون لهذا الغرض بانتظام.

أما في الإسلام فإن عدم وجود أي لون من ألوان الكهنوت أو أية هيئة دينية منظمة أيًا كانت، قد جعل نشاط الدعوة عند المسلمين يتجلى في صور مختلفة تمام الاختلاف عن تلك التي تظهر في تاريخ البعوث التبشيرية المسيحية، فليس هناك في الإسلام جمعيات للدعوة ولا موكلون مدربون لهذا الغرض، كما أنه قلما تجد مواصلة الجهود في هذا السبيل.

ولم يكن النشاط الروحي للإسلام - كما زعم عدد كبير من الناس - متمشيًا مع سلطانه السياسي، بل على العكس من ذلك، نجد فقدان السلطة السياسية والانتعاش المادي، يعمل على إبراز أجمل الصفات الروحية التي تعد أصدق البواعث التي تحفز على القيام بأعمال الدعوة....(1).

هكذا شهد الكثيرون من أعلام علماء الغرب ومستشرقيه، الذين جمعوا بين الدراسة للإسلام وحضارته والدعوة إليه وبين الدراسة للديانات الأخرى وحضاراتها والدعوة إليها، على تميز الإسلام وامتيازه بعقلانية الفطرة.. وبساطة العقيدة.. ومناسبتها دعامة الناس وجماهيرهم.. ومن ثم امتلاكه مزية الانتشار السلمي السريع، مع خلو تاريخه وتاريخ الدعوة إليه من المؤسسات التبشيرية التي تدعو إليه.. ومن النفوذ السياسي للنظم والحكومات التي حكمت بلاد الإسلام.. هكذا تميزت الدعوة إلى الإسلام عن التنصير، وبشهادة هؤلاء العلماء الأعلام من العلماء الغرب ومستشرقيه.

الهامش:

(1) توماس أرنولد، «الدعوة إلى الإسلام»

الرابط المختصر :