; عقدة الخوف من الآخر | مجلة المجتمع

العنوان عقدة الخوف من الآخر

الكاتب منير شفيق

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1999

مشاهدات 55

نشر في العدد 1360

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 27-يوليو-1999

لو أحصينا الصفات المرذولة التي وصفت أو توصف بها مجتمعاتنا الإسلامية- وعلى الخصوص مجتمعاتنا العربية الإسلامية- من قبل جهات كثيرة من النخب العربية، لما أمكننا الحصر أو التعداد، فهنالك من قال في التقاليد الشعبية، ونسب إليها كل ما نحن عليه من أوضاع سلبية مزرية.

وثمة من ركز على البنية الاجتماعية عندنا ابتداء من القبلية، ومرورًا بالعقلية البدوية، وانتهاء بـالسلطة الأبوية، ولم يقصر في رميها بالنعوت والصفات السيئة، ولم يتردد في تحميلها مسؤولية ما نحن عليه من أوضاع، وعلى هذين المثلين قس.

ولا يبعدك عن ملاحظة المشترك ما يطفو على السطح من ألوان وأطياف في الطرح أو في تناول الموضوع، أو من جهة التركيز على جانب أكثر من آخر. 

ولا تعجب إذا قرأت مقالة يقرر فيها صاحبها أننا– ويقصد الأمة كلها– مصابون بعقدة الخوف من الآخر، هكذا بكل بساطة يتحول تخوف يبديه كاتب ما أو اتجاه فكري ما.. يتحول إلى الإعلان عن وجود عقدة خوف من الآخر عند الأمة كلها، ولا حاجة إلى إظهار الفرق بين مخاوف يبديها إنسان من ظاهرة تواجهه، ومعاملته باعتباره مصابًا بعقدة نفسية كامنة ومترسخة فيه، وبين من يرى أن العقدة مترسخة في الأمة كلها، ورثها الأبناء عن آباء وجدود، ودون أن يحدد الجد الذي حمل هذه الجرثومة النفسية، أهو الجد الرابع أم السابع أم غيرهما!

هذا ما حصل في معالجة أحد الكتاب للمخاوف التي يبديها البعض من اقتحام التليفزيون والإنترنت لبيوتنا، فهو يراها شبيهة أو استمرارًا للمخاوف التي أبداها البعض حين دخل الهاتف أو الراديو بيوتنا، فالقرار الأول الذي يصدره صاحبنا هو اعتبار هذه المخاوف تجسيدًا لعقدة الخوف من الآخر، ومن ثم لا يرى لها أساسًا يستحق التوقف عنده أو يستحق المعالجة، فالمسألة نابعة من عقدة كامنة، وهنا مكمن الداء والإشكال «الخوف من الآخر»، والذي أصبح عقدة، وعندما يصبح عقدة يفقد تماسه الموضوعي مع الواقع المحدد؛ فيأتي رد الفعل منطلقًا من عقدة الداخل إزاء الخارج، وبهذا يخفف إلى الحد الأدنى- أو يُلغى تمامًا- مصدر الخوف الآخر من الظاهرة الجديدة.

لو يراجع المرء كيف يقدم هذا الكاتب- أو العدد الكبير من الكتاب شديدي الحماسة للعولمة- ما يعنيه الإنترنت، أو الأطباق اللاقطة للبث التليفزيوني على نطاق عالمي بالنسبة إلى مجتمعاتنا، وما ستحدثه من تغيير في الأخلاق والقيم، سيجدهم يقرون بأن هذه التكنولوجيا ستجعل العالم يحمل ثقافة واحدة، وقيمًا واحدة، كتلك التي نراها في الغرب، وعلى التحديد في الولايات المتحدة، ولو يراجع المرء كيف يصورون عبث التدخل مع التكنولوجيا للإفادة من الإيجابيات ومقاومة السلبيات؛ «لأن ما تحمله العولمة بمثابة القدر الذي لا يقاوم ولا يرد». 

لو يراجع المرء ذلك أو بعضه لا يملك إلا أن يقول لهم أنتم تصنعون الخوف من الوافد الجديد: الإنترنت، الأطباق الفضائية، الهواتف النقالة، التكنولوجيا عمومًا، بمبالغاتكم وتهويلكم بما ستفعله في الإنسان حتى تجعله عاجزًا عن أن يفعل شيئًا، ثم بما سيفعله الوافد الجديد في أخلاق الأمة وعقلها، وسلوكها، وقيمها، ودينها، ومصالحها، وأنتم الذين تصنعون الخوف باستهتاركم بقيم الأمة وذكائها، وما تحمله من مخزون إسلامي في أعماقها، فأنتم في الحقيقة تعتبرون أن الخفة التي استقبلتم بها رياح الغرب ستوازيها خفة مقابلة من جانب الأمة، ولكنكم نسيتم أن هذا لم يحدث في الماضي، ولن يحدث في المستقبل أبدًا.

لقد نسي هؤلاء أن هذه الآلات صماء، وإن كتبت، وإن نطقت، وإن صورت، وإن تحركت، ستظل صماء تخضع في نهاية المطاف في تأثيرها إلى نتائج الصراع بين إرادات البشر- إذا جاز التعبير- وستظل قابلة للاستخدام ضمن أكثر من خيار، والإتيان بأكثر من محصلة واحدة أو نتيجة واحدة.

المشكلة أن هؤلاء يعمدون إلى تهويل المخاوف؛ فيتجاوب مع ذلك بعض الإسلاميين، على الرغم من أن أغلبهم يتلقونها ضمن حدودها الموضوعية، وهنا يمسك هؤلاء بـ «القاصية من القطيع»، ويتوسعون في الحديث عن عقدة الخوف من الآخر، في محاولة للإيحاء بأن الإسلاميين يخافون من كل وافد من منتجات التكنولوجيا، ومن ثم يخافون من كل تقدم، بل إن خوفهم هذا لا شفاء له؛ لأنه نابع من عقدة هيهات أن تشفى إلا بالاستسلام للآخر، وحينها- في رأيهم- يُنتزع الخوف من قلبك، وتُحل عقدة في عقلك.

هذا نموذج للاستهتار بكوامن القوة في هذا الأمة، ونموذج للذي لا يتعلم من التجارب الماضية، وهي أن الغرب هو الذي دأب على منع التكنولوجيا عن المسلمين إلا بقدر استهلاكي يقدره هو، بينما جاهد المسلمون- وما يزالون- ليمتلكوا التكنولوجيا، ويزرعوها في أرضهم، ويجعلوها عاملة في سبيل الله.

الرابط المختصر :