العنوان عظماء منسيون (6) أبو الأحرار محمد محمود الزبيري
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 23-أغسطس-2008
مشاهدات 99
نشر في العدد 1816
نشر في الصفحة 48
السبت 23-أغسطس-2008
رائد كبير من رواد الإصلاح بـ «اليمن» فهو أول من تقدم إلى الإمام يحيى ببرنامج إصلاحي وأول من قاد معارضة منظمة وأول وزير للتربية والتعليم وأول من أنشأ حزبًا
اغتيل
أثناء خروجه من المسجد عام ١٩٦٥ م وكان يستعد لعقد مؤتمر في «خمر» عاصمة قبائل «حاشد»
من أجل كتابة دستور جديد لليمن
له
أربعة كتب تحدث فيها عن الغزو الفكري وضرورة الأخذ بالعلوم الحديثة.. ويتضح منها فهمه
للمنهج الإسلامي وشمولية دعوته وسموها على الوطنية والحزبية
هو
أبرز الشخصيات اليمنية في القرن الرابع عشر الهجري / العشرين الميلادي، ولد سنة
١٣٣٧هـ / ١٩١٧ م، وقتل سنة ١٩٦٥/١٣٨٤م، فعاش ثمانية وأربعين سنة فقط؛ لكنها
كانت حافلة بجليل العمل وعظيمه. كانت اليمن أكثر البلاد العربية تخلفًا في القرن الماضي،
في كل جوانب الحياة تقريبا، إلا أنها كانت مختلفة عن سائر تلك البلاد بأمرين اثنين:
بقاء أكثر أهلها على فطرة سليمة، وأن أرضها لم يطأها مستخرب «مستعمر» أجنبي قط في
«قسمها الشمالي»، وحالها مثل حال البلاد السعودية آنذاك وكان يعم البلاد جمود ثقافي
وفكري، وكانت تدار بنظام غريب، فلا وزارات، ولا نظام مالي، ولا تخطيط، واقتصادها ضعيف،
وجنوب اليمن كانت مستخربة بريطانية، وكان أهل البلد موزعين على طبقات: طبقة السادة
آل البيت ومنهم الحكام، ثم القضاة والعلماء، ثم التجار، ثم الزراع، ثم طبقة العمال
الدنيا.
والمدارس
قليلة جدًا، والخدمات الصحية تكاد تكون منعدمة، وكان التنقل على الجمال والبغال والحمير
في الأغلب، واليمنيون يعانون من الأمية (۹۷%) والأمراض تفتك بهم ولا مستشفيات، والبلد
تعاني من مجاعة في كثير من أجزائها، وقد قال أحد الغربيين يصف اليمن آنذاك «إن مصر
متخلفة عن أوروبا مائة عام، أما اليمن فإنها مازالت تعيش في عصر ما قبل التوراة !!» وكلامه وإن كان فيه
مبالغة؛ إلا أنه يصف جوانب من الواقع وصفًا صادقًا.
تطلع
إلى الإصلاح
وكان
«الزبيري»
يرحمه الله تعالى من طبقة الشباب المتطلعين للإصلاح، وهي طبقة جهودها متصلة بجهود المصلحين
اليمنيين ابتداءً من «إبراهيم الوزير»
المتوفى سنة ٨٤٠ مرورًا به «المقبلي»
و«الحسن الجلال»، و«الأمير الصنعاني» وانتهاء
بخاتمة المصلحين من العلماء العاملين، ألا وهو الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٠هـ، وكان أولئك
المصلحون قد حاولوا بكل جهدهم التقليل من العصبية الزيدية الشيعية ونشر الوعي في المجتمع،
فتطلع إلى عملهم «الزبيري»،
وأصحابه ممن يتطلعون إلى الإصلاح.
وهناك
عامل آخر مؤثر في مسيرتهم الإصلاحية، ألا وهو اطلاعهم على تجارب الإصلاح في العالم
الإسلامي وعلى رأسها تجارب: «الأفغاني»، و«محمد عبده» و «رشيد رضا»، و«البنا»، وغيرهم
من الدعاة والمصلحين.
وتثقف
«الزبيري»،
وصحبه بأعمال «شوقي»، و«حافظ إبراهيم»، و«الرافعي» و «العقاد»، وغيرهم.
ولد
«الزبيري» في «بستان السلطان» في «صنعاء» سنة ١٣٣٧ هـ / ۱۹۱۷م، وبستان السلطان حي منسوب
إلى السلطان «طغتكين بن أيوب» شقيق «صلاح الدين» الذي أرسله حاكمًا على اليمن أواخر
القرن السادس الهجري..
نسبه
ونشأته
وأسرة
«الزبيري» أسرة عريقة في التأليف والقضاء، وأبوه قاض في تهامة، ومات وعمر ابنه عشر
سنوات فنشأ «الزبيري» يتيمًا.
وينتمي «الزبيري» إلى قرية «الزبيرات» من «أرحب»
من قبيلة «بكيل».
حفظ
القرآن وجوده على قراءة «نافع» وعلى رواية «حفص» منذ سن مبكرة، وكان له صوت حسن في
الإمامة يجذب الناس إليه في مسجد التقوى، ودرس علوم اللغة على عدد من العلماء.
ولما
بلغ عشرين سنة رافق الأمير «علي ابن عبدالله الوزير» إلى الحجاز للحج، ثم إلى «القاهرة»،
حيث حدث تحول كبير في حياته؛ لأنه رأى فيها نشاطًا سياسيًا وأدبيًا كبيرًا، ونزل طالبًا
في كلية «دار العلوم»،
ونظم قصائد شعرية وقد كان شاعرًا فحلًا شعره من الطبقة الأولى، ومن مميزات شعره التي
ميزته حتى عن «شوقي» أنه كان يفيض بالمطالبة بالإصلاح، وبالمقت
للطغيان والتنديد بالاستخراب وباليهود، وكان يلقي شعره في الكلية، وفي المحافل الأدبية.
اتصاله
بـ «البنا»
واتصل
بـ «البنا» الذي قربه وكان يرى فيه أملًا لإقامة الحكم الإسلامي الصحيح في اليمن، هذا
كله وعمره ٢٢ سنة، وفي هذا دليل كبير على نبوغه المبكر.
مكث
في «القاهرة»
ثلاث سنوات عاد بعدها إلى اليمن منتصف سنة
١٣٦٠هـ / ١٩٤١م مرحبًا به من طلابها وعلمائها، واستقبله الإمام «يحيى» في مجلسه، وقدم
له «الزبيري» مشروعًا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في
٢٢ صفحة تحوي ٣٧ مادة، وأحاله الإمام للسيد «زيد بن علي الديلمي» الرئيس الأول للاستئناف
العالي، وشكلت هيئة قضائية لدراسته ورفع تقرير عن البرنامج وصاحبه، وحدث أن خطب «الزبيري» خطبة بليغة في الجامع
الكبير في «صنعاء» نقد فيها الظلم والأوضاع السائدة فأمر الإمام بسجنه، وسجن مجموعة
معه من المطالبين بحقوق الشعب، فمكث في السجن قرابة عشرة أشهر.
ثم
كتب من سجنه قصيدة استعطف بها الإمام وولي عهده «أحمد
بن يحيى» حاكم
«تَعز» فأطلقه الإمام «يحيى»، ثم طلبه الأمير «أحمد» ليكون إلى جواره هو «وزيد الموشكي»،
و«الشامي» وخطيب اليمن «أحمد محمد نعمان»، وكان أحمد يشاطرهم همومهم ظاهرًا ويطارحهم
الشعر، ويأمر بإخراج المساجين من رواد الإصلاح توددًا وتقربًا إلى الإصلاحيين، ولقب
«الزبيري» بأمير الشعراء، و«نعمان» بأمير الخطباء، لكن سرعان ما اختلفوا وقال «أحمد»:
أريد أن أتقرب إلى الله بدماء هؤلاء الأدباء الجدد!! فهرب الزبيري ومن معه إلى «عدن»
أوائل سنة ١٣٦٣هـ / ١٩٤٣م، حيث اجتمع الإصلاحيون وانتخبوا «الزبيري»
رئيسًا لحركتهم في «عدن»، وأفاض في شعره
في «عدن» بالمطالبة بالإصلاح والحرية ورفع المظالم.
الجمعية
اليمنية الكبرى
أنشأ
«الجمعية اليمنية الكبرى»، وكان للإصلاحيين اجتماع باسم نادي الأحرار اليمنيين، وكان
في الشمال تنظيمان: «هيئة النضال»
في «صنعاء»، و«هيئة الإصلاح في «إب»، وكان
للتنظيمين اتصال بالحركة في «صنعاء»، فجمعهم الزبيري كلهم في «الجمعية اليمنية الكبرى»،
وفي تلك الأثناء زار «أحمد» عدن وأبدى استعداده للإصلاح، لكن الحركة طالبته بجملة أمور
كبرت عليه، ولم تنجح محاولة التوفيق بين «أحمد» والإصلاحيين.
أنشأت
الحركة عدة صحف في «عدن» و«القاهرة»، وانضم إليها الأمير «سيف الحق إبراهيم بن يحيى»
في «عدن»، وألقى بيانًا قويًا في افتتاح الجمعية اليمنية الكبرى ينعى فيه اليمن وجهه
إلى الشعب وإلى الجامعة العربية، فاتصل الإمام «يحيى» بـ «جورج السادس» ملك بريطانيا،
وشكا إليه ما يجري فسحب الإنجليز ترخيصهم لحزب الأحرار فانشق الحزب على نفسه،
وعاد
بعض أفراده إلى «تَعِز»، حيث سجنهم «أحمد»، ثم ولاهم مناصب صغيرة، ثم في ثورة سنة
١٣٦٧ هـ / ١٩٤٨م أعدم «أحمد» منهم
جماعة منهم «زيد الموشكي»، وبعض المؤرخين يبرر خروج البعض بأنه أمر مخطط له، وليس انشقاقًا.
وفي
ذلك الوقت جاء من «القاهرة» الجزائري «الفضيل الورثلاني» بتنسيق وتوجيه من الإمام البنا
وأنشأ شركة للسيارات في «صنعاء» أتاحت له الاتصال «بيحيى» والتردد إلى «عدن»، حيث يقيم
«الزبيري». وأثر «الفضيل» في «الزبيري» تأثيرًا بالغًا، وعده «الزبيري»
واحدًا من عمالقة الإصلاح، واستطاع الزبيري أن يجمع بيوتات مهمة في الأحرار: «آل الوزير»،
و«آل المتوكل» و«آل النعمان»، و«آل شرف الدين» وشارك «الفضيل»، و«البنا» و«الزبيري»، ومن معه في إعداد
«الميثاق الوطني المقدس» الذي أظهر الإسلام شريعة مصدرًا وحيدًا للحكم، والشورى أساسه
والنظام أسلوبه.
قيام
الثورة
قامت
الثورة على الإمام «يحيى» وقتل سنة ١٣٦٧هـ / ١٩٤٨م استعجالًا من بعض أفراد الإصلاح
وكان هذا أكبر خطأ وقع فيه رجال الثورة؛ ذلك لأن حكم الأئمة قد رسخ في اليمن قرونًا
فإن يقتل هذا الإمام على هذا النحو فهذا لا يرضي أحدًا حتى «الزبيري» نفسه، وقتلوا
يحيى بعد أن جاوز الثمانين، وهذا عامل كبير في تأليب القبائل على رجال الثورة بعد ذلك،
وقام «عبدالله الوزير» وسمى نفسه «إمامًا على اليمن» وسمى عليًا ابنه «وليًا للعهد»،
وأرسل طلبًا للجامعة العربية بإرسال وفدها إلى «صنعاء» من أجل تثبيت حكمه، لكن «أحمد»
استطاع تأليب القبائل على «الوزير» ورجال الثورة، وحوصر في صنعاء.. وفشلت الثورة، وقتل
«أحمد»،
عددًا: عددًا كبيرًا من الأحرار، وقتل «عبد الله الوزير».
الهروب
إلى باكستان
وهرب
«الزبيري» إلى «باكستان» التي قضى فيها خمس سنوات صعبة، ومن العجيب أنه كان قد اضطرته
الأحوال لبيع الأقفال والمفاتيح في صندوق يضعه على صدره، وفي ليلة من الليالي وهو يجول
بصندوقه لقيه الشاعر الكبير «عمر بهاء الدين الأميري» سفير «سورية» في «باكستان» فرجاه
الزبيري أن يكتم الخبر لكن «الأميري» أخبر «الرفاعي» سفير الأردن في باكستان فأبلغ
الملك «عبدالله بن الحسين»، فاتصل بالإمام «أحمد» في اليمن وعرض عليه العفو عن «الزبيري»،
فوافق أحمد لكن «الزبيري»
رفض العفو إلا أن يشمل الجميع، واتصل به
«الزبيري»
شيخ الإسلام «شبير العثماني» الباكستاني
والقاضي «محمد العمري» من قبل الإمام أحمد يطلبان منه العودة وأقسم أحمد أن يضعه في
أحسن المراكز؛ لكنه رفض واشترط للرجوع إطلاق السجناء وإصلاح الأوضاع، ثم عمل بوساطة
شيخ الإسلام «شبير العثماني»، أستاذًا بجامعة «كراتشي»، وعمل مذيعًا بـ «صوت باکستان
العربي» وأقلع عنه الفقر فترة من الزمن لكن وفاة شيخ الإسلام، ووفاة وزير التعليم أرجعتاه
إلى سابق عهده من الفقر والضنك والعيش في كوخ حقير.
عودة
إلى مصر
ولما
قامت الثورة في «مصر» سنة ١٣٧٢هـ / ١٩٥٢م اتصل بسفيرها الشاعر «عبد الوهاب عزام» ووافقت
«مصر» على عودة «الزبيري» إليها، ومن صوت العرب تحدث إلى اليمنيين، وأنشأ الاتحاد اليمني
الذي عطله «عبد الناصر» (رئيس مصر في ذلك الوقت) سنة ١٣٧٦هـ / ١٩٥٦م لكن لما عارض «أحمد»
الوحدة بين «مصر» و«سورية» سنة ١٣٧هـ / ١٩٥٨م بأرجوزة مشهورة سمح «عبد
الناصر» للاتحاد
باستئناف نشاطه الصحفي والإذاعي، لكن فترت العلاقة بينه وبين «عبد الناصر»، وذلك لأن
«الزبيري» كان مسلمًا صحيح الإسلام، داعيًا إلى الله مكافحًا عن دينه ومثله لا يطيقه
ذلك الطاغية.
قائد
و موجه
مكث
«الزبيري» في القاهرة عشر سنوات احتضن فيها الطلبة اليمنيين، منفقًا وقته وأكثر مرتبه
عليهم، شادًا لهم إلى دينهم وقضايا وطنهم، وكان الشيخ «الزنداني» من أحب الطلبة إليه،
وقد لازم «الزبيري»، حتى استشهاده يقول عنه الشيخ «الزنداني» وكان معه في القاهرة:
«لقد وجدنا شيخنا، لقد وجدنا من يصلح أن يكون قائدًا لنا وموجهًا. وتعرفنا عليه، واطمأنت
نفوسنا إليه، وأخذنا نزوره في بيته وإذا بنا نكتشف عملاقًا من العمالقة»، ثم قال له
«الزبيري»:
لقد كنا نتحرك في الحركة الوطنية، وكنا نرجو من شبابنا أن يكونوا هم المدد لنا ولكن سبقتنا
الأحزاب هذه إليهم، وأصبحنا زعماء بغير جنود لأن الجنود - وهم أبناؤنا - أخذتهم الأحزاب
ونظمتهم في الخلايا، وأصارحكم وأقول: «إن سبب ذلك أننا قصرنا في تربية أبنائنا في الاتحاد
اليمني تربية إيمانية إسلامية؛ لذلك من الآن سنصلح ما أفسدنا» وكان يأخذ الشباب من
حي «الدقي» إلى حي الهرم مشيًا على الأقدام وهي مسافة طويلة، فيقولون له: لماذا يا
أستاذ؟ فيقول: لا بد من الخشونة، لا بد من الرجولة، لا بد من الزهد والتقشف. ثم يقول
الزنداني: وجدنا شيخًا أنشط من الشباب فطاوعناه، ثم صرنا نذهب إلى بيوت الطلاب نطرقها
بابًا بابًا، مشيًا لا نركب لنوفر الفلوس، ثم استجاب له عدد من الطلاب الذين كانوا
يدرسون في القاهرة، وبايعوه أمينًا عامًا لهم، وكانت حركة سرية.
نشاط
في اليمن
بعد
ثورة سنة ١٣٨٢ هـ / ١٩٦٢م على البدر رجع «الزبيري» إلى «اليمن» بطلب من الضباط الثوار
الذين كانوا بحاجة لشخصية مثل «الزبيري»
تضفي على حكمهم شرعية يحتاجونها وسط أجواء
مليئة بخصوم الثورة من الملكيين، واستقبل في «صنعاء» استقبال الزعماء، وعين وزيرًا
للمعارف، لكنه وجد في اليمن خليطًا من الأحزاب التي هي امتداد لأحزاب الجنوب الضالة،
ووجد شعبًا ممزقًا، ووجد خللًا في الثورة وضباطها، فاعتزل الوزارة، وآلى على نفسه ألا
يهدأ حتى تنصلح الأوضاع.
وقرر
ضباط الثورة أن يجندوا الشعب في تنظيم شعبي، وأوكلوا أمر إنشائه لـ «الزبيري» فقال:
التنظيم لا بد له من مقرات وموجهين فمقراتنا المساجد وأعضاء التنظيم هم المصلون، والموجهون
هم الأئمة والخطباء والعلماء، وجعل قاعدة الانطلاق الجامع الكبير في «صنعاء»، وكان يدخل
الحارات وينادي في الناس فيجتمعون في المسجد فيأخذ عليهم اليمين، ويطلب منهم أن يختاروا
أمينًا للتنظيم، وأمينًا للدعوة وأمينًا الشيخ الزنداني للاتصال، فأمين الدعوة عالم،
وأمين الاتصال شاب، ثم هناك جلستان في الأسبوع: الاثنين، والخميس، فاستقطب بهذا علماء
صنعاء، وعمل أعمالًا شعبية جيدة من تنظيف الحارات، واستقبال متطوعي الأطباء، وإقامة
حلقات تحفيظ القرآن، وتسامع بذلك القبائل فطلبوا من «الزبيري» أن يدخلهم في هذا التنظيم
الشعبي إعجابًا بأعماله.
مؤتمر
«عمران»
وقد
انزعج الروس من هذا التنظيم الجديد فطلبوا إلى القيادة العربية «المصرية» إيقافه فصدر
الأمر بوقف العمل بالتنظيم فانزعج «الزبيري»، لكنه لم ييأس، وطلب عقد مؤتمر شعبي يضم
الملكيين والجمهوريين، واستطاع أن يجمعهم في «عمران» حيث أرسلت القبائل ممثليها، وأرسل
العلماء ممثليهم، وأرسلت سائر النواحي من يمثلها، وعقد المؤتمر وحضر ممثلون من الجيش،
وقرر المؤتمرون إلغاء المحاكم العسكرية، وتكوين المحاكم الشرعية، وتكوين جيش شعبي من
۲۸ ألف مقاتل يؤازر الجيش الرسمي، وصدر قرار بتكوين مجلس للشورى، وقرارات أخرى لضبط
القضايا المالية وبعض الأمور السياسية الداخلية والخارجية، واتفق المؤتمرون على كيفية
لتحويل القرارات من الورق إلى الواقع، عن طريق تكوين حكم برلماني تكون المسؤولية فيه
لرئيس الوزراء، وفوض المجتمعون «الزبيري» لاختيار رئيس للوزراء، ووافق جميع أركان الدولة
اليمنية على قرارات «مؤتمر عمران»
لكن «السلال» كان في القاهرة، فلما عاد كان
مخالفًا لبعض القرارات لكنه تحت الضغط الشعبي استجاب في الظاهر وماطل مماطلة كبيرة؛
فلم ينفذ ما اتفق عليه، والسبب في هذا أن المصريين لم يكونوا يرغبون في تنفيذ هذه القرارات
وهم قوة «السلال»
واعتماده كان عليهم.
اغتياله
ولما
خاب أمل «الزبيري» في «السلال» أنشأ حزب الله ليجمع فيه الجمهوريين والملكيين، لكنه
لم يستمر إلا ثلاثة أشهر انتهت باغتياله واغتيل وهو مستعد لعقد مؤتمر في «خمر» عاصمة
قبائل «حاشد» التي كان زعيمها «عبد الله الأحمر» - رئيس مجلس النواب اليمني السابق
- من أجل كتابة دستور جديد لليمن، فاغتيل في جبال برط وهو خارج من المسجد بعد صلاة
الجماعة سنة ١٣٨٤هـ في ذي الحجة ١٩٦٥م فأرجو أن يكون قد نال الشهادة يرحمه الله، قتل
بعد أن خافه الملكيون الذين فاجأهم بالدعوة في معاقلهم، وبعد أن كرهه الجمهوريون، وشنعوا
عليه في وسائل إعلامهم، وبعد أن ضايقه المصريون أيما مضايقة، ووفاء للزبيري اجتمع الشعب
في مؤتمر وقرروا أن يكون الدستور قائمًا على الإسلام، ثم أصبحت الثورة بين مد وجزر
إلى أن قيض الله لليمن رجالًا ثبتوا فيه الإسلام وأبعدوه عن النزعات الناصرية، والقومية،
والشيوعية.
حياة
مليئة بجلائل الأعمال
كانت
حياته قصيرة؛ إذ عاش حوالي ثمانية وأربعين سنة فقط؛ لكنها كانت مليئة بجلائل الأعمال،
وكان زاهدًا يؤثر الزهد في شأنه كله، فقد أحضر له الضباط بعد الثورة أثاثًا من منزل
الإمام، فرفض استلام شيء منه، وأصر في وزارته الا يأخذ من مرتبه شيئًا فوق حاجته فمات
وهو مدين، ومنحته الجالية اليمنية في السودان - الذي كان يزروه من أجل الدعوة والإصلاح
- مبلغًا يستعين به على العيش فأصر على إرجاعه، ولما حج مع «علي بن عبد الله الوزير»
مدح الملك «عبد العزيز»
بقصيدة اهتز لها ابنه «سعود» فأعطاه بضعة
آلاف من الريالات وكانت مبلغًا كبيرًا آنذاك فرفض العطية وأرجعها.
من
أوائل رواد الإصلاح
و
الزبيري، رائد كبير من رواد الإصلاح في اليمن، فهو أول من تقدم إلى الإمام يحيى ببرنامج
إصلاحي، وأول من قاد معارضة منظمة، وأول وزير للتربية والتعليم، وأول من أنشأ حزبًا،
وقد رأى نفسه في الرؤيا أنه يهز بيده جبلًا ضخمًا فيتساقط فهو إذن من ساهم بقوة في
إسقاط حكم الأئمة له أربعة كتب يتضح فيها فهمه للمنهج الإسلامي وشمولية دعوته، وسموها
على الوطنية والحزبية، وفيها تحدث عن الغزو الفكري وضرورة الأخذ بالعلوم الحديثة، وله
ديوانا شعر، وآلاف المقالات، والبحوث والخطب، قال عنه الشيخ «عبد
المجيد الزنداني»، وكانا مصاحبًا له مدة طويلة: «له قدرة بارعة على
تجميع الناس على اختلاف انتماءاتهم الحزبية أو القبلية، يبش في وجوههم، ويستمع إلى
آرائهم، أحبه خصومه وأصدقاؤه».
ومن
ريادته الواضحة أنه أنشأ أول مؤتمرات شعبية يشهدها العالم العربي كله وربما الإسلامي
أيضًا وهذا عجيب أن يكون في اليمن آنذاك، وكان الشعب يجتمع ويقرر بنفسه ماذا يريد وترفع
القرارات للتنفيذ إلى رئاسة الجمهورية وتوافق رئاسة الجمهورية على ما يريده الشعب،
كان هذا حدثًا فريدًا وريادة جليلة من «الزبيري»،
يرحمه الله الذي أنشأ هذا النظام الفريد.
هكذا
كان «الزبيري» يرحمه الله، وهكذا صنع وقدم، وبذل وضحى، فالذي يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا
لا يمكن له أن يقبع مكانه في ذل وهوان يأكل ويشرب وينام، لا يتحرك لفضائل الأعمال،
ولا لعظائم الأمور.
إن
الذي له هدف في الحياة سام كـ «الزبيري» لا يمكن إلا أن تكون حياته سلسلة متواصلة متشابكة
من العطاء والبذل والتضحية، رحم الله «الزبيري»، وأعلى درجته، وأعظم أجره.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل