; عظماء منسيون... محمد عاكف أرصوي «شاعر تركيا» | مجلة المجتمع

العنوان عظماء منسيون... محمد عاكف أرصوي «شاعر تركيا»

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2008

مشاهدات 57

نشر في العدد 1825

نشر في الصفحة 44

السبت 01-نوفمبر-2008

  • ولد في إسطنبول سنة ١٨٧٣ من أب تركي وأم بخارية وتعلم العربية على يد والده الذي كان مدرسًا في مدرسة الفاتح
  • انتخب عضوًا في مجلس النواب في دورته ١٩٢٠- ١٩٢٣م ممثلًا عن محافظة «إسطنبول»
  • بعد إعلان الحكم الدستوري سنة ١٩٠٨ شارك في إصدار مجلة «الصراط المستقيم» ونشر فيها أكثر أعماله الأدبية والفكرية
  • كتب نشيد الاستقلال الذي أقره البرلمان التركي ليكون نشيدًا رسميًا لتركيا في ١٢ مارس سنة ١٩٢١.
  • انتسب إلى جمعية الاتحاد والترقي التي خدعته بشعاراتها فلما تبين له حقيقتها هجرها وعارض أفكار مؤسسها
  • قام بتدريس اللغة التركية في جامعة فؤاد الأول «القاهرة حاليًا»
  • حاول نصرة الإسلام وإيقاظ المسلمين عن طريق الشعر والآدب
  • صدر له سبعة دواوين شعرية مازالت تروج بين الأتراك حتى الآن
  • عندما ألغى مصطفى كمال الخلافة ونكل بالشعب التركي أصيب عاكف بصدمة بالغة لأنه كان يدعو إلى الوحدة الإسلامية في أشعاره وكتاباته.. فآثر الروج من تركيا إلى مصر

قد بينت في ترجمة شيخ الإسلام مصطفى صبري التوقادي حالة تركيا في أواخر الخلافة العثمانية، وكيف تمالأ عليها الأعداء والشامتون والمتربصون، وكيف توالى عليها الماسونيون من جمعية الاتحاد والترقي، ثم خلفهم الكماليون، وكان لليهود يد طولى في كل ذلك، ثم ألغيت السلطنة سنة ١٩٢٢م، فالخلافة سنة ١٩٢٤م، وأعلنت تركيا جمهورية علمانية ملحدة، وقطعت صلتها بالإسلام وسائر المسلمين تمامًا، فصار المسلمون في تركيا وخارجها كالشياه بلا راع في الليلة المطيرة المظلمة، وإنا لله وإنا إليه راجعون..

ولم يكن في العالم الإسلامي آنذاك قوة تستطيع قيادة الجموع المسلمة ولا إرشادها، وفي الوقت نفسه حورب علماء الإسلام ودعاته والمخلصون في تركيا حربًا شعواء لا تبقي ولا تذر، وعلق الآلاف على أعواد المشانق، وكلح وجه تركيا، وأدارت ظهرها تمامًا للإسلام والمسلمين. وفي ذلك الوقت فر جماعة من هذا البطش الكافر، والهجوم السافر.. فروا إلى مصر ، كان بينهم علماء، مثل: شيخ الإسلام مصطفى صبري التوقاي، ووكيل المشيخة الإسلامية محمد زاهد الكوثري، وفر فيمن فرَّ الأديب الشاعر محمد عاكف أرصوي، فوجدوا في مصر ملاذًا وملجأ آمنًا. 

نشأته

ولد الشاعر محمد عاكف في إسطنبول سنة ۱۸۷۳م، من أب تركي يسمى محمد طاهر، وأم بخارية تدعى أمينة هانم، وتعلم العربية على يد والده الذي كان مدرسًا في مدرسة الفاتح، وأنهى المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، ثم لما مات والده درس في مدرسة البيطرة، وتخرج فيها سنة ١٨٩٣م ليعمل مفتشًا في وزارة الزراعة، ولم ينس أن يغترف من مصادر الإسلام، فحفظ القرآن وهو مازال بعد في التاسعة من عمره، على يد إمام جامع الفاتح، ودرس الحديث، واللغة العربية، ودرس أيضًا الفارسية والفرنسية. 

وبعد تخرجه في مدرسة البيطرة دار في الأناضول والبلقان وسورية والجزيرة العربية، واقترب من الناس فعرف أحوالهم، وسير شؤونهم، ثم صار مدرسًا في إسطنبول سنة ١٩٠٦م- ١٩٠٧م، وبعد إعلان الحكم الدستوري سنة ١٩٠٨م شارك في إصدار مجلة «الصراط المستقيم»، ونشر فيها أكثر أعماله الأدبية والفكرية، وفي السنة نفسها عُين مدرسًا للأدب في دار الفنون «جامعة إسطنبول»، وأسند إليه تدريس الأدب العربي وأصول الترجمة بين العربية والتركية. انتسب إلى جمعية الاتحاد والترقي التي خدعته بشعاراتها، فلما وقف على حقيقتها فترت علاقته بها فتورًا بينًا، وعارض أفكار ضياء آلب الذي كان بمنزلة الأب الروحي لتلك الجمعية المشبوهة. 

نشيد الاستقلال

وفي سنة ١٩١٥م زار ألمانيا في مهمة من قبل الدولة فبقي في «برلين» ثلاثة أشهر، ورأى هنالك أسرى للمسلمين تابعين للدولة الروسية والإنجليزية، فتفقد شؤونهم، ثم عاد إلى بلاده، ولما هزمت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، ودخل الحلفاء تركيا شارك في تحرير بلاده بقصائد شعرية ملهبة، وانتخب بعد ذلك في مجلس النواب في دورته ١9٢٠-۱۹۲۳م ممثلًا عن محافظته، وفي تلك السنوات كتب نشيد الاستقلال الذي أقره البرلمان التركي ليكون نشيدًا رسميًا لتركيا في ١٢ مارس سنة ۱۹۲۱م، وكان هناك سبعمائة متسابق قدموا أناشيدهم قبله، فلم يفز أي منهم، ومما جاء في هذا النشيد:

أنت ابن شهيد حذار من أن تؤذي أباك.. لا تتخل عن هذا الوطن الجنة وإن امتلكت العوالم.. أيها الهلال الجميل لن تُمزق سأفديك بنفسي... إلى آخر ما جاء في النشيد الذي ردده ويردده مئات الملايين من الأتراك منذ قرابة تسعين سنة إلى يومنا هذا.  ثم لما انتهت مدته في مجلس النواب عاد إلى إسطنبول من أنقرة، ولم يُدع من الحزب الحاكم لخوض الانتخابات مرة آخرى؛ ويبدو أن هذا كان بسبب اتجاهه الإسلامي الظاهر.

ولما ألغى مصطفى كمال السلطنة فالخلافة، ونكّل بالشعب التركي كل التنكيل صُدم عاكف صدمة بالغة، وذلك لأنه كان يدعو إلى الوحدة الإسلامية في أشعاره وكتاباته، فرأى ذلك قد ذهب أدراج الرياح، ورأى أن التركي المسكين كان يعدم من أجل إصراره على الطربوش ورفضه القبعة، ورأى الإسلام يحارب حرباً شعواء، فلما وقف على ذلك كله آثر الخروج من تركيا، فيمم وجهه شطر مصر، التي زارها من قبل مرتين مدعواً من قبل صديقه الأمير عباس حليم باشا، سنتي ١٩١٤م، ١٩٢٤م، ووصلها في المرة الثالثة سنة ١٩٢٥م، وتوطدت صلته فيها بالأديب المصري عبدالوهاب عزام الذي مهد له الطريق إلى تدريس اللغة التركية في جامعة فؤاد «القاهرة حاليًا»، وهيَّأ له الصلة بمثقفي مصر، لكنه عانى في مصر من زوجته التي أصبحت حادة المزاج، وعانى من الفقر والوحدة، وعانى كثيرًا من غربته، وفي سنة ١٩٣٥م- بعد عشر سنوات من إقامته بمصر- غادرها إلى لبنان للاستجمام، ومن ثم إلى إسطنبول ليموت بها في ١٩٣٦م.

وكان محرر مجلة «يدي كون» التركية الأستاذ «قندمير» قد اجتمع بالأستاذ في المستشفى، وإليكم أهم ما دار بينهما من الحديث الذي ترجمه إلى العربية الأستاذ «محمد يلماز» مدرس اللغة العربية بكلية الإلهيات بجامعة «أولوداغ» التركية:

- استغرق السفر من مصر إلى هنا ثلاث ليال غير أنها كانت بالنسبة لي ثلاثين قرنًا، أمضيت هناك أحد عشر عامًا إلا أني شعرت في لحظة من اللحظات أني لو بقيت هناك أحد عشر يومًا آخرى لجن جنوني.

- الشوق؟ 

- مؤلم جدًا.

- طيب، ماذا عن فرحة اللقاء؟

- لا تسألني عن ذلك يا بني، فأنا لا أجرؤ على طرح السؤال حتى على نفسي، لكني مع الأسف الشديد وجدت نفسي على هذا السرير بمجرد ما خرجت من الباخرة فلم أتمكن من مشاهدة أي شيء.

- ثم تحدث عن أيام الجهاد ضد الكفار الذين وطئوا أرض تركيا في الحرب العالمية الأولى، فقال:

- غادرت إسطنبول حيث أقلتنا سيارة من «أُسكدار» إلى قرية لا أتذكر اسمها في الوقت الحالي.. كنا نستقل في رحلتنا تارة عربة تجرها الثيران وآخرى تجرها الأحصنة حتى وصلنا إلى أنقرة.. كانت تلك الأيام ما أشد هياجها! خصوصًا يوم سقطت «بورصة»... لكننا لم نفقد ثقتنا ولو يومًا واحدًا، ولم نسمح لليأس أن يتسرب إلى قلوبنا أبدًا، فهل كان هناك مناص أمامنا غير الجد؟

- لم نكن نمتلك مدافع ولا بنادق، لكننا كنا نمتلك إيماننا الراسخ في قلوبنا، والحمد لله.

- كيف قمتم بكتابة نشيد الاستقلال؟

 - حقًا إنما يكتب هذا الكلام بالإيمان والأمة المؤمنة فقط، فكروا معي قليلًا: هل كان بإمكاني أن أكتب كل هذا لو لم أمتلك الإيمان الراسخ وقتذاك... ولابد لي أن ألفت الانتباه إلى أنه لا قيمة لنشيد الاستقلال على اعتبار أنه مجرد شعر، وإنما تكمن قيمته في أنه يعكس صفحة من صفحات تاريخنا بما فيها من آلام. 

- وماذا عن النصر العظيم؟

- كنا في فرحة غامرة.

- ألم تقوموا بكتابة شيء ما عند ذلك؟ 

- نفدت كل طاقاتي في تلك اللحظات، فلم أعد قادرًا على التفكير في أي شيء، ولا على سماع أي شيء، ولا كتابة أي شيء...

- كيف قضيتم الوقت في مصر؟

 - هناك مدينة اسمها حلوان تقع على بعد خمسة وعشرين ميلًا من القاهرة، وهي مدينة هادئة كنت أقطنها، فأنا بطبعي إنسان هادئ لا أحب الضجيج، وكذلك في إسطنبول كنت على الحال نفسها من قبل، ففضلت العيش في مدينة حلوان حتى كلفت بمهمة في دار الفنون، وفي الأيام الأخيرة حللت بالقاهرة.

 - فهل أحببتم مصر؟

- نعم، فهناك جوانب جميلة بمصر، خصوصًا في فصل الشتاء، وكذلك في فصل الصيف لم أكن أتضايق من الطقس الحار... والبيوت بنيت على طراز يتناسب مع الطقس هناك، فلا تتعدى الحرارة داخل الغرف في أشد الأيام حرارة ثمانيًا وعشرين أو ثلاثين درجة...

- هل تسهل عليك الكتابة؟

- لا، أبذل مجهودًا كبيرًا وأُعمل ذهني، حيث أدرس الموضوع بكل تفاصيله في ذهني، وأخيرًا عندما أنقله على الورق أتعب كثيرًا.

من أعماله

وقد كتب عاكف كثيرًا من المقالات السياسية والأدبية في مجلته «الصراط المستقيم» التي صار اسمها بعد ذلك «سبيل الرشاد»، ومما كتبه:  «لم يكن أمام مسلمي الأناضول التركي بعد أن رأوا حجم مصيبة الاعتداء على حرمة أراضيهم غير العودة مجددًا لحمل السلاح والعمل على صد حملات أهل الصليب في حضارة القرن العشرين». وكتب منتقدًا القومية التي شاعت في تركيا آنذاك: «يا جماعة المسلمين، أنتم لستم بعرب، ولا تركًا، ولا بلقانيين، ولا أكرادًا، ولا قوقازيين، ولا شركس، أنتم فقط عبارة عن أفراد في أمة واحدة هي الأمة الإسلامية، وكلما حافظتم على الإسلامية لم تفقدوا قومياتكم».

وقد شغف في صدر شبابه بالشاعر الفارسي سعدي الشيرازي، وترجم أكثر شعره إلى التركية، وأعجب بالشاعر المصري ابن الفارض، ولعله لم يتنبه لما في بعض شعره من ضلالات وذلك لأنه- أي عاكفًا- لم يكن متضلعًا بالعلوم الشرعية، والله أعلم.

وأما شعره فمجموع في دواوين سبعة ما زالت تروج بين الأتراك، وقد أبصر ديوانه الأول النور سنة ١٩١١م، وسماه بـ«صفحات»، وفي سنة ۱۹۱۲م صدر ديوانه الثاني: «في منبر السليمانية»، جمع فيه مقطوعات من شعره الديني والأخلاقي، وفي سنة ۱۹۱۳م صدر ديوانه الثالث: «أصوات الحق»، الذي حوى إشارات في تفسير القرآن العظيم، وبيان بعض الأحاديث الشريفة، وفي سنة ١٩١٤م صدر ديوانه الرابع: «في منبر الفاتح» الذي أورد فيه شعره عن ثورات البلقان ضد الأتراك ونتائجها السيئة، وفي سنة ١٩١٧م صدر دیوانه الخامس: «الخواطر» الذي حوى شعره عن رحلته إلى مصر وألمانيا، ثم صدر ديوانه السادس: «عاصم» سنة ۱۹۱۹م الذي حوى شعره عن حرب الاستقلال، ثم صدر ديوانه السابع: «الظلال» الذي حوى أعماله من سنة ١٩١٨-١٩٣٣م.

كتب قصيدة بعنوان «من صحراء نجد إلى المدينة المنورة» تحدث فيها عن زيارته للمدينة المنورة سنة ١٩١٤م. ومن كتاباته الأدبية التي ترجمها صديقه الدكتور عبدالوهاب عزام يرحمهما الله تعالى: «ما كنت لأقف معقول اللسان أقلِّب الطرف فيما حولي.. ولم يكن لي بد أن أنوح لأوقظ الإسلام.. إنما أريد أن تفور القلوب المرهفة الحس، الراسخة الإيمان... إني أنوح ولكن لمن؟ أين أهل الدار؟ أقلِّب طرفي فلا أظفر إلا بأمم نائمة».

وعندما زار الأقصر وجد فيها سياحًا أجانب فرنسيين وإنجليز وألمان يحتسون الخمر، ورأى أمامه آثار الفراعنة فكتب قائلًا: «رأيت أمامي نحو ثلاثة عشر نفرًا من السائحين ما بين فرنسيين وإنجليز وألمان، مجتمعين زرافات ووحدانًا، وللكؤوس بينهم رنين، فالفرنسيون يضحكون لأن كيسهم المملوء يهز الدنيا المدينة لهم هزًا عنيفًا، وليس في الدنيا ما يحزنهم إلا هزيمة «سيدان»، ومع ذلك فإن الرغد والرفاهية ينسيان الإنسان أنكى الجروح.

والإنجليز يضحكون وما أجدرهم بالضحك؛ لأن الدنيا كلها رهن إشارتهم.. يؤلبون شعوب الأرض بعضها على بعض وينظرون عن بعد فرحين.. والألمان يضحكون لأن قوة عضدهم كفيلة بأن يصدق العلم جميع ما يقولون، وما دام البشر لا يعطى الحق إلا للقوة، فما الحيلة في الوصول إلى الحق بغير القوة. 

أضعيف أنت إذن؟ فالنحيب أولى بك، نعم في هذه الساحة من الصخب: صخب الحبور، وجلبة السرور، أنا وحدي اليأس الذي لا يبتسم، قد أخذت أبكي وما أجدرني بالبكاء، فأنا كالقريب من ديار ديني.. هذه السهول لا ترجع حديثي، أيها الشرق العظيم، أيها العالم المترامي الأطراف: ليت شعري في أي بقعة من بقاعك نجد أبناءك السعداء، إن رأسك ترزح تحت الشدائد وعضدك واه، وذراعيك مغلولتان، ولما يهب نسيم الاستقلال على قلبك بعد، قد طفت في أرجائك كلها لأرى أمامي دارًا للإسلام فكلت قدماي.

وكلما تناهت إلي من سبيلي أصوات الأجانب لم تفض روحي الباكية إلا بخيبة الأمل فهل كان نصيبي أن أكون غريباً في قلب الإسلام، إن هذه العاقبة لأقصى انتقام للأيام، والآن وقد تقدمت بي السنون ووهت قدماي، فعلى بنيّ أن يجاهدوا ويأخذوا بثأري». وفي كلامه تشاؤم، لكن أنى لمثله أن يتفاءل وهو يرى الأكثرية الساحقة من ديار الإسلام آنذاك محتلة ومسحوقة، وهو يرى أكثر المسلمين آنذاك في صدٍّ عن الإسلام وهجران لشريعته وشعائره. ومن أعماله ترجمة معاني القرآن إلى التركية، صنع ذلك في مصر أيام منفاه فيها، لكنه - على حذره في الترجمة واهتمامه بها - لم يرض عن عمله هذا فطواه ولم ينشره حتى ذهب أدراج الرياح.

أشخاص تأثر بهم

وكان قد تأثر كثيرًا بالأستاذ جمال الدين الأفغاني - يرحمه الله تعالى - ودعوته لنبذ الاستبداد ونيل الحريات ولو بالقوة، وكان يردد آراءه وآراء تلميذه الأستاذ محمد عبده - يرحمه الله تعالى - وترجم كثيرًا من تلك الآراء إلى اللغة التركية، وأفرد لمقالات الأستاذ محمد فريد وجدي - يرحمه الله تعالى - حيزًا كبيرًا من جريدته، وترجم كتاب الأستاذ فريد «المرأة المسلمة».

وتأثر بالشاعر الكبير محمد إقبال وصيحاته الثائرة، وقد أخبر عنه صديقه الأديب الدكتور عبدالوهاب عزام: «كم تحدثنا وقرأنا في سيرنا وجلوسنا في الآداب الثلاثة: العربية والفارسية والتركية، وكنت أحب أن أقرأ عليه شعره، وكان يسره أن يستمع إليه، وكانت كل أحاديثنا وقراءاتنا متعة نجتمع فيها على الفكر والذوق والأمل والألم، وكان أطيب المجالس مجلسًا نفرغ فيه إلى شعر محمد إقبال، فقد عرفني يرحمه الله بإقبال يوم أعارني ديوانه «بيام مشرق» فإذا صفا الوقت عمدت إلى أحد كتب إقبال فقرأت، واستمع مقبلًا مستغرقًا، يقطع إنشادي في الحين بعد الحين بالاستعادة أو الاستحسان أو التعجب أو التأوه، وأذكر أننا بدأنا كتاب إقبال «أسرار خودي»، فوالينا الجلسات حتى أنهيناه إنشادًا، ثم أتبعنا به أخاه «رموز بي خودي» فختمناه على شوق إلى الإعادة». 

قال عنه الألماني الأستاذ «ريتشارد هرتمان»: «هو مع إحاطته - على العموم - بالحياة الثقافية والسياسية يتعمق من الوجهة الإصلاحية في الدين، وما يعنيه من الرجوع إلى الإسلام «يعني به الرجوع إلى الإسلام القديم»، إبعاد الأمور التي غيرت منه أثناء تطوره التاريخي فحسب، بل أيضًا وقبل كل شيء يريد الوقوف ضد هؤلاء العصريين المندفعين في تيار الغرب، وضد دعاة المذهب القومي، فهي حركة دينية تريد أن يكون الدين قوة تخضع لها كل الحياة المدنية في غير إضرار بحركة الفرد».

ولم يكن له كبير ذكر في بلاده إلى أن قرر مجلس الأمة التركي في ٤ مايو ٢٠٠٧م اعتبار يوم ١٢ مارس من كل عام يومًا وطنيًا للاحتفال رسميًا بذكرى قبول النشيد الوطني التركي والاحتفاء بشاعره، ولعل في هذا شيئًا من التكريم له والوفاء. تلك كانت سيرة عاكف الشاعر التركي الكبير بإيجاز، وقد عاش في مدة صعبة جدًا، ولم يكن فيها للإسلام رجال يعملون له إلا القليل، فلذلك غلب على شعره التشاؤم والبكائيات، لكن حسبه أنه حاول أن ينصر الإسلام ويوقظ المسلمين من باب الشعر والأدب، ولعل ذلك كان أقصى ما يستطيع عمله وهو غريب نائي الدار عن وطنه وأهله، نسأل الله له الرحمة والغفران.

الرابط المختصر :