العنوان عظماء منسيون (۱۳) الإمام المجاهد ساموري توري
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 30-مايو-2009
مشاهدات 63
نشر في العدد 1854
نشر في الصفحة 40
السبت 30-مايو-2009
- ولد في بلدة «ساننكورو» في أعالي حوض نهر «ميلو» بالنيجر وخدم في جيش أحد الزعماء الأفارقة ٧سنوات ليفدي أمه الأسيرة، فاكتسب فنون الحرب والقتال والتفاوض مع الأعداء.
- جاهد الاحتلال الفرنسي ثلاثة عشر عاما وكبد قوات الاحتلال خسائر فادحة في العتاد والرجال عندما حاولت الاستيلاء على منطقة نهر النيجر.
- في عام ١٨٦٢م استطاع جمع الشباب وكون نواة دولة وسعها من بلاد الوثنيين حتى وصل إلى «فوتاجولون» غربا و«بوري» شمالًا، وساعده التجار في إنشاء دولته.
- اختطف الفرنسيون ولده وساوموه على رده لكنه رفض فاستطاعوا التأثير على ابنه وغيروا أفكاره وأرسلوه إلى أبيه ليقنعه بترك الجهاد فقتله أبوه في مشهد عام!
في القرن الثالث عشر الهجري «التاسع عشر الميلادي» طمع الغربيون في أفريقيا، وأقبلوا عليها من كل حدب وصوب لاقتسامها فاحتلت فرنسا الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا، واحتلت بريطانيا مصر، ولم يكتفوا بهذا بل زحفوا على قلب القارة السوداء فاقتسموها بينهم، فكانت منطقة نهر النيجر الكبرى من نصيب الفرنسيين لكنهم لم يستولوا عليها إلا بعد مقاومة عنيفة شديدة من الإمام الكبير والمجاهد العظيم «ساموري توري».
و«توري» هي عشيرة تسكن مدينة «جنى» في قلب إمبراطورية «مالي» الإسلامية، فلما قامت مملكة «صنغي» مكان إمبراطورية «مالي» رحلت «توري» من «جنى» إلى أعالي النيجر.
ولد «ساموري توري» في بلدة «ساننكورو» sanankoro بالقرب من «بيساندوجو» بغينيا الفرنسية، وتقع في أعالي حوض نهر «ميلو» أحد روافد نهر النيجر، ولا يُعرف بالضبط تاريخ ولادته إلا أنه بين عامي ١٢٤٦- ١٢٥١هـ «١٨٣٠-١٨٣٥م»، وتلقى تعليمه الأولي على يد والده، ثم تعهده أحد المشايخ بالرعاية والتعليم، وقيل: بل ولد من أبوين كافرين ثم اعتنق هو الإسلام بعد ذلك، والله أعلم.
وهناك حادثة طريفة في تعلمه القتال، وهي أن أمه وقعت في أسر أحد الزعماء الأفارقة وهو الملك «سوري بيراما» ملك «بيساندوجو» فكان عليه -إذا أراد أن يفتديها- أن يخدم في جيش هذا الزعيم مدة من الزمن، وهذا الذي صنعه، وبعد انقضاء خدمته لمدة سبع سنوات اكتسب خبرة في فنون الحرب والقتال والتفاوض مع الأعداء.
وابتداء من سنة ١٨٦٢م استطاع أن يجمع الشباب حوله ليكون قائدهم وكون نواة دولة وسعها من بلاد الوثنيين حتى وصل إلى حافة «فوتاجولون» غربا، و«بوري» شمالًا، وتعاطف التجار معه فساعدوه على إنشاء دولته الناشئة وتنازل له أعمامه فرضوا أن يكونوا تحت إمرته، ونجح في ضم مدينة «كان كان»، وطوع جماعات اليسيسي تحت سيطرته، وحطم الوثنيين في الشمال في «كونيا» العليا.
وفي ٢٥ يوليو ١٨٨٤م «رمضان ١٣٠١هـ»، جمع أهله في احتفال وأعلن لهم أنه سيلقب نفسه بلقب «الإمام»، وطلب من أهله ورعاياه أن يعتنقوا الإسلام، وفي نوفمبر من العام نفسه منع الخمر شربًا وبيعًا في مملكته ومنع العادات الوثنية، وبدأ في تطبيق الشريعة.
جهاد طويل
كان عامة جيشه من المشاة وقليل منهم من الفرسان، وسلحهم بأسلحة أوروبية حديثة كان يشتريها من البريطانيين في فريتون مقابل بيع الذهب والعاج وأسرى الحروب، وكان حرسه الشخصي مكونا من ٥٠٠ رجل، وكان لأخيه «مالنكي توري» قوة خاصة تقدر بمائتي فارس وألف راجل.
وكان الفرنسيون قد عزموا على الاستيلاء على كل المنطقة التي يجري فيها نهر النيجر، فأتاهم الله بهذا البطل الذي كبدهم من الخسائر في الأموال والرجال ما لم يتوقعوه، حتى أن «بيروز» peroz وهو من كبار عساكر الفرنسيين لقبه «بنابليون» السودان، وهذا البطل العظيم هو في الحقيقة فوق هذا اللقب بكثير، فقد أنهك الفرنسيين بجهاد جليل دام ثلاثة عشر عامًا! هذا وأسلحته تعد بدائية أمام آلة الحرب الفرنسية الجبارة، لكنه الإيمان إذا وقر في القلوب فلا يقوم أمامه شيء.
لكنه ابتلي بعدو مسلم كدر عليه جهاده، واتفق مع عدوه ضده، وهذه بلية تكررت في بلاد المسلمين كثيرًا، خاصة في الأندلس وفي بعض بلاد المغرب العربي الكبير، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وعدوه هذا اسمه «تيبا» Tieba حاكم «كندوجو» kenedougou، وكان هذا عدوه الأول لكنه ليس الوحيد، فقد ابتلي بغيره لكن كان ذلك هو العدو اللدود الذي ساعد الفرنسين كثيرا على ضرب «ساموري»؛ بحيث كان الفرنسيون يهجمون عليه من جهة فيهجم عليه «تيبا» من جهة أخرى ليصير ساموري بين المطرقة والسندان، وما درى هؤلاء الحكام المساكين أن استعانتهم بالكفار على هذا الوجه والتنسيق معهم لضرب المسلمين هو تمزيق لعقيدة الولاء والبراء، وإذهاب لقوة المسلمين أدراج الرياح، وسرور الأعداء وشماتتهم لكن قاتل الله الحرص على الكراسي فكم جلب من المآسي، واستعصى انتزاعه على الآسي.
تطبيق الشريعة
وتفصيل إنشائه الدولة ومقاومته الجليلة -رحمه الله تعالى- للفرنسيين أنه اتخذ من بلدة «بيساندوجو» Bissandougou عاصمة لملكه، وأقامها على الجهاد في سبيل الله تعالى وأحكام الشريعة الإسلامية، وهذا ما أكسبه حيوية وطاقة متجددة لا تنضب واضطر أن يهادن جيرانه من الإنجليز حتى لا يفتح عليه باباً ثالثاً هو في غنى عنه فيكفيه عدوه الفرنسي وعدوه «تيبا».
وأنشأ جيشًا قويًا نسبيًا قسمه ثلاثة أقسام: أعظمها قوة جعلها قائمة في وجه الفرنسيين ليمنعهم من التدخل في البلاد، والقسم الثاني جعله لحفظ الأمن في بلادهم، والقسم الثالث جعله للتوسعات والفتوحات الجديدة للقضاء على الوثنية ونشر الإسلام، وبلغ من حرصه على جيشه أنه استطاع أن يصنع بعض الأسلحة وقطع الغيار محليًا، وتلك مرحلة متقدمة في زمنه يرحمه الله تعالى، وباقي الأسلحة يشتريها من مدينة «فريتون» بسيراليون.
وقد فرض على زعيم كل قرية أن يأتيه بشبان صالحين للجندية، وفي أوقات السلم كانت القوات الاحتياطية تسرح ستة أشهر لتعمل في فلاحة الأرض وإجراء المنافع، لتعود بعد ذلك، فإن كان في حاجة لها أبقاها وإلا سرّحها مدة أخرى وهكذا، وهذا ضبط جيد فيه صيانة للدين والدنيا معًا، وكان سكان مملكته مليونا وربع المليون.
وقسم بلاده تقسيمًا إداريًا منضبطًا إلى اثنين وستين ومائة إقليم، في كل إقليم عشرون قرية على كل منها زعيم، وفوق الزعيم حاكم الإقليم، وفوق حاكم الأقاليم الإمام الذي من مهامه نشر الإسلام والقضاء على الوثنية وتقوية الدولة والمحافظة عليها.
وقد أكثر -يرحمه الله- من بناء المدارس والمساجد، ونشر الوعاظ، واهتم بتحفيظ القرآن الكريم.
حروبه مع الفرنسيين
توسعت فرنسا في غرب أفريقيا لتسترد هيبتها التي فقدت عقب هزيمتها عام ۱۸۷۰م أمام روسيا، وأيضًا استفادت من مقررات مؤتمر برلين سنة ١٣٠٢هـ/ ١٨٨٤م الذي سمح بتنظيم الاحتلال الأوروبي للقارة السوداء، فوضعت فرنسا نصب عينيها مملكة الإمام «ساموري توري»، ووجدت الفرصة سانحة عندما ارتمى في أحضانها عدوه «تيبا» المسلم حاكم كند وجو»! فكانت فرنسا تنسق مع «تيبا» ليحرك قواته إذا حرکت هي قواتها حتى تضعف من مقاومة «ساموري»، وما زالت فرنسا تحاربه حتى اضطر لهدنة تنجلي بموجبها قواته من الضفة اليسرى لنهر النيجر تمامًا، ويعترف باستيلاء فرنسا عليها وعلى مناجم الذهب في «بوريه» وإرغامه على التعامل مع المراكز التجارية الفرنسية، ومقابلها تعترف له فرنسا بملكيته للضفة اليمنى من النهر.
بعد المعاهدة توجه الإمام إلى عدوه «تیبا» ليقضي عليه، وحاصره ستة أشهر في عاصمته «سيكاسو» لكنه أخفق في فتحها، ولجأ الفرنسيون إلى الحيلة ليخففوا عن حليفهم «تيبا» الحصار ففك الإمام حصاره عن العاصمة وعاد إلى بلاده لكن بعد أن تحمل خسائر كبيرة فقد قتل سبعة آلاف من جنده واثنان من أشهر قواده، وثار بعض شعبه عليه في أعقاب هذه الحملة، وعارضوا مطالبه بزيادة الجند.
إمبراطورية متنقلة: تولى قيادة الجيش الفرنسي في المنطقة قائد شديد العداوة للإسلام والمسلمين اسمه «أرشينار»، وفرض على «ساموري» معاهدة أخرى سنة ١٣٠٧هـ/ ۱۸۸۹م تنازل فيها الإمام عن بعض الأراضي وتعهد بعدم الإغارة على البلاد الفرنسيين آنذاك.
وأراد القائد الفرنسي أن يستغل «تيبا» التي احتلتها فرنسا، وقبلها الإمام لأنه كان في حالة ضعف ولم يشأ أن يصطدم مع في صراعه مع الإمام مرة أخرى، خاصة أن «تيبا» أرسل له رسالة يقول له فيها: «إني على ثقة من حسن استقبال أهل البلاد لكم فهم لن يخافوكم، ولن يخشوا إغارتكم وسوف يتغير رأيهم فيكم، وتتلاشى كراهيتهم عندما يتفهمونكم ويدركون أغراضكم»! وهذه خيانة من «تيبا» لشعبه المسلم وخيانة لحاكم مسلم آخر ولشعب مسلم عريض لكن حب الرئاسة يعمي ويصم.
وحاول القائد «أرشينار» أن يستميل الإمام وأن يغريه بمعسول القول في رسائل عديدة أرسلها له واقتراحات اقترحها عليه، لكن الإمام كان يقظًا فواجهها بالاحتقار الذي تستحقه.
وقد استطاع القائد «أرشينار» أن يحتل مدينتين من مدن الإمام: «كانكان» و«بیساندوجو»، لكن عندما دخلهما وجدهما أكواما من الرماد، فقد أحرقهما الإمام حتى لا يستفيد منهما بشيء.
وكانت مملكة «ساموري» تدعوها فرنسا بـ«الامبراطورية المتنقلة»؛ لأن «ساموري» كان كلما فقد جزءًا من مملكته عوضه بأجزاء أخرى من الممالك الوثنية المجاورة فكأنه لم يفقد شيئًا وإنما غير حدود مملكته بهذا.
وفاته
غيرت الحكومة الفرنسية القائد «أرشينار»، وأتت بقائد آخر اسمه «بونييه» Bonnerr بغية تحقيق نصر سريع بعد أن طالت مدة مقاومة «ساموري»، وجرد القائد الجديد حملة بقيادة «مونتي» Monteil لكنها منيت بهزيمة ساحقة من قوات الإمام «ساموري» وأسر من الجند الفرنسيين عددًا كبيرًا ، ثم أرسلت فرنسا حملة أخرى فهزمت ولله الحمد كما هزمت سابقتها، فجنحت فرنسا للسلم، وأرسلت حاكم السنغال الفرنسي ليعقد معاهدة مع الإمام الذي قبلها لحاجته إلى الراحة والإعداد وللتفرغ لنشر الإسلام بين الوثنيين.
لكن الفرنسيين لجؤوا إلى الحيلة والخداع في تلك المعاهدة وتمكنوا على إثرها من تعقب الإمام في معركة كبيرة في يوليو سنة ۱۸۹۸م كسبها «ساموري» ضد القائد الفرنسي «لارتيج» Lartigue، لكنه أخطأ فتحرك غربا فدخل الغابات الاستوائية وجبال «الدان» في فصل الأمطار فأصابت جنده المجاعة وتشتتوا فلم يجتمعوا بعد هذا.
وأراد «ساموري» أن يعود إلى «ساننكورو» لكن الفرنسيين رفضوا إلا أن يأتيهم بأبنائه رهينة ويسلم أسلحته، فعظم عليه ذلك فواصل القتال حتى قبض عليه غدرًا ونفي إلى جزيرة «أوجويه» Ougoue في سنة ١٣١٧ هـ/ ١٨٩٨م وقيل نفي إلى الجابون، وتوفي في سنة ١٣١٩هـ/ ١٩٠٠م يرحمه الله تعالى، واستقرت فرنسا في غرب أفريقيا عقب هذا الانتصار المفاجئ.
شرف عظیم
ترك «ساموري توري» حفيده «أحمد سيكو توري» ليتولى المقاومة من بعده وليصبح أول رئيس لغينيا التي حصلت على استقلالها سنة ١٩٥٨م، أما عدوه «تيبا» فقد استولى الفرنسيون على بلاده، وهذه عاقبة كل خائن عميل.
وقد انتصرت فرنسا لثلاثة أسباب العداء بين القادة المسلمين والخيانة رئيسة، هي:
العداء بين القادة المسلمين والخيانة والعمالة من بعضهم.
مساعدة الوثنيين لهم.
القوة الحربية كانت لصالحهم في السلاح والعتاد.
لكن يكفي «ساموري» شرفًا وفخرًا أن أقام دولة نشرت الإسلام وحاربت الوثنية كل تلك المدة، ويكفيه أنه وقف أمام دولة عظمى آنذاك ثلاثة عشر عامًا أذاقها الهزيمة مرات عديدة، ووحد شعب «المانديجو» بعد أن كان قبائل متناثرة وعشائر متناحرة فرحمه الله ورضي عنه، وأعلى درجته في عليين.
موقف جليل
هناك موقف عظيم في حياة الإمام «ساموري توري» رأيت أن أذكره مذيلًا به سيرته حتى يبرز ولا ينسى، وهو أن الفرنسيين اختطفوا ولده وساوموه على رده بمساومات لم يرضها، فلم يقبل، فأخذوه إلى فرنسا ست سنوات، واستطاعوا التأثير عليه وتغيير أفكاره ليصبح منهجه مخالفًا لمنهج أبيه تمامًا، وأرسلوه إلى أبيه ليقنعه بترك الجهاد، وهنا تجرّد «ساموري توري» لله تعالى، وعظمت عنده عقيدة الولاء والبراء، وقتل ولده في مشهد عام بين الناس حتى لا يؤثر على حركة الجهاد.
وهذا الصنيع العظيم يصدق فيه قول الله جل وعلا: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ﴾ (المجادلة: 22) فلله در هذا الإمام العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل