; عظماء منسيون: الشهيد العالم الصادع عبد العزيز البدري السامرائي (١٣٤٩ - ١٣٨٩ هـ / ١٩٣٠ - ١٩٦٩م) | مجلة المجتمع

العنوان عظماء منسيون: الشهيد العالم الصادع عبد العزيز البدري السامرائي (١٣٤٩ - ١٣٨٩ هـ / ١٩٣٠ - ١٩٦٩م)

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 02-أكتوبر-2010

مشاهدات 65

نشر في العدد 1921

نشر في الصفحة 36

السبت 02-أكتوبر-2010

  • ولد في بغداد عام ١٩٣٠م من أسرة منسوبة إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما
  • الجرأة الفائقة أهم صفاته... فقد كان لا يبالي بالموت وقال عنه د. صالح السامرائي: إنه رجل لا يعرف الخوف
  • جذبه حزب التحرير الذي كان ينادي بإصلاح الحكام أو إزالتهم لتعود الخلافة.. ولكنه سرعان ما اكتشف أن معارك الحزب كلامية فقط فانسحب منه عام ١٩٥٦م وأنشأ تنظيمًا باسم الحركة الإسلامية

لا أعرف بلدًا في بلاد العرب كثر فيه القلاقل والفتن منذ فجر تاريخ الإسلام إلى يومنا هذا مثل البلاد العراقية، فكم فتنة فتن بها العراقيون، وكم من دماء سالت، وإنا لله وإنا إليه راجعون. لكن الله - تبارك وتعالى - رزق العراق بعلماء عاملين كانوا هم قب الميزان، وصمام الأمان، ومفزع الناس، فوقفوا في وجه الطغاة والظلمة، وصدعوا بكلمة الحق، لم يخافوا لومة لائم، ولم يخشوا إلا الله سبحانه وتعالى.
وأحسب أن من رؤوس هؤلاء العلماء ومن كبارهم الشيخ المجاهد الشهيد بإذن الله تعالى عبد العزيز البدري.

نشأته
ولد - يرحمه الله تعالى - في رصافة بغداد في حدود سنة ١٣٤٧هـــــ / ١٩٣٠م وتوفي مقتولًا شهيدًا سعيدًا حميدًا بإذن الله سنة ١٣٨٩ هـ / ١٩٦٩م فقد عاش قرابة أربعين سنة، لكنه ترك أثرًا كبيرًا لا يتناسب مع عمره القصير - يرحمه الله تعالى - فما أشبهه بمن مات وقد ناهز الأربعين أو جازها بقليل مثل الإمام النووي والإمام البنا يرحمهم الله تعالى.
ولد زمان الملكية، وعاش فيها حتى سقطت وشهد ألاعيب الإنجليز في العراق إلى أن حانت ثورة عبد الكريم قاسم سنة ١٣٧٨هـ / ١٩٥٨م وقد كانت ثورة شيوعية حمراء حمقاء، ثم توالت الثورات والحكومات إلى أن استولى البعث على السلطة سنة ١٣٨٨هـ / ١٩٦٨م وجاء أحمد حسن البكر وصدام، وفي عهد البعث المشؤوم نال البدري الشهادة على يد طواغيت ذلك الحزب الذي أذاق المسلمين أصنافًا من العذاب.
كان أبوه عبد اللطيف البدري من أهل سامراء ومن أسرة منسوبة إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما، وحبب إليه التنقل بين دروس العلماء في المساجد والمدارس والبيوت، وكان يسمع منهم تحسرهم على قلة من يطلب العلم الشرعي وذلك لأن خطة الإنجليز كانت منصرفة إلى التزهيد في العلم الشرعي وصرف الطلبة عنه، ومن أصر على دراسته فإنه يعين مدرسًا بثلث راتب المهندس والطبيب نكاية فيهم وازدراء لهم فأحب عبد اللطيف أن يكون من أبنائه السبعة من يدرس العلوم الشرعية فعرض الأمر على عبد العزيز، وكان آنذاك يدرس في مدرسة متوسطة نظامية فدهش الوالد الاستجابة ابته السريعة وقبوله الدراسة الشرعية فانتظم في المدرسة، وكان يفخر بها، فقد نزع سراويله (بنطاله) وليس العمامة والجبة وصارت هيئته هيئة طلاب العلم الشرعي وظل يدرس حتى انتهى من الثانوية الشرعية وعين خطيبا في أحد المساجد، لكنه تنقل بعد ذلك في كثير من مساجد بغداد، وطلب العلم على مشايخ بغداد، منهم الشيخ أمجد الزهاوي، ومحمد فؤاد الألوسي، ومحمد القزلجي، وغيرهم.
انضم الشيخ عبد العزيز البدري إلى جمعية الآداب الإسلامية، التي أنشاها العلماء للمحافظة على آداب الإسلام في العراق، وذلك قبل ظهور الصحوة الإسلامية فقد كانت البلاد في حالة من الأخلاق العامة يرثى لها، ثم شارك في جمعية كبار العلماء برئاسة شيخه أمجد الزهاوي - وقد ذكرته في هذه الحلقات من قبل - لكن لما كانت سنه صغيرة فقد كان مثل المقرر (السكرتير) للجمعية يكتب بياناتها ببلاغة وفصاحة وجرأة. وكان يدفع العلماء بجرأته ليتحركوا في بعض القضايا. 

علاقته بحزب التحرير
في زمن الشيخ عبد العزيز البدري عظمت قوة حزب التحرير وكان ينادي بإصلاح الحكام أو إزالتهم لتعود الخلافة الجامعة، وينزل للناس بيانات جريئة وقوية فوجد قلوبًا مقبلة وآذانًا صاغية، أما الإخوان فكانوا يعنون بالتربية الهادئة المتدرجة من القاعدة إلى القمة، وما كان لهذا المنهج أن يستهوي رجلًا مملوءًا حماسة وقوة وجرأة مثل البدري، بل أستطيع أن أقول: إنه - في الجملة - ممتلئ تهورا ، فجذبه حزب التحرير حتى صار من أبرز أعضائه بل تولى رئاسته في العراق، وشارك في إدارته مع الشيخ تقي الدين النبهاني رئيس الحزب.
لكن سرعان ما تبين له أن حزب التحرير تحول إلى حزب يؤثر الكلام والجدل، ومعاركه معارك كلامية، فكره منهجهم: لأن من طبيعته النشاط والتحرك القوي فانسحب من الحزب سنة ١٣٧٦هـ / ١٩٥٦م وعمره آنذاك حوالي ٢٥ سنة فقط!! لكنه لأدبه ووفائه لم يشأ أن يعلن انسحابه، فظل متحملًا تبعات حزب التحرير وبياناته إلى أن قامت ثورة عبد الكريم قاسم الدموية، فقدر له الحزب صنيعه وأعلن أن الشيخ عبد العزيز البدري قد انسحب من الحزب.

الحركة الإسلامية
بعد انسحابه من حزب التحرير انشا البدري الحركة الإسلامية التي كانت تنظيمًا سريًا دقيقًا، وأنزل هذا التنظيم بيانا أيام ثورة عبد الكريم قاسم عندما اعتدى الشيوعيون على مكتبة في الزبير فأحرقوا أكثر كتبها ومخطوطاتها، وبيانًا آخر لما اعتدى الشيوعيون على جمعية الأستاذين الصواف والزهاوي وأحرقوا المكتبة وداسوا المصاحف، وإنا لله وإنا إليه راجعون. 
وقد عرض عليه بعض العسكريين الانتظام في الحركة الإسلامية واشترطوا عليه أن يكونوا معه في القيادة فقط، أما التنظيم فينبغي أن يكونوا في تنظيم مستقل فوافق البدري وعمل هذا التنظيم العسكري عدة عمليات أزعجت الشيوعيين، لكن بقي فرعا التنظيم مرتبطين بالبدري وشخصيته القوية، وما كان لهما معالم واضحة ولا أثر قوي.

من مواقفه
ذكر الأستاذ المؤرخ صادق الجميلي أنه كان في الخمسينيات يعمل في السلك البرقي، فأذاعت وكالات الأنباء في الراديو أن جمال عبد الناصر قد اختارته الماسونية العالمية رئيساً فخرياً لها في الشرق الأوسط، وكان الشعب العراقي آنذاك يحب عبد الناصر، مخدوعا به، فلم يصدقوا عندما سمعوا النبأ، فدخل الشيخ البدري إلى دائرة البرقيات وبيده برقية إلى عبد الناصر تخيره بإذاعة النبأ الخطير من وكالات الأنباء العالمية، وتطلب منه أن يستنكر ذلك النبأ لأن الشعب العراقي لم يصدق ذلك، وقال الأستاذ صادق: إنه هو الذي استلم منه البرقية وهي مذيلة بتوقيعات كبار علماء العراق وعلى رأسهم الشيخ أمجد الزهاوي، وانتظر العلماء سماع التكذيب لكن مرت أيام وأسابيع ولم يحدث ذلك، ثم ختم بقوله: والله شهيد على ما أقول.
ومن مواقفه الجميلة أنه لما علم بصدور حكم الإعدام على الأستاذ سيد قطب رأس وفداً من علماء أهل السنة وذهب بهم إلى كربلاء والنجف وطلب من علمائها التدخل لإيقاف تنفيذ حكم الإعدام فذكر له محسن الحكيم أنه أبرق إلى الرئيس المصري عبد الناصر ألا يعدم سيدًا.
وأقول: لكن هذا لم يجد عند الطاغية شيئًا فرحمة الله تعالى عليهم.
وقد كان الشيعة يعرفون قدره ويحبونه فعندما سقط نظام صدام أقام الشيعة احتفالًا ذكروا فيه مآثره وسيرته الجهادية.

جرأته الفائقة
كان أهم صفات الشيخ عبد العزيز البدري جرأته الفائقة كل الحدود، بل لا أعلم أحدًا أجرأ منه منذ سلطان العلماء العز بن عبد السلام إلى زمن البدري فقد كان لا يبالي بالموت بل يتعرض له في مظانه يرحمه الله تعالى، وقد قال فيه الدكتور صالح السامرائي حفظه الله: إنه رجل لا يعرف الخوف، فمن الدلائل الواضحة على جرأته أنه بعد قيام ثورة عبد الكريم قاسم المرعبة بأسبوع فقط، خطب خطبة عصماء كفر فيها الشيوعيين ونفر القلوب منهم. فازعج الشيوعيين حتى أن فاضل المهداوي رئيس محكمة الشعب الهزلية - التي نكلت بالعراقيين وقتلت منهم كثيرًا من المظلومين اشتكى في المحكمة نفسها من البدري فعزم الشيوعيون على التخلص منه، وكان البدري آنذاك يخطب في جامع في الكرخ وكان الناس يملؤون المنطقة يوم الجمعة حتى المقاهي فتوجه الشيوعيون إلى المنطقة لينظفوها بزعمهم، فجمع البدري الناس وسلح بعضهم، وكان له سلاح، فهبوا جميعًا لصد الشيوعيين وكان يتلو عليهم قول الله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ (الأنفال: ٦٥) وصار يطلق الرصاص على الشيوعيين فانهزموا كالفئران ولله الحمد، وهذه بادرة لم تقع في العالم العربي والإسلامي في التاريخ الحديث، والبدري بهذا أعاد الهيبة للعلماء والمشايخ الذين استمرؤوا الذل طويلًا ورضوا بالهوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون. 
ومن جرأته أنه أفتى بكفر عبد الكريم قاسم وحل دمه!! وهذا من الجرأة والشجاعة بمكان لم يصل إليه أحد، وهذا الذي أدى بعبد الكريم إلى أن يأتي بالبدري ويتلطف معه لأن الفتوى أحدثت بلبلة في صفوف العراقيين، ثم لما أعدم عبد الكريم بعض الضباط سير البدري مظاهرة ضده سار فيها حوالي أربعون ألفا، ولقبه به عتل بعد ذلك زنيم، فأجبر على الإقامة في منزله عاما كاملا من ٢ ديسمبر ١٩٥٩ إلى ٢ ديسمبر ١٩٦٠م.
ومن المواقف الجريئة أنه أعلن أنه يريد الحج فلم يؤذن له، فأعلن أن سيحرم من بيته ويتجه إلى الحدود فإن منع ذبح دمًا للإحصار وأعلن للناس أنه محصور فاستشار عبد الكريم قاسم بعض علماء السوء فأشاروا عليه ألا يجعل البدري يصنع هذا حتى لا يلتف حوله الناس لكن ليأت به ويسترضه ثم يسمح له بالحج، وهكذا صنع عبد الكريم قاسم فجاء به و استرضاه وقال له: أنا لا علاقة لي بالشيوعيين وهؤلاء مجرمون وأذن له بالحج، ثم ودعه عند الباب وقال له سأعنى بأولادك وأعطيهم بعض الهدايا في غيابك، فأمسك البدري يكتفي عبد الكريم وهزهما بعنف وقال له: إياك أن تصنع هذا، فأنا لست من العلماء الذين تشتريهم بمالك، وأسمع عبد الكريم كلامًا قاسيًا وصعبًا، فقال له عبد الكريم إنما أردت أن أختبرك وذهب ليحج، والتقى بزعماء الدعوة ومشايخ المسلمين هنالك.
وجاء زمن الرئيس عبد السلام عارف وبقي الشيخ على ما هو عليه من جرأة وقوة حتى أن الرئيس عبد السلام فاجأ البدري يوما وهو يخطب الجمعة بدخوله الجامع فحول البدري مجرى الخطبة ليقول صالحًا يا عبد السلام أقم الإسلام، يا عبد السلام القومية لا تصلح لنا، يا عبد السلام يا عبد السلام... وظل هكذا يناديه لقوة، ثم بعد الصلاة جاء عبد السلام ليسلم عليه وقال له: إنك ذو جرأة وأشكرك على ذلك، ثم نقل من مسجده إلى مسجد آخر وضيق عليه.
ثم ذهب ليحج سنة ١٣٨٥ هـ / ١٩٦٥م، وقد أخبرني شيخي وأستاذي الدكتور محمد علي إبراهيم أنه كان في المسجد النبوي لما جاء البدري للصلاة فيه، فوقف وخطب المصلين خطبة قوية جريئة، وقد كان هذا ديدن البدري أينما حل يرحمه الله. 
وكان إذا خطب قال في المقدمة: أعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات حكامنا!!
وإذا فرغ دعا قائلًا: اللهم ارزقنا بدولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله وتجعلنا من الدعاة إلى طاعتك، والاقتداء إلى سبيلك وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة وشهادة في سبيلك. 
ولما هزم العرب الهزيمة المذلة سنة ١٣۸۷هـ ١٩٦٧م ذهب إلى المجاهدين في فلسطين ليقاتل معهم، لكنهم طلبوا منه العودة إلى العراق وحملوه أمانة القضية الفلسطينية، فعاد وخطب بعد الهزيمة خطبة هائلة بكي فيها وأبكى، وخون الأنظمة العربية وحملها المسؤولية، وبعد الصلاة أعلن عن تكوين وفد شعبي من سنة وشيعة خرج به إلى ماليزيا وإندونيسيا والهند وباكستان وأفغانستان وإيران وتركيا لشرح أسباب الهزيمة ويلصقها بالقادة الثوريين، وكان في الوفد د. صالح السامرائي، وصالح سرية، والشيخ البدري على رأسه، في ١٢ رجلًا من رجال العراق فأحرج الوفد السفراء العرب وغضب بعضهم وطلبوا من الحكومة العراقية توضيحا لإذنها للوفد بالسفر وطلبوا معاقبة الوفد، فلما عاد الوفد إلى العراق ضيق على البدري.
وقد ذكر الأستاذ الدكتور صالح السامرائي - حفظه الله تعالى - في مذكرة كتبها عن رحلته هذه عن البدري جملة أمور منها: أنه كان يرفض أن يربط حزام المقعد في الطائرة توكلًا على الله تعالى، وهذا قد لا يوافقه عليه بعض الناس، لكن ذكرت ذلك إيضاحًا لطريقته ونهجه ومنها: أنه كان في الطائرة معه من بغداد إلى طهران، فعرضت إحدى المضيفات الخمر لبيعها، فوبخها البدري وسائر المضيفين والمضيفات بشدة كبيرة.
وفي إيران، قابل الوفد المرجع الشيعي شريعة مداري، فسأل عن أعضاء الوفد الشيعيين ثم أراهم صورة مزعومة للإمام علي ، فكلمه الشيخ البدري وحثه على الجهاد والحركة من أجل فلسطين واشتد عليه، فحاول الدكتور صالح أن يهدئ الشيخ البدري فلم يستطع.
ووصف الدكتور صالح الشيخ البدري بأنه كان يلهب مشاعر الجماهير في كل مكان ذهب إليه الوفد إلا في إيران وتركيا فقد حيل بينه وبين الشعب. انتهى ما ذكره الدكتور صالح حفظه الله تعالى.
وجاءت الحكومة العراقية زمن عبد الرحمن عارف برجل من كندا اسمه نديم البيطاره - وكان أحد منظري حزب البعث وجاؤوا به ليفند مزاعم البدري بأن البعثيين والناصريين والقوميين هم أسباب الهزيمة، فأراد نديم أن يبين أن الإسلام بأفكاره الغيبية هو السبب!! وألقى محاضرة بهذا المعنى وأراد إلقاء محاضرة أخرى في النادي الثقافي بحي المنصور، فطلب البدري من الحكومة أحد شيئين: إما أن يسمحوا له بالتعقيب بعد المحاضرة أو أن يحاضر في مكان آخر يعينه ويعين زمانه فرفضت الحكومة فخطب يوم الجمعة وأعلن أنه ذاهب إلى مكان المحاضرة بعد صلاة العصر فلما صلى العصر اجتمع عليه الناس فأخذ سلاحه وتقدم بهم وصار الناس ينضمون إليه، وساعدهم على ذلك جرأته وقوته وشجاعته ورؤيتهم له شاهرًا سلاحه صالحًا منددًا، واستطاع أن يدخل قاعة المحاضرة فحدثت فوضى هائلة وهرب البيطار من باب خلفي إلى المطار مباشرة وأخفقت الحكومة في تحقيق ما أرادته، وسجنت البدري أيامًا في سجن المنصور ثم أخرجته لله دره. وقد ذكر لي الدكتور صالح السامرائي أن صدامًا، كان في القاعة آنذاك.

تضحياته
لا جرم أن البدري في شجاعته وقوته وجرأته قد لقي من جرأته ما لقي، فقد كاد أن يقتل مرارًا، وسجن أربع عشرة مرة، ووضع في الإقامة الجبرية مرات تطول وتقصر وهذا قدر كل من تصدى للظلمة والطغاة وأراد أن يغير بلاده إلى الأفضل والأحسن وهذه مسيرة الأنبياء العظام والمرسلين الكرام وصحبهم منذ فجر التاريخ إلى زمن سيدهم وإمامهم محمد صلى الله عليه، ثم هذا هو الذي سار عليه الخلص من أصحابه رضي الله عنهم ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الناس هذا، وكل دعوة ليس من ورائها تضحية فهي دعوة ناقصة على أصحابها مراجعة شأنهم والنظر في أحوالهم.
ومن لطائفه أنه كان يصحب معه حقيبة فيها حاجاته التي يريدها معه في السجن، فإذا طلب ليسجن أخذ معه حقيبته.
ولما قامت ثورة البعث سنة ١٣٨٨ هـ / ١٩٦٨م ذهب ليحج، فلما عاد من بالرياض فحذره أصحابه من تضييق البعث على علماء العراق وطلبوا منه البقاء في الرياض، لكنه رفض وبين لهم أنه رمز ولابد أن يعود، فلما عاد قبض عليه البعثيون. 
وقد حكى ابنه أحمد البدري كيف قبض على أبيه البعثيون فقال:
«عاد والدي من المسجد بعد الفراغ من أداء صلاة العشاء بسيارة صديقه عبد الغني شندالة، فانقض عليه وعلى زميله أزلام عصابة صدام، الذين كانوا متربصين بهما في الأزقة والشوارع المحيطة بدارنا فاعتقلوهما، وبعد منتصف الليلة نفسها حضروا مرة أخرى فقاموا بتفتيش الدار بشكل عشوائي وهمجي، وصادروا كل أشرطة خطب الجمعة، كما صادروا مخطوطين لكتابين كان قد أكمل تأليفهما معدان للطبع. هما: كتاب الله الخالد والإسلام حرب على الاشتراكية والرأسمالية».
وحقق معه مدير الأمن العام ناظم كزار واتهمه بأنه عميل الأمريكا، فقال له البدري بل أنتم عملاء أمريكا، فقد فضحكم علي صالح السعدي، وقال: إنكم جئتم للحكم على قطار انجلو - أمريكي، فصفعه ناظم على وجهه، فكانت المفاجأة المذهلة أن الشيخ البدري قفز على ناظم وبصق عليه وضربه وهو أعزل وسط المجرمين، فعند ذلك ضرب بالأسلاك حتى أغمي عليه، ثم عذبوه عذابًا شديدًا حتى قتلوه بعد أن كسروا عظامه ونتقوا الجانب الأيمن من لحيته، ورموا جثته على باب بيته، فلما خرجت زوجه صباحًا لتشتري الخبز، وجدت جثة زوجها على الباب وقد مثل به تمثيلًا فاحشًا، فأغمي عليها من هول المفاجأة يرحمه الله تعالى وغفر له ورفع درجته في عليين وتقبله في الشهداء الصالحين.

قال عنه ولده سعد: عرفنا أن والدي في إحدى زنزانات قصر النهاية السيئ الصيت، ويستجوب من قبل صدام وناظم كزار، بكل فخر استطيع أن أباهي بوالدي الذي كان شجاعًا بحق وصبورًا مؤمنًا حيث ذكر لنا أحد الشهود الذين كانوا معه في الزنزانة قائلُا: لم أر في حياتي رجلًا بشجاعته داخل المعتقل وهو يعذب ويفقد الوعي، ثم يعود إلى رشده، فيعذب مرة أخرى وهو يكرر ذكر الله، ثم يفقد الوعي تارة أخرى، ويرسل إلى مستشفى الرشيد العسكري لإيقاظه من غيبوبته ثم يعاد إلى التعذيب وهكذا، وهو يذكر اسم الله تعالى ويقرأ آيات من الذكر الحكيم ويندمج بأدعية مستجابة لنيل الشهادة فينالها في ١٩٦٩/٦/٢٦م.
وقال الأستاذ المؤرخ صادق الجميلي: إن أحد أقربائه كانت زنزانته بجوار زنزانة الشيخ فقال: كان معذبوه يمرون عليه فيبصقون نحوه ويقولون یا جاسوس!! یا خائن!! هذا مصيرك!! فيبصق عليهم ويقول: كل الشعب يعرف أنكم أنتم الجواسيس يا عملاء شركات النفط البريطانية، وأكد له قريبه أنه لم يشاهد أو يسمع في الدنيا مثل هذا الرجل الصلب الصبور، الله أكبر.
ومنع الأمن دفته في سامراء التي كانت تغلي من قتله بتلك الطريقة، فدفن قرب شيخه الزهاوي في مقبرة الأعظمية، فلما دفن حصل هياج شديد في المقبرة وتألم الحاله كثير من الناس ورفعت شعارات لم تعجب السلطة الحاكمة فعاقبت بعضهم بالسجن 15 عامًا!!
وانتقم الله من ناظم هذا، فقد حاول الانقلاب على البعث فقتله صدام، شر قتلة بعد أن عذبه عذابًا شديدًا.
ألف الشيخ يرحمه الله تعالى عددًا من الكتب، منها: الإسلام بين العلماء والحكام و حكم الإسلام في الاشتراكية والإسلام ضامن للحاجات الأساسية للفرد، وكتاب الله الخالد القرآن الكريم.

أولاده
للشيخ أربعة أبناء وأربع بنات وتصفه ابنته علياء بأنه كان أبًا مثاليًا ومربيًا وفاضلًا عادلًا لا يفرق بين الابن والبنت كان يحشا على أداء الصلاة في أوقاتها وخاصة صلاة الفجر. 
وقالت ابنته الكبرى آلاء: إننا فقدنا والدنا ونحن في أمس الحاجة إليه، وإلى عطفه وحنانه ... وفي اللحظات التي كنا نراه فيها كان يحثنا على حفظ القرآن الكريم. ويعدنا لأن نكون دعاة في المجتمع والحمد لله أنا وأخواتي الثلاثة نمارس تدريس قواعد اللغة والتعليم والتربية الإسلامية وتعمل على تحفيظ القرآن الكريم وإلقاء المواعظ الدينية.
وأما زوجه، فقد ماتت في حادث سيارة سنة ١٣٩٦هـ / ١٩٧٦م يرحمها الله رحمة واسعة.

عجيبة
يذكر ولده محمد بأن أحد أفراد الأمن قد أخبره في سنة ٢٠٠٠م عندما كان يبحث ضمن فريق مشترك من الأمن والمخابرات العامة والآثار عن قبر أحد أبناء المتوكل في المقبرة الأعظمية وبجوار قبر الشهيد البدري، أنهم عندما حفروا للبحث فتح قبر الشهيد، وانكشف الغطاء عن جثته الطاهرة فضغط على جسده فرآه طريًا، وكأنه دفن توًا بعد ٣١ عامًا من استشهاده ودفنه، فدخل الرعب والخوف في قلوبهم فأعادوا التراب إلى مكانه وفروا هاربين.
ومن المناسب أن أذكر هنا حادثة مهمة لها صلة بقضية حفظ جسده الطاهر، ذكرها الأستاذ المؤرخ صادق الجميلي فقد قال: لما كان الشيخ البدري يخطب الجمعة في جامع إسكان غربي بغداد، أخذ يهاجم النظام الحاكم وينتقد أخطاءه بكل جرأة وصراحة من منبر الجمعة، وكان يستقطب الشباب المسلم وأجهزة التسجيل التي كان يمتلكها البعض منهم تلتقط خطبه النارية وتوزع بينهم ... كان يسكن كاتب هذه السطور في حي القادسية ووقف في الشارع العام ينتظر سيارة أجرة، فإذا بالشيخ أحد ركاب السيارة التي وقفت فامتطيتها وجلست على كرسي بجنب الشيخ فسلمت عليه ودار الحديث بيننا حول خطبه في المسجد، فأبديت له نصيحة أن يقلل من حماسه لأننا نعيش في نظام لا يرحم ناقديه، فقال لي: لا يا أخي لا فأشار إلى زنده الأيسر ومسكه بقوة وقال: إذن لماذا تسمن هذه الزنود؟ التكون طعما للدود في القبور؟؟! فسكت.. وقد سقت هذه الحادثة مقترنة بالحادثة التي قبلها لأبين أن الله حفظ زنده وسائر جسده فلم يأكله  الدود ولله الحمد.
وفي الختام لا بد من أن أقول:
ليت الشيخ البدري اتفق مع العلماء واجتمع معهم لتكوين جبهة، فلربما كان أجدى وأنفع للإسلام، لكنه كان يرد على العلماء الذين ينصحونه بالتريث ردًا خشنًا ويتهمهم بشتى أنواع الاتهامات، وكانوا يدخلون عليه في إقامته الجبرية ويطلبون منه الهدوء فكان يصدهم بقوة، وقد ألف كتابه المعروف ردًا عليهم واسمه الإسلام بين العلماء والحكام..
وهذا أدى إلى أن تضعف صلته بالعلماء أقول هذا وأنا لا أبلغ عشره في جرأته وقوته وتضحيته وشجاعته وإقدامه، لكني كنت أتمنى هذا حتى يستفاد من هذا العالم الصادع بالحق الشجاع الجريء الذي لم تر مثله منذ قرون طويلة يرحمه الله تعالى رحمة واسعة، ويكفيه أنه أعاد للمشيخة شيئا من الهيبة التي فقدت منذ زمان طويل والله المستعان، فأين مثله اليوم من علماء المسلمين؟ بل أين عشره يرحمه الله تعالى ورفع منزلته في أعلى عليين؟

الرابط المختصر :