العنوان بلا حدود- عصر المعلومات
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مايو-1996
مشاهدات 83
نشر في العدد 1201
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 28-مايو-1996
ثمة معطيات تؤكد على أن تكنولوجيا المعلومات أصبحت هي القوة التي تمثل القدرة على الردع في الحروب والصراعات القائمة والقادمة في أنحاء مختلفة من العالم، فالذي يملك المعلومات ويجيد تحليلها وتوظيفها لتحقيق أهدافه هو الذي يستطيع أن يتفوق على الآخرين، ولعل تفوق الولايات المتحدة في مجال المعلومات هو الذي مكنها في أعقاب انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي من أن تتبوأ مكانة الدولة الكبرى المتفردة على الساحة الدولية، حيث أعلنت عن نشأة نظام عالمي أحادي القطب يدور في فلكها، لكن الفساد السياسي، والظلم العالمي وسياسة الكيل بمكيالين ستظل تقف عائقًا أمام هيمنتها المطلقة بما تملكه من معلومات وأجهزة رصد واتصالات وتحليل وإرسال وأعداد كبيرة من أجهزة السوبر كمبيوتر الضخمة والأقمار الصناعية وأجهزة التجسس التي ترصد من خلالها حتى ملايين المكالمات الهاتفية الشخصية التي تدور بين ملايين الأشخاص كل لحظة في جنبات الأرض.
هذا الكم الضخم من المعلومات الذي يصل إلى مراحل من صعوبة الحصر والملاحقة يعطي القدرة لمن يملكه على النفوذ والتأثير في مجالات الحياة المختلفة، سواء كانت سياسية، أو عسكرية، أو اقتصادية أو اجتماعية، أو ثقافية، كما يعطي التفوق في مجال المعلومات القدرة على ملاحقة الأحداث وتحييدها أو تجييرها لصالح من يملك المعلومة ويجيد توظيفها بالشكل الذي يناسبه، كما أنها تعطى القدرة لصاحبها لتلافي الأخطار التي تحيق به وتمكنه من معرفة نقاط الضعف والقوة لدى الآخرين.
فحيازة المعلومات عن جغرافيا العالم وثرواته، وما تحويه البحار والمحيطات، وباطن الأرض من كنوز وثروات تمثل أهمية بالغة لمن يحوزها ويملكها، وهذا ما تفعله الولايات المتحدة والدول التي تملك أقمارًا صناعية وأجهزة تجسسية متقدمة، حيث تستطيع هذه الأجهزة أن تحدد كثيرًا من الأمور التي يعجز البشر عن إدراكها بالطرق والوسائل التقليدية، فهناك دول تملك إمكانات صناعية وتكنولوجية هائلة لكنها لا تملك المواد الخام التي تعينها على استغلال إمكاناتها وقدراتها الصناعية، وهناك دول فقيرة لا تملك إمكانات صناعية لكنها تملك داخل أرضها ثروات ضخمة من المواد الخام، وهذه الصورة ليست مثلًا وإنما واقعًا تعيشه البشرية الآن فالدول الغربية واليابان وبعض دول جنوب شرق آسيا تملك تقنية صناعية هائلة ومتنامية، لكنها تعاني عجزًا في المواد الخام، ودول العالم الإسلامي وإفريقيا تملك المواد لكنها لا تعرف قيمة ما تملك لانها ليس لديها التقنية التي تمكنها من المعرفة من ناحية، ومن ناحية أخرى لأن الدول المتقدمة تستغلها وتمنعها من الوصول إلى تقنية المعلومات لأن وصولها إلى تقنية المعلومات سوف يجعلها تعرف ما تملك، ومن ثم تنضم إلى مصاف الدول الصناعية والدول الغنية التي تعرف ثرواتها وتجيد استغلالها وتوظيفها، أو الدول التي تملك قرارها على أقل تقدير، فالذي يملك المعلومات هو الذي ينقب عن الثروة وهو الذي يستخرج المواد الخام وهو الذي يصنعها، وهو الذي يردها بعد ذلك ليبيعها للدول التي لا تملك المعلومات، ويكفي الدول التي لا تملك المعلومات أن تعرف فقط أن لها أرصدة مالية في بنوك الدول التي تملك المعلومات، وأن هذه الأرصدة عبارة عن مجموعة من الأصفار تزيد وتنقص كل يوم حسب لعبة المعلومات بين البورصات وبين الين والمارك والدولار، وفي النهاية يكون الذي يملك المعلومات هو الذي يملك المواد الخام، وهو الذي يملك الشركات التي تستخرج المواد الخام، وهو الذي يملك الشركات التي تصنع المواد الخام، وهو الذي يملك أرصدة الدول التي تستخرج منها المواد الخام، وبالتالي فإن الذي يملك المعلومات هو الذي يملك كل شيء. إن المعطيات والمستحدثات اليومية لتكنولوجيا المعلومات تؤكد على أن كثيرًا من الأوضاع والتصورات لما يسمى بالردع والحروب قد تغيرت فحينما جمعت الولايات المتحدة معلومات دقيقة عن أهم المواقع الاستراتيجية للنظام العراقي استطاعت خلال أيام أن تدمر ما كانت الحرب التقليدية تدمره خلال سنوات، واستطاعت عبر تكنولوجيا «الفيديوتيب» أن تقوم بتصوير الأهداف أثناء قصفها لتحدد حجم الخسائر التي حققتها في صفوف عدوها، كذلك ساعدت تكنولوجيا المعلومات الأمريكية إسرائيل في هجومها الأخير على جنوب لبنان، حيث أخذت إسرائيل بالتكنولوجيا الأمريكية وقامت بضرب المدنيين في جنوب لبنان، وتحديد المواقع التي يتم من خلالها قصف مواقع الإسرائيليين خلال ثوانٍ من عمليات إطلاق الصواريخ التي تقوم بها المقاومة، كما ساعدت تكنولوجيا المعلومات الأطراف المتنازعة في البوسنة والهرسك في توقيع اتفاق دايتون، بعدما تم عرض خرائط ضخمة للبوسنة بواسطة الأقمار الصناعية على شاشات خاصة أعدت لهم خصيصًا لهذا الغرض وقد وصلت دقتها إلى حد تحديد الشوارع والبنايات في المدن البوسنية مما جعل عملية التقسيم تتم بمقياس وصل إلى أقل من الكيلو متر المربع. وتكنولوجيا المعلومات هي التي مكنت قتلة الزعيم الشيشاني جوهر بوداييف من تحديد موقعه خلال ثلاثين ثانية من عملية الاتصال الهاتفي التي كان يقوم بها عبر الأقمار الصناعية، ثم قاموا بقصف المكان الذي كان يتحصن به. لقد غيرت تكنولوجيا المعلومات أساليب الصراع والمواجهة حتى بين أجهزة الاستخبارات المختلفة، وصارت هناك قطاعات كبيرة في أجهزة الاستخبارات العالمية وعلى رأسها «سي. آي إيه» و«كي. جي. بي» و«الموساد الإسرائيلي»، وغيرها من أجهزة التجسس العالمية همها الأساسي هو ثورة المعلومات وسرقة تكنولوجيا المعلومات والسطو على المؤسسات والشركات والدول التي تملك المعلومات، وقد نجح «الموساد» الإسرائيلي قبل سنوات في سرقة كميات ضخمة من الوثائق الأمريكية الدقيقة والأكثر سرية في وزارة الدفاع الأمريكية، قام بها الجاسوس الإسرائيلي الأمريكي الأصل جوناثان بولارد الذي يقضي عقوبة السجن مدى الحياة الآن في أحد السجون الأمريكية بعدما ثبت أن حجم المعلومات التي حصلت عليها إسرائيل عن طريقه يعادل غرفة مساحتها أربعة أمتار في أربعة أمتار في ارتفاع ثلاثة أمتار، وكانت تمثل أدق ما لدى وزارة الدفاع الأمريكية بل لدى الولايات المتحدة من معلومات، وتقديرًا من إسرائيل لما قام به بولارد منحته قبل عدة أشهر الجنسية الإسرائيلية وتعهد كل من بيريز ومن قبله رابين بتبني قضيته حتى يتم الإفراج عنه. وعلى المستوى الفردي الآن فيكفي أن يجلس أي شخص أمام جهاز الكمبيوتر في بيته أو مكتبه ويفتح شبكة الإنترنت ليجد نفسه أمام فيض من المعلومات يكاد تصور حدوثه قبل سنوات يشبه الخرافة. إن من يملك المعلومة يملك القرار ويملك القوة ويبقى سؤالنا الأساسي: أين موقعنا نحن العرب والمسلمين من تكنولوجيا المعلومات؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل