الثلاثاء 26-أغسطس-1986
- موقف باكستان من المجاهدين الأفغان يستحق كل دعم وتأييد لأنه ينطلق من مبدأ الأخوة الإسلامية.
- المعارضة الباكستانية تطالب بانتخابات حزبية عاجلة وإقصاء ضياء الحق عن السلطة.
- شعبية المعارضة مستمدة من الشعارات التي تطلقها عن الديمقراطية والحرية
احتفلت الباكستان يوم 14 أغسطس الجاري بذكرى استقلالها في ظروف سياسية واقتصادية غير عادية. فعلى الصعيد السياسي تأتي هذه المناسبة بعد مضي ١٦ شهرًا على انتقال البلاد إلى حكم ديمقراطي بعد 20 عامًا من الحكم العسكري. وقد تم نقل السلطة من خلال الانتخابات العامة التي أجريت في البلاد في فبراير عام ١٩٨٥ على أسس غير حزبية بل تم انتخاب المرشحين من قبل الشعب حسب جدارتهم الشخصية ووقع الاختيار على السيد محمد خان جونيجو ليصبح رئيسًا للوزراء لما له من خبرة سياسية عريضة، وهو عضو منتخب في البرلمان. وقد أعلن السيد جونيجو برنامجًا حكوميًا من خمس نقاط لمكافحة الفساد والظلم وإقامة نظام إسلامي ديمقراطي قوي والارتقاء بالتنمية الاقتصادية ومحو الأمية وانتهاج سياسة خارجية متوازنة. وبعد الانتخابات النيابية سمح البرلمان بإحياء الأحزاب السياسية ووضع قوانين العمل الحزبي، وقد أدى ذلك إلى زيادة النشاطات السياسية في كل باكستان ما أكد عزم الحكومة على تأسيس قاعدة ديمقراطية قابلة للتطوير.
إنجازات اقتصادية:
عندما جاءت حكومة جونيجو إلى السلطة واجهت تحديات لتنظيم الهيكل الاقتصادي للبلاد وكان هناك خوف من أن عام ٨٥ - ٨٦ سيكون تعيسًا بالنسبة لاقتصاد باكستان وذلك بسبب توقع انخفاض الإنتاج والحاجة إلى استيراد سلع كثيرة أو فقدان دخل التصدير وخاصة تحويل النقد. وكان الاقتصاد قد عانى على إثر خراب محاصيل القطن وبسبب انخفاض الانتاج الزراعي والصناعي مما جعل مستقبل باكستان الاقتصادي قاتمًا. لكن حكومة جونيجو اتخذت عدة إجراءات وأعلنت عنها قبل تقديم ميزانية 85 – 86 شملت صفقات حافزة لزيادة التصدير. وقد تجاوب الاقتصاد بوضوح لهذه الصفقات وانتهى الضعف المرحلي وأصبح الاقتصاد يتصف بالقوة والمرونة. وكان هدف الحكومة هو إيجاد مصدر دخل لخزانة الدولة بطريقة اقتصادية مدروسة. وقد أثبتت الحكومة في أول ميزانية 85 – 86 بأن تحريك المصادر يمكن أن يتم بغير نظام الضرائب القديم، فبدلًا من الخصم الضخم في الضرائب والمعونات التي قدمت للاستثمار في الصناعة والتي باتت راكدة لمدة سنوات بسبب عبء الضرائب الثقيل، قررت الحكومة اختصار اشتراك القطاع العام في مجال الصناعة إلى أقصى حد ممكن لتأهيل القطاع الخاص للمشاركة السليمة في موارد الإنتاج. وتم تشكيل لجنة وطنية لإعادة النظام والاستقرار للاقتصاد الباكستاني وكثير من المؤسسات التجارية التي اقتصرت سابقًا على القطاع العام فتحت للقطاع الخاص أيضًا. كما تم تشكيل لجنة وطنية لتعديل الضرائب ومراقبة التهرب من الضرائب، وفي حالة تطبيق توصيات هذه اللجنة سيبقى كل شىء في موضعه خلال سنتين أي قبل وضع سياسة الخطة الخمسية السابعة في أغسطس .١٩٨٨ وبفضل هذه الجهود كلها أصبح عام ٨٥ - 86 عاما نموذجيًا للإنجاز الاقتصادي ولتفوق معدل النمو الاقتصادي خلال سنتين فقط ضمن العشرين سنة الماضية وأصبح معدل التضخم المالي منخفضًا جدًا خلال العشر سنوات الأخيرة.
ومن ناحية أخرى فقد زاد الإنتاج المحلي إلى 7,5٪ في ٨٥-٨٦ متفوقًا على نمو ٧٧ – 78 و74 – 75 في العقدين الأخيرين وارتفع الإنتاج الزراعي بمعدل 6,5٪ بسبب زيادة إنتاج القطن والقمح وزاد الإنتاج الصناعي بمعدل 8,4٪ وكان هناك زيادة بنسبة 35٪ في التنجيم بسب النهوض السريع لاستخراج البترول الخام 6,5 ملايين برميل في عام ٨٤ - ٨٥ وارتفع الإنتاج البترولي إلى 10,6 ملايين برميل في عام 85 – 86، وقد أصبح لدى باكستان اكتفاء ذاتي من النفط إلى حد 25٪.
ماذا تريد المعارضة؟
رغم كل هذه الإنجازات الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال حكم الجنرال ضياء فإن المعارضة التي تقودها الآنسة بي نظير بوتو ما زالت تتمسك بمطالبها التي تتلخص في المطالبة بتحديد موعد عاجل لانتخابات جديدة على أساس حزبي يشترك في خوضها جميع الأحزاب الباكستانية، حيث إن المعارضة لا تعترف بنتائج انتخابات ١٩٨٥ التي أوصلت السيد جونيجو إلى رئاسة الحكومة الحالية، كما تطالب المعارضة برحيل الجنرال ضياء الحق عن السلطة بطريقة سلمية ديمقراطية لتسليمها إلى المدنيين. وقد رفض الرئيس ضياء الحق هذه المطالب كلها وأكد أن انتخابات ١٩٨٥ كانت شرعية وقد أتاحت للبلاد الفرصة للعودة إلى الديمقراطية. ويبدو أن المعارضة المتمثلة في حركة استعادة الديمقراطية بزعامة بي نظير بوتو لا تزال مصرة على المضي قدمًا في محاولاتها الرامية إلى قلب نظام الحكم بالطريقة السلمية، وقد اختارت المعارضة مناسبة ذكرى الاحتفال بعيد الاستقلال للقيام بمظاهرات شعبية ضد نظام ضياء الحق، وكان من المفروض أن تطير بي نظير بوتو إلى مدينة فيصل آباد الواقعة على بعد حوالي ١٠٠ كيلومتر من لاهور عاصمة البنجاب، لتتصدر موكبًا بالسيارات من مدينة فيصل آباد إلى لاهور حيث كان من المتوقع عقد اجتماع للحركة من أجل استعادة الديمقراطية التي تضم ستة أحزاب من المعارضة، لكن السلطات الباكستانية حظرت الاجتماعات خلال فترة عيد الاستقلال واعتقلت زعيمة المعارضة بي نظير بوتو في مطار كراتشي بينما كانت تستعد للسفر إلى مدينة فيصل آباد، لكن احتجازها لم يدم سوى فترة قصيرة بالمطار ثم عادت إلى مقر إقامتها بعد أن تلقت أمرًا بعدم مغادرة كراتشي لمدة خمسة أيام. وفي نفس الوقت اعتقلت السلطات جميع قادة المعارضة في كراتشي ولاهور وروالبندي ومدن رئيسية أخرى بعد أن رفضت الحركة من أجل استعادة الديمقراطية تأجيل الاجتماع المزمع عقده من طرف المعارضة يوم عيد الاستقلال في الرابع عشر من أغسطس الجاري. وكان رئيس الوزراء محمد خان جونيجو قد أعلن يوم الإثنين ١١ أغسطس حظر المظاهرات والاجتماعات في البلاد لتجنب احتمالات وقوع حوادث بين الفئات المتنافسة. وقد ضخمت وسائل الإعلام الغربية نبأ هذه الاعتقالات وركزت على اعتقال بي نظير بوتو التي يقارنها الإعلام الغربي برئيسة الفلبين كورازون أكينو، لكننا نرى أن هذه المقارنة لا أساس لها بالمرة نظرًا لاختلاف الأوضاع الاقتصادية والسياسية في باكستان عنها في الفلبين أيام رحيل الديكتاتور ماركوس. والذي نطلب من الرئيس ضياء الحق هو التوسع في المسيرة الديمقراطية ومنح الشعب مزيدًا من الحريات لقطع الطريق نهائيًا أمام المعارضة اليسارية التي تستمد شعبيتها من ترديد عبارات الحرية والديمقراطية.
القضية الأفغانية:
إن موقف باكستان الرسمي من قضية الجهاد الأفغاني هو التأييد الكامل للمجاهدين الأفغان الذين يحاربون التدخل السوفييتي منذ أكثر من ست سنوات. ويعيش مئات الآلاف من المهاجرين الأفغان على أرض باكستان نصرة لقضيتهم العادلة التي يجب على كل المسلمين تأييدها بشكل واضح، والمطلوب من الرئيس ضياء الحق هو الثبات على هذا التأييد وعدم الرضوخ للضغوطات الأمريكية أو السوفييتية أو الدولية التي تهدف جميعًا إلى تفريغ الجهاد الأفغاني من أهدافه الأساسية والتي تتمثل في إقامة دولة إسلامية تحكم بالكتاب والسنة في أفغانستان، ومن المؤكد أن مفاوضات جنيف الدولية التي تدور بين الحين والآخر بين الحكومة العميلة في كابول وحكومة باكستان لن تساهم قطعًا في تحقيق أهداف المجاهدين الأفغان بل العكس هو الصحيح. فلا بد أن يضع الجانب الباكستاني ذلك في حسابه ويتوقف عن التفاوض حتى تتحقق مطالب الجهاد الأفغاني.