; عسكرترياهم وعسكرتريانا | مجلة المجتمع

العنوان عسكرترياهم وعسكرتريانا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 10-أكتوبر-1981

مشاهدات 71

نشر في العدد 550

نشر في الصفحة 49

السبت 10-أكتوبر-1981

العسكرتاريا قديمة في تاريخ الأمة الإسلامية.. فالأنظمة الفردية التي تلي الانقلابات العسكرية ليست ظاهرة جديدة.. إنها قديمة.. ففي القرن الثالث كان أحد القادة العسكريين في الجيش العباسي هو الذي يحكم.. ولقد كان مملوكًا مخصيًّا فأصبح حاكمًا عندما أنقذ الخليفة الضعيف المقتدر من انقلاب عبد الله بن المعتز. 

وفي القرن الرابع أصبح محمد بن الرائق قائد القوات المسلحة للجيش العباسي، في عهد الخليفة الراضي، هو الحاكم الفعلي بعد أن كان حاكمًا لولاية «واسط». ولم ير بدًّا هذا الخليفة المهزوز من أن يضع مقاليد السلطة المدنية بين يديه.. حتى أطلق لقب أمير الأمراء من بعده على كل قائد للقوات المسلحة.. بل إن اسم ابن الرائق كان يذكر في الخطبة إلى جانب اسم الخليفة.. وهذا تقليد رمزي يشبه التقليد العصري في تعليق صور الحكام في مكاتب الدوائر الرسمية.

وفي القرون التالية تعمقت ملامح هذه الظاهرة فجاء دور المماليك الذين هم أرقاء نشأوا في الخدمة العسكرية حتى وصلوا إلى مرتبة القيادة العليا التي كانت تسمى في أيامهم رتبة «بكلربكي» أي القائد الأعلى للجيش.. وبدأت دورة الانقلابات العسكرية الدموية.. واستغنى المماليك عن واجهة الخليفة، وأعلنوا استقلالهم السياسي عنه، ولم يستبقوا إلا الرمز من أجل الشرعية... وكلما حكم مملوك انقلب عليه «بكلر بلييه» أي قائد قواته المسلحة... وتأصلت ظاهرة العسكرتاريا في عصر المماليك حتى جاءت الدولة العثمانية وقضت عليها فترة من الزمان.

وعسكرتاريا اليوم ألعن من عسكرتاريا الأمس... لأن انحراف الأوضاع الجاهلية ظلم على ظلم، وانحراف الأوضاع الإسلامية ظلم على نور.. وعسكرتاريا اليوم يسمون أنفسهم ضباطًا أحرارًا وهم عبيد لأمريكا وروسيا.. وعسكرتاريا الأمس يسمون أنفسهم مماليك وهم عبيد للمسلمين.. عسكرتاريا اليوم لا يحترمون الأمة ولا الشرعية، بل يذيقونها الذل والبؤس والمهانة.. وعسكرتاريا الأمس يحرصون على الشرعية ويراعون مصلحة الأمة حتى أن العز بن عبد السلام وهو داعية مشهور أمرهم ببيع ممتلكاتهم وإدخالها في خزينة الدولة قبل أخذ الضرائب من المواطنين لمواجهة تكاليف الحربالإسلامية التتارية..

عسكرتاريا اليوم يسطرون الهزائم والخسائر.. حرب ٤٨ وحرب العدوان الثلاثي وحرب ٦٧ وحرب ۷۳. وعسكرتاريا الأمس يسطرون الانتصارات.. معركة عين جالوت وعكا وغيرها.

عسكرتاريا اليوم يتسمون بأسماء القوة وهم كلهم ضعف وانهيار.. فأسماؤهم مشتقة من النصر والسيادة والقذف وغيرهم يتسمون باسم الأسد والنمر والشديد.. بينما عسكرتاريا الأمس أسماؤهم متواضعة وهم كلهم قوة وصمود. فأسماؤهم قطز وبيبرس والزنكي.. هؤلاء عسكرتاريا الواقع الإسلامي.. وأولئك عسكرتاريا الواقع الجاهلي العميل.. حتى عسكرتريانا أحسن من عسكرترياهم.

الرابط المختصر :