العنوان عسكرة المجتمع الأمريكي
الكاتب أسامة أبو رشيد
تاريخ النشر السبت 24-أغسطس-2002
مشاهدات 76
نشر في العدد 1515
نشر في الصفحة 24
السبت 24-أغسطس-2002
● تتوسع وزارة العدل الأمريكية في تعريف «الأنشطة المشبوهة أو غير المألوفة»
● مئات المعتقلين من العرب والمسلمين في السجون الأمريكية.. لا نعرف أسماءهم ولا أوضاعهم ولا سبب اعتقالهم.. الأمر الوحيد الذي نعرفه أنه لم توجَّه إليهم أي تهمة على خلفية أحداث سبتمبر.
ناقشنا في مقال سابق (المجتمع: 1511) موضوع الزحف الحكومي على حريات المواطنين المدنية والدستورية كجالية عربية ومسلمة أمريكية، جاعلين من مشروع وزارة العدل الأخير المسمى «تيبس» مدخلًا للموضوع. وللتذكير فإن كلمة تيبس، هي اختصار لعبارة «نظام تقديم المعلومات ومنع الإرهاب والهادفة إلى تحويل تدريجي لنحو 11 مليون أمريكي إلى مخبرين وجواسيس داخليين، يبلغون فورًا عن أي شيء يريبهم بواسطة رقم هاتف مجاني وافترضنا حينها أن الجالية العربية والمسلمة الأمريكية ستكون أولى ضحايا المشروع لو قدر له أن يطبق عمليًّا، ويبدو أنه سيأخذ بعده العملي قريبًا. وتقضي هذه الخطة بتجنيد سائقي الشاحنات وعمال الكهرباء والغاز والبريد وغيرهم كمخبرين للحكومة؛ حيث إنهم الأكثر تماسًا مع الناس وحيث إن أغلبهم لديهم العدل سيكونون الأكثر قدرة على التبليغ عن أي شيء يعتبرونه مريبًا. ميزة الدخول إلى المنازل تلقائيًّا لإصلاح أي عطل طبيعي وروتيني، فإنهم حسب وزارة العدل سيكونون الأكثر قدرة على التبليغ عن أي شيء يعتبرونه مريبًا.
وكنا أشرنا إلى التحول التدريجي في الولايات المتحدة نحو مفهوم الدولة البوليسية إن خصوصًا لم نقل الآن عسكرة الدولة مع بدء النقاش في الإدارة والكونجرس والإعلام الأمريكي حول قضية منح صلاحيات جديدة للجيش تخوله اعتقال المدنيين والتدخل في الشؤون العامة في حال توافر «شبهة إرهابية» في قضية من القضايا، وقلنا إنه إذا كان عامل الغاز أو الكهرباء أو التدفئة أو البريد الذين هم أصلًا غير مدربين على العمل التجسسي، فضلًا عن أنهم قد يكونون من ضحايا الصورة النمطية السلبية التي يبثها الإعلام الأمريكي عن الإسلام المسلمين في هذه المرحلة، سيدخل منزل أي إنسان منَّا، فإنه من غير المستبعد - في ظل جهل معظمهم بالإسلام - أن يعتبر صورة للكعبة أو القدس معلقة على الحائط أو نسخة من القرآن الكريم أو امرأة أو رجلًا يرتدي الثوب العربي أو الهندي أو أمرًا مريبًا ومثيرًا للشكوك وإن كنا .... أن هذا العامل لن يكون هو الحكم في ما هو مثير للشك أم لا، ولكن مجرد أن الإنسان الخوف من كل زائر لا مجال عنه أمر مثير للتحسس، فضلًا عن أن أي الأجهزة الأمنية بناء على أي شكوك ستكون أمرًا مزعجًا، خصوصًا أن البلد طلبًا للأمن والأمان والحرية التي افتقدها كثير منا في بلاده.
يبدو أن بعض تحذيرات المقال وجدت طريقها إلى المصداقية وأثبتت أن المحذور أصبح واقعًا، وأن المستهدف منه بالضرورة ستكون جاليتنا العربية والمسلمة الأمريكية لا لجريمة أو جريرة اقترفتها بقدر ما أن الأمر عائد إلى التعبئة الإعلامية السلبية والظالمة لهذه الجالية ومحاولة ربطها بموتورين يقفون خلف أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
فقد بدأ الكونجرس الأمريكي في مناقشة مشروع تيبس الذي طرحته وزارة العدل ورغم حجم الاعتراضات التي أبداها أعضاء الكونجرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي للمشروع، في توافق تام مع قطاع واسع من الإعلام الأمريكي المقروء والمسموع والمرئي، فضلًا عن اعتراضات جماعات الحريات المدنية والحقوق الدستورية، وعلى رأسها منظمة الحقوق المدنية الأمريكية، وما تناقله الإعلام عن رفض هيئة خدمات البريد الأمريكي للاشتراك في هذا المشروع على الأقل حاليًا، إلا أن ذلك كله لم يمنع وزير العدل جون أشكروفت من مباشرة محادثات مع مجموعات مهنية لإقناعها بإبلاغ السلطات به الأنشطة المشبوهة أو غير المألوفة في عرف وزارة العدل، وذلك في إطار مشروع تيبس وحسب الإدارة الأمريكية فإنها تأمل في أن يبدأ تطبيق العملية مع حلول الخريف المقبل وقد أعطت نقابات سائقي الشاحنات وعمال أحواض السفن إلى الآن وزير العدل موافقتها على التعاون كل هذا يجري والإدارة غير عابئة بالأصوات المعارضة والمحذرة من حولها وللأسف فإن صوتنا إلى الآن ليس جزءًا من عملية الاعتراض أو التحذير وكأن الأمر لا يعنينا.
الأمر الأخطر الذي حذر منه المقال السابق تمثل في تعريف الأنشطة المشبوهة أو غير المألوفة. في عرف وزارة العدل وحتى نوضح لمؤسساتنا العربية والإسلامية الأمريكية المعنية بالحريات المدنية خطوة هذا الأمر نطرح هنا مثالين واقعيين.
الأول: تمثل في قصة مواطن أمريكي من أصول عربية مسلمة، وهو بالمناسبة من الجيل الثالث توقف في رحلة من مدينة بلتيمور في ولاية - مريلاند إلى كندا في إحدى الاستراحات في ولاية بنسلفانيا كي يتزود بالوقود، فما كان من أحد الموجودين هناك إلا أن اتصل بالشرطة على أساس وجود نشاط مشبوه أو غير مألوف، إذ إن الرجل ملتح وزوجته مرتدية للحجاب، وتطور الأمر إلى عدد من سيارات الشرطة «وإف بي أي» وتحقيقات موسعة وكلاب مدربة، وتهديدات بالسجن ودخول المحامين على الخط لمدة ساعات فقط لأن «النشاط المشبوه أو غير المألوف»، تمثل في وجود عائلة مسلمة في استراحة كلنا لا نستغني عنها في أسفارنا، ولم يشفع للرجل وزوجه أنهما من الجيل الثالث، وأن أولادهما من الجيل الرابع المولودين في هذه البلد، ولم يشفع لهم أنهم لم يعرفوا بلدًا أو جنسية غير أمريكا والجنسية الأمريكية!
الثاني: تمثل في قصة معروفة، أدلت مؤسساتنا فيها بدلوها إلا أنها أخذت الجانب السهل فيها وتركت المضمون الحقيقي والأخطر منها.
ففي قصة اعتقال المواطن الأمريكي من أصل أردني السيد عمر الشيشاني في مطار ميتروبوليتان في مدينة ديترويت في ميتشيجان بتهمة حيازة شيكات مزورة برصيد ۱۲ مليون دولار أمريكي، ووجد أبعادًا خطيرة رافقت القضية. ولكن بداية لابد من التأكيد على قضية مهمة، ألا وهي أنه من حق الأجهزة الأمنية، بل ومن واجبها أيضًا اعتقال الرجل والتأكد من مصدر الشيكات، سواء أكانت مزورة أم مرتبطة بالإرهاب كما تشتبه الأجهزة الأمنية المختصة، ولكنه ليس من حق أي ضابط أمن أن يسيء للإسلام وأن يكتب عبارات مسيئة ومهينة لدين الرجل - بغض النظر عن هويته - على جدول للصلاة. وإذا كانت وزارة العدل محقة، قد اتخذت الإجراءات القانونية بحق الضابط المسيء وأوقفته عن العمل، بانتظار النظر في قضيته واحتمال تقديمه إلى المحاكمة وتقديم دعوى جنائية ضده فإن هذا أمر مقدر لها، رغم أنه جزء من عملها. وإذا كانت مؤسساتنا العربية والإسلامية الأمريكية المعنية بالحقوق المدنية قد سارعت أيضًا إلى التنديد بهذا الاعتداء وهذه الإساءات، فهذا أمر أيضًا مقدر منها، ولكن الغريب في الأمر أن وزارة العدل وبصمت من قبل مؤسساتنا - سكتت عن المحور الأهم في الموضوع، والمتمثل في بعض الأدلة المسوقة ضد الرجل.
لقد قلت إنه من حق بل من واجب الأجهزة الأمنية المختصة أن تستجوب الرجل المعرفة مصدر الشيكات ووجهتها، ولكن في المقابل ليس من حقها أن تعتبر أية من القرآن الكريم مكتوبة باللغة الإنجليزية وجدت في جيب الرجل أو في منزله عند تفتيشه جزءًا من الأدلة ضده. هذا الخبر ليس من اختراعي، بل هو حقيقة مرة أشارت إليها صحيفة نيويورك تايمز في عددها الصادر في الخامس والعشرين من شهر يوليو الماضي في صفحتها الرابعة عشرة فحسب ما تنقله الصحيفة عن مساعد المدعي العام الأمريكي في ولاية ميتشيجان فإن من ضمن الأدلة المصادرة في قضية الشيشاني آية من القرآن الكريم وجدت معه مكتوبة باللغة الإنجليزية، هي ترجمة لقوله تعالى ﴿وَإِذَآ أَرَدنَآ أَن نُّهلِكَ قَرۡيَةً أَمَرنَا مُترفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيهَا ٱلقَولُ فَدَمَّرنَٰهَا تَدمِيرا﴾ (الإسراء: 16) وبشكل مثير للسخرية اعتبرت الآية تحريضًا على الاستشهاد أو الانتحار، أو القتل.
الأغرب أن مؤسساتنا لم تشر إلى الموضوع وانشغلت بعبارات الإساءة التي كتبها ضابط الأمن لدى تفتيش منزل الشيشاني على جدول للصلاة وهو الأمر الذي تكفلت قوانين وزارة العدل وأنظمتها الإجرائية في إصلاحه تلقائيًّا، في حين أن توسيع دائرة تعريف النشاط المشبوه أو غير المألوف لم يسترع الانتباه والشاهد في هذه القضية، أنه إذا كان رجال الأمن المدربين يعتبرون أية محمولة في الجيب أو معلقة على الحائط دليل إدانة، فما بالنا إذن بغير المدربين في ظل هذه الهستيريا الأمنية والإعلامية ضد الجالية الأمريكية العربية والمسلمة.
لدينا الآن مئات المعتقلين الذين لا نعرف عنهم شيئًا، لا من حيث أسماؤهم ولا أوضاعهم في السجون ولا حتى سبب اعتقالهم الأمر الوحيد الذي نعرفه أن أيًّا من هؤلاء المعتقلين لم توجه إليه أي تهمة في السجن على خلفية هجمات الحادي عشر من سبتمبر أيضًا نحن نعاني يومًا بعد. من زحف حكومي وإعلامي منظم على حقنا في التعبير وتبني الآراء التي تخصنا وفق قناعاتنا وكلنا يعرف أن عددًا من أبناء جاليتنا مستهدفون في الإعلام وبعضهم يكافح أمام المحاكم، لا لشيء إلا لأنهم عبروا عن قناعاتهم وفق التعديل الدستوري الأول الذي يضمن حرية التعبير لأي شخص، حتى ولو كان رأيه شاذا.
التسابق على القضايا السهلة ليس هو المطلوب الآن، وإن كان مهمًا في نطاق ضيق بحيث لا تشتت فيه الجهود وتضيع إننا نتلقى ضربات قاضية هنا وهناك المطلوب ببساطة ووضوح مؤسسة تحمل الأعباء الثقال.. مؤسسة تنسق مع مؤسسات المجتمع المدني الأمريكية الأخرى لحفظ أمريكا من خطر الانزلاق في منطق عسكرة المجتمع، وهي النقيصة التي تصم بها أمريكا أسماع العالم الثالث صباح مساء..