; عز الدين القسام: كلمة التاريخ وكلمة الأدب | مجلة المجتمع

العنوان عز الدين القسام: كلمة التاريخ وكلمة الأدب

الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1995

مشاهدات 86

نشر في العدد 1148

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 02-مايو-1995

·       الرجل الذي واجه جيش الإمبراطورية البريطانية بثمانية من رجاله

·       عز الدين القسام أرهب أعداءه حيًا ومازال اسمه يخلع قلوب الصهاينة

كتائب عزالدين القسام تهز الأرض.. إنها تضرب الضربات القاصمة هنا وهناك، والعمليات الاستشهادية تقض مضاجع إسرائيل، اعتقد أحد السياسيين الأجانب أن عزالدين القسام هو قائد هذه الكتائب الإرهابية، وسأل: لماذا لا تلقي «إسرائيل» بكل ثقلها للقبض على هذا الرجل «المرعب الرهيب»؟ فلما قيل له: «إنه قتل منذ ستين عامًا»، لاذ بالصمت، وعلى وجهه علامات الاستغراب وحمرة الخجل، فمن هو عزالدين القسام؟ وما أبعاد جهاده ومنطلقاته؟ وما مكانه في سجل الشعر والأدب؟

هو محمد عزالدين بن عبدالقادر القسام (1882- 1935) من أسرة كريمة في جبلة من أعمال اللاذقية، تعلم في الأزهر بمصر، والتقى بالشيخ محمد عبده، وتأثر به، واشتغل في بلده بالتعليم والوعظ، فلما احتل الفرنسيون ساحل سوريا سنة 1918م ثار ضدهم في جماعة من تلاميذه ومريديه، وطارده الفرنسيون فقصد دمشق، ثم غادرها سنة 1920م بعد استيلاء الفرنسيين عليها، وأقام في حيفا إمامًا لأحد المساجد ورئيسًا لجمعية الشبان المسلمين، وقد اتخذ من كل ذلك منطلقًا للدعوة إلى الجهاد، وكون أول جماعة فدائية للقتال ضد حكومة الانتداب واليهود، وفي 20 من نوفمبر سنة 1935م كان القسام هو وثمانية من رجاله في أحد الكهوف بجانب قرية «يعبد» غرب جنين، وحاصر البوليس الإنجليزي الكهف، ودعا القسام ورجاله إلى الاستسلام، ولكنه رفض، وأمر رجاله بالقتال إلى النهاية، وظل القتال ضاريًا لأربع ساعات متواصلة إلى أن استشهد هو وثلاثة من رجاله، وأسر الإنجليز الباقي(1).

مفتاح شخصيته

والذي يقرأ تاريخ الرجل يخرج بانطباع صادق يكشف لنا عن مفتاح شخصيته وهو «عشق الجهاد»، فالجهاد والتطلع إليه يقف عند مرحلة واحدة في حياته، بل إن الجهاد تطلعًا ونزوعًا وممارسة يستغرق أغلب حياته ابتداءً من شبابه وهو يطلب العلم، وانتهاءً باستشهاده سنة 1935م، ففي سنة 1912م حينما هاجم الإيطاليون ليبيا -وكان القسام آنذاك في سوريا- استطاع أن يجند 150 متطوعًا، وتجمعوا للذهاب إلى ليبيا للاشتراك في مقاومة الغزو الإيطالي، ولكن لم يُقدر لهذه المحاولة أن تنجح لعدم توفر وسيلة مواصلات(2).

وقاوم الاستعمار الفرنسي هو وبعض تلاميذه حين نزل بسوريا سنة 1918م، وفي سنة 1930م أنشأ جماعة سرية باسم «اليد السوداء»، كان هدفها الرئيسي قتل اليهود، وزرع الرعب في قلوبهم بوجه عام(3).

نموذج فريد

ومما سبق نستطيع أن نقرر أن المسلك الجهادي لعزالدين القسام لم يكن كالأنماط الحزبية التقليدية التي تعطي اهتمامها الأكبر للشخصيات المشهورة اللامعة مع التركيز على الجانب القومي.

كما خالف الاتجاه الشعبي التلقائي في الكفاح ومواجهة العدو الصهيوني والعدو الإنجليزي، فمنهج القسام الجهادي كان ذا ملامح جديدة تشد النظر ومن أهم هذه الملامح:

1.      أنه أفاد من تجاربه وتجارب غيره في النضال، فلم يعتمد على الشعارات، بل اتجه اتجاهًا عمليًا يعتمد على الكتمان دون إعلان.

2.      أنه ركز على أكبر فئة وقع عليها الظلم الإنجليزي والغدر اليهودي الصهيوني وهم الذين طردوا من أراضيهم واغتصبت جميع حقوقهم.

3.      أنه بإيمان حقيقي عميق استطاع أن يستثمر المشاعر الدينية لأصحابه، ويربط الجهاد دائمًا بالله، ولا شك أن الشعور الديني هو أقوى البواعث والدوافع للتضحية والفداء.

4.      أنه وهو السوري الجنسية قدم بنفسه المثل العملي والدليل الواقعي على أن قضية فلسطين لا تخص الفلسطينيين وحدهم، ولكنها قضية عربية، بل إسلامية في المقام الأول.

ولو قدر للقسام أن يعيش، وقدر لحركته الجهادية المحدودة أن تتسع معتمدة على الإيمان والنقاء -كما بدأت- لتغير مجرى التاريخ، لا أقول تاريخ فلسطين فحسب، ولكن تاريخ المنطقة كلها.

في سجل الشعر والأدب

ومضى القسام مثلًا أعلى للكفاح العملي السابق الذي يسترفد قوة الإيمان والتصميم والثبات، وكان نهجه السوي في الكفاح، وثباته الحازم واستشهاده البطولي منبعًا لا ينفد.. نهل منه الشعراء، فصاغوا شعرًا يمجد الشهادة والشهيد والبطولات الفذة، ويرون أن هذا هو النهج السديد لإحراز النصر، وتخليص الأرض، يقول عبدالرحيم محمود مخاطبًا العربي بعامة، والفلسطيني بخاصة:

قل لا وأتبعها الفَعَالَ ولا تَخَفْ                    وانظر هنالك كيف تُحنى الهام

اصهر بنارك غُلّ عنْقك ينصهر                    فعلى الجماجم تركز الأعلام

وأقم على الأشلاء صرحك إنما                     من فوقه تبنى العلا وتقام

واغصب حقوقك قط لا تستجدها            إن الألى سلبوا الحقوق لئام

هذي طريقك للحياة فلا تحد                       قد سارها من قبلك القسام(4)

أما الشاعر صادق عرنوس فيعطي صورة أكثر تفصيلًا للقسام، وطبيعته النفسية والخلقية ومنهجه في الحياة والجهاد ومعه عصبة بدرية، آثروا الموت العزيز على الحياة المهينة، يقول عرنوس في قصيدته:

من شاء فليأخذ عن القسام                        أنموذج الجندي في الإسلام

وليتخذه إذا أراد تخلصًا                                 من ذله الموروث خير إمام

ترك الكلام ورصفه لهواته                             وبضاعة الضعفاء محض كلام

ما كنت أعرفه، ولم أسمع به                       حتى تضوّع طيبه في الشام

لم يلهه عرض الحياة وإن حلا                      كلا ولم يشنف بنيل وسام

ما زال يعمل ساترًا مجهوده                           كالبدر مستترًا وراء غمام

حتى بدا في عصبة بدرية                                 تكشفت عن موترين كرام

قل للشهيد وصحبه أديتمُ                             حق الرسالة فاذهبوا بسلام (5)

ويمجد «أبو سلمى» القسام في داليته المشهورة «لهب القصيدة» التي نظمها سنة 1936م، ويحمل فيها حملة شعواء على ملوك العرب، ويحملهم مسؤولية النكبات التي حلت آنذاك بشعب فلسطين، ومنها قوله:

قوموا اسمعوا من كل ناحية يصيح دم الشهيد

قوموا انظروا القسامَ يُشرق نوره فوق الصرود

يوحي إلى الدنيا ومن فيها بأسرار الخلود (6)

ويرثي «أبو سلمى» الشهيد أبا خالد محمد صالح الحمد الذي استشهد سنة 1938م وكان واحدًا من رجال القسام ورفيقًا له في الكفاح المسلح فيقول عنه:

يمُتُّ إلى القسام بالنور والهدي                    ولما يزل فينا إمامًا وهاديًا (7)

وينظم أبو سلمى كذلك سنة 1936م -أي بعد استشهاد القسام بعام واحد- مسرحية شعرية بعنوان «الثورة».. وقد بعث بها مخطوطة لإبراهيم عبدالقادر المازني، فرد عليه برسالة يبدي فيها رأيه، ويقول فيها: «إن جملة ما يخرج به القارئ من المشاهد جميعًا لا يعطي فكرة كافية عن الثورة، ولا يرسم في ذهن المرء صورة تامة، لأنه ليس هناك إلا تصوير حادثة الشيخ القسام -وهي أوفى ما في الكتاب وأبرعه- ثم بضعة مشاهد للثورة لا تكفي ولا تغني، وأستثني ما يتعلق بالقسام...»(8).

وهذا يعني أن القسام كان يشغل حيزًا ضخمًا في ضمير الشعراء، وأنه كان أهم ملمح من ملامح الثورة الفلسطينية، وأصبح القسام وكفاحه موضوعًا لأعمال فنية روائية(9)، كما أصبح عنوانًا لدواوين شعرية كاملة مثل ديوان «رياح عزالدين القسام» لمحمد القيسي الذي نظم وصدر بعد استشهاد القسام بقرابة أربعين سنة، وأول قصائد الديوان وأجملها قصيدة «عزالدين القسام، جزء من حديث ذات ليلة بادرة»(10) وهي قصيدة ملحمية حوارية طويلة.

وبعد استشهاد القسام سنة 1935م، واستجابة الفلسطينيين لنداءات ملوك العرب في إنهاء الثورة وإنهاء الإضراب على أمل أن تغير حكومة الانتداب سياستها شكلت الحكومة الإنجليزية ما يسمى لجنة بيل للتحقيق فيما حدث، وأوصت اللجنة بتقسيم فلسطين، ورفع الفلسطينيون السلاح من جديد، وكان هناك شبه إجماع على رفض التقسيم(11).

وكان أهم حدث عالمي بعد ذلك هو قيام الحرب العالمية الثانية (1939- 1945) وقد انتهز اليهود سني هذه الحرب في تدريب رجالهم، وإعداد أنفسهم، متظاهرين بتأييدهم للحلفاء، وتعاطفهم معهم، بل الاشتراك الفعلي معهم في القتال ضد الألمان والإيطاليين، ثم وسعوا من نطاق جهودهم السياسية على المستوى العالمي، وخصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية.

مطلع الفجر

وتوالت الأحداث، ومن سفاح ولدت إسرائيل التي لم تتوقف أطماعها عند حد، وأصبحت كما قال الشاعر:

كالحوت لا يرويه شيء يطعمه                      يصبح ظمآن وفي الماء فمه

وأخذ اليهود يلتهمون الأرض والبيوت والمساجد، ويرتكبون المذابح في بيوت الله، ويسجلون من المخازي والمآسي ما يندى له جبين الإنسانية، ووراءهم سند ضخم من الصهيونية العالمية، والصليبية الحاقدة، والإلحادية المفضوحة، فضلًا عن الخيانات المتجسدة من أدعياء العروبة والإسلام والسلام، إلا أن المعتدين الغاشمين تنخلع قلوبهم، وترتعد فرائصهم، ويطير النوم من عيونهم إذا دوى في آذانهم اسم «عزالدين القسام» الذي لاقى ربه شهيدًا قبل ستين عامًا، وبهذا الاسم المبارك الشامخ الجليل تمضي كتائبه على دربه... لتطلع الفجر، ومعه النصر العظيم المبين الذي جاهد واستشهد من أجله.. يرحمه الله.

الهوامش:

1.      انظر الأعلام للزركلي 6/268 (ط4 بيروت 1979).

2.      ZIOINISM AND ARABISM p.59.

3.      IBID P.6363.

4.      دیوان عبدالرحيم محمود 143- بيروت 1974.

5.      مجلة الفتح العدد 474 من السنة العاشرة.

6.      ديوان أبي سلمى «الأعمال الكاملة» 23 (دار العودة - بیروت 1978).

7.      السابق 67.

8.      ناصر الدين الأسد: الشعر الحديث في فلسطين 217 بيروت 1987 ط24.

9.      مثل الرواية التاريخية التي كتبها «عاصم الجندي» بعنوان «عزالدين القسام» المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت- فبراير (1975م). كما قامت دائرة الإعلام والثقافة السورية ودولة قطر بإنتاج مسلسل تلفازي طويل عن عزالدين القسام يحكي قصة كفاحه من سنة 1922 إلى سنة 1935م، انظر مجلة فلسطين الثورة العدد 409 الإثنين 8/ 2/ 1982م.

10.  ديوان القيسي ص 63- 77 (بيروت 1976).

انظر تفصيل مشروع «لجنة بيل»، وموقف الفلسطينيين والعرب منه ص 714 وما بعدها من كتاب صبري الخولي: سياسة الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين، ومن عجب أن الملك عبدالله أمير شرق الأردن خرج على الإجماع العربي، وأعلن عدم اعتراضه على مشروع اقترحته لجنة بيل بحيث يتم تعيينه ملكًا على الدولة العربية الجديدة. (انظر السابق 710، وانظر كتاب «الحصاد المر» 104- 132 وانظر كذلك The palestine dlary p. 247-274).
الرابط المختصر :