العنوان عزم «ترهاقا» وإيمان العروبة
الكاتب يوسف فضل أحمد
تاريخ النشر الجمعة 01-أكتوبر-2004
مشاهدات 66
نشر في العدد 1620
نشر في الصفحة 41
الجمعة 01-أكتوبر-2004
التاسع من سبتمبر ٤٠٠٢ مولد الحريات الأربعة بين مصر والسودان «الانتقال- الإقامة – العمل – التملك»
لم يخطئ أمنمحات الأول في التخطيط لأبناء النيل ولم تلن عزيمة تهاركا «ترهاقا» وبعانخي فكانت «نبته» وكانت «كوش» وكانت «مروي».. وهكذا تتجدد الحياة في وادي النيل بشكل سرمدي يتمثل فيه معنى الحياة والقوة المتجذرة، وظل وادي النيل رمزا للحضارات عبر التاريخ وشريان حياة لشعوبه.
هذا الحوض الجذاب ارتبط عبر التاريخ بموقع جغرافي فريد بين البحر والبحر وبين الغابة والصحراء شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا أحاطت به الأساطيل البحرية ودخلته القوى الدخيلة طمعًا فيما انطوى عليه من خيرات في سطح الأرض وتحتها، ولكنه ظل صامدًا قويا يفيض عامًا بعد عام، ويفيضه يفيض الأمل وتتفتق القرائح بمولود جديد كل يوم لإثراء الإشعاع الحضاري فكرًا وابتكارًا.
في التاسع من سبتمبر ٢٠٠٤م تفتحت ورود النيل لتفوح منها معاني الحرية، حرية الحركة والاستقرار والعمل والطمأنينة، ولكي
تمتزج بالمصالح الحيوية الاستراتيجية، والارتباطات الثقافية والحضارية والأسرية والتميز بالخصوصية في الماضي والحاضر والمستقيل وتبعث الأمل والطمأنينة والأمان على المصير المشترك وتفتح شريان الحياة صوب حياة جديدة تستوعب مظاهر الزمن وتطفئ جمرات نيران الفتن.
إن التطبيق العملي لهذه الحريات يشكل ضمانة لخدمة المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لمصر والسودان خاصة تلك المتعلقة بأمن البلدين ومصير شعبيهما ومواجهة النمو السكاني فيهما، والوفاء بما تتطلبه حياة هؤلاء السكان، وتحقيق التكامل المنشود والتكيف مع النظام العالمي الجديد وتحدياته، والتصدي للتقلبات الظرفية التي ظلت تعصف بتطلعات الشعبين الشقيقين في شمال الوادي وجنوبه، ومن جهة أخرى فإن هذه الخطوة من شأنها أن تلعب دورًا مهمًا في تحقيق الأمن والاستقرار في البلدين وتفتح الأبواب أمام التعاون الإقليمي المنشود في المنطقة عامة ودول حوض النيل بصفة خاصة، وهي كذلك تزيح عن كاهل البلدين أعباء استراتيجيات ظلت تهدد أمنهما المباشر فضلًا عن وحدة التراب السوداني بالنظر للمهددات الخارجية التي ظل يواجهها منذ وقت طويل.
أن العوامل الحضارية والتاريخية والثقافية من أهم مصادر القوة الناعمة للبلدين، ولعل هذا الأثر ظل يشكل منذ آلاف السنين عبر العهد الفرعوني وما بعده عنصرًا ملموسًا وبضعفه تضعف هذه القوة مما يؤدي إلى فجوة ليس من السهل سدها في مدى زمني قصير، وإن تنفيذ الحريات الأربعة يعطي الدولتين فرصة تلافي مثل هذا الخلل الاستراتيجي في التخطيط للتكامل الذي يتطلع إليه الشعبان في السودان ومصر بصورة تلقائية وطبيعية تنساب كانسياب مياه النيل العذبة وريد حياتهما وشريانها.
إن أضعف حلقات التعاون بين مصر والسودان وأخطرها هي النافذة التي يمكن أن تطل منها قوى أجنبية ذات مصلحة في دق إسفين للتفرقة بينهما لإضعافهما وفرض الضغوط وإملاء الشروط عليهما، واستغلال مواردهما وتحقيق استراتيجيات لا تخدم مصالحهما ومصالح المنطقة، لذا فإن هذه المشاعر التكاملية بتطبيق الحريات الأربعة تبعد شيخ التدخل والمطامع الخارجية في البلدين.
إن قوة التعاون المصري السوداني تكمن في العامل البشرى إلى حد كبير، حيث إن عدد السكان في البلدين يقدر في الوقت الحالي بحوالي مائة مليون نسمة، وهي تتزايد بصفة مضطردة في المستقبل مما يشكل سوقًا تجارية لا يستهان بها مضافة إلى القوة البشرية في الدول المجاورة لهما من إفريقية وعربية وأوروبية عبر البحر الأبيض المتوسط، وبالنظر إلى المتغيرات الدولية الجديدة وحرية حركة السلع والبضائع ورأس المال، فإن من شأن مصر والسودان أن تحصلا على امتيازات أكبر بعد التكامل، فضلًا عن زيادة مشاركتهما في التجارة العالمية الخاصة بعد الاكتشافات النفطية فيهما، كما أن البعد العربي يعطيهما دعمًا معنويًا ومظهرًا من مظاهر القوة بالنظر لما تتمتع به الدول العربية من ثقل إقليمي سياسي واقتصادي ويضاعف كثافتهما السكانية، علاوة على حقهما في الحصول على دعم الجامعة العربية في حال أية أخطار تواجههما.
إن حرية حركة الأفراد تتطلب كذلك حرية حركة رأس المال والبضائع والمواصلات والاتصالات والصناعات والفنون والآداب والحرف، كما تتطلب توحيد القوانين واللوائح والإجراءات الإدارية التي يمكن أن تعيق تنفيذ هذه الحريات.
وببسط الحريات الأربعة، فإن مشروع التكامل المصري السوداني إذا ما بلغ مداه فيما خطط له على الصعيد الزراعي والاقتصادي والتجاري والاجتماعي والثقافي، فسوف يشكل ركيزة صلبة للانطلاق على الصعيدين العربي والافريقي من حيث إن الدولتين مؤهلتان للسير قدمًا في هذا الاتجاه في ظل الظروف الراهنة التي تمران بها نظرًا للارتباطات التاريخية والمستقبلية وموقعهما الجغرافي وبعدهما الأمني والاستراتيجي، فضلًا عن أن الدولتين تشكلان رابطًا قويًا بين الدول العربية والأفريقية ودول حوض البحر الأبيض المتوسط، ويمكن الاستفادة من هذه الميزة لتعزيز التعاون بين هذه الأقاليم وتوظيفها للاستقرار والتعايش السلمي.
وهكذا يرتبط الماضي بالحاضر ويتجدد عزم «ترهاقا» وإيمان العروبة في التاسع من سبتمبر ٢٠٠٤، وهي خطوة تاريخية تستحق الوقفة والتأمل، وتوقظ مشاعر الأمل في المستقبل.