; عرفات ليس مانديلا! | مجلة المجتمع

العنوان عرفات ليس مانديلا!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1993

مشاهدات 66

نشر في العدد 1067

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 21-سبتمبر-1993

قد يحتاج الإنسان إلى مفاتيح وعلامات يفهم بها الواقع، ويستبين بها الطريق، وواقعنا المؤلم سواء في فلسطين أم في غيرها يحتاج إلى التعرف على بينات الحلول الناجعة ومفاتيح الأزمات الطاحنة، حتى يستبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، فمما يجب أن يعرف:

1.      طرق الكفاح دائمًا تحتاج إلى نفوس قوية، وقلوب فتية، وعزائم جد، وعهود صدق، ورجال مبادئ، وجند شداد ومواكب تضحية، يسلم بعضها إلى بعض﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الأحزاب:٢٣).

2.      إيمان بعدالة قضية وحق أمة، وتحديد هدف ووحدة معين يتحقق من وراء ذلك صيانة العرض وحفظ الوطن وحرية المعتقد، وكرامة النفس واستقلال القرار وصيانة الشخصية الثقافية والحضارية.

3.      مساندة شعب أو عصبة بشرية مؤمنة بحقها مضحية في سبيله بالنفس والنفيس عاملة على رفعته وسؤدده وتقدمه، متحدة ملتزمة.

4.      قيادة حازمة مؤتمنة، لا تخون ولا تحول، تستطيع قيادة الصراع وجمع الأمة على كلمة سواء وفهم الوضع العالمي والمحلى واستطاعة التعامل معه بكفاءة واقتدار وتحويل مساره إلى المساندة للقضية.

5.      قدرة على التحمل كبيرة، وقوة في البأساء والضراء عظيمة، وصبر ومصابرة ورباط حتى يتحقق الفلاح والنجاح.

هذه أسس كل كفاح وعمد كل نضال، وهذا هو طريق كل دعوة إلى حق يراد لها أن تنتصر وتفوز تقاس بها الشعوب وتختبر بها الأمم وتوزن بها القادة، وتربى عليها الجند، ويدرب عليها الرواد الذين يراد منهم بلوغ الآمال المعقودة، ويعلق عليهم تحقيق الأهداف المنشودة، أما أن تسير الشعوب بعواطف دخانية، وأحلام منامية، أو تتحرك بأفكار هلامية، وصيحات غوغائية، تتوزعها شهوات ونعرات وصيحات هنا وهناك، ويحمل آمالها النفعيون والوصوليون والمهرجون ويقودها بهلوانات مغرورة، وأراجوزات مسحورة، فهذه داهية الدواهي التي لا يرجى من ورائها إلا الشر والضياع.

وأمامنا التاريخ شاهد صدق على ذلك، فليس هناك أمة من الأمم نالت ما أرادت بغير هذه المفاتيح سواء كانت تلك الأمة كافرة أو مؤمنة، فإنها سنن لا تتخلف وقواعد لا تتبدل ولن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلًا، ولا غرابة اليوم ولا دهشة الآن حينما نجد أن من يسمون بقادة الكفاح الفلسطيني يتساقطون صرعى الاستسلام والخزي والعار بعد أن أضاعوا الآمال والأحلام والأوطان والحق والجهد والدماء والشهداء والكفاح الطويل وأسلموا الأمة إلى الهوان والعار، لأن المسيرة كانت ملفوفة بالتهميش والهلامية وتحمل في طياتها بذور الأوهام والشهوات وحب الذات، وتبتعد عن التأسيس والتربية والتضحية والأهداف المدروسة التي تؤدى إلى نتائج مخططة، بل كانت بعكس ذلك تسير في حركة عكسية نحو الانحدار والانزلاق إلى الهاوية، ولنضرب مثلًا على ذلك استراتيجية الزمن التي انطلقت لتقر في النفوس أن الزمن في صالح الأمة العربية وليس في صالح إسرائيل، ولم تفهم المقولة على وجهها الصحيح، لأن الزمن يكون في صالحنا إذا كنا نريد أن نربي الرجال ونعد العدة ونجمع الطاقات ونستفيد من خاماتنا البشرية والمادية والنفطية، أما إذا كان كل ذلك مهدرًا ومضيعًا وعكس ذلك عند أعدائنا، فإن الزمن لا يكون في صالحنا، ولهذا وجدنا من يتحسر على الفرص الضائعة، سنة ١٩٣٦م، سنة ١٩٤٦م. وموافقة هيئة الأمم المتحدة على تقسيم فلسطين وإعطاء اليهود ٣٠٪ والفلسطينيين ٧٠٪ ورفض العرب ذلك، وقام كفاح المتطوعين وكادت الحرب أن تؤتي أكلها وتفوز، ولكنها ضربت من الداخل والخارج ودخلت الجيوش العربية لتختتم المأساة وضاعت فلسطين ولم يبق فيها إلا الضفة والقطاع وجاءت حرب ١٩٦٧م وضاعت الضفة والقطاع وسيناء والجولان ونكب الجميع، ولابد أن ينكبوا، وبقيت الأنظمة والمنظمات كما هي بغير استفادة من الدروس والعبر ولا يؤبه لها ولا يلتفت إليها، إلى أن قامت منظمات إسلامية وبرزت أطفال الحجارة وعلت سواعد متوضئة لتمسك بالمدفع وتكيل الصاع صاعين، فارتجف العدو والتفت إلى القيادات اللاهثة وراء الفتات، وإلى اللعاب السائل وراء المناصب فرات فيهم بغيتها، فركبتهم لإنهاء القضية العادلة، وإسكات المدفع المكبر والقذائف المسبحة، لأن هؤلاء هم أبطال التحرير وقادة الفتح وهذا شيء بدهي وطريق معروف في التاريخ القديم والحديث. ولقد كتب المفكر الإنجليزي أورى ديفيس، في هذا فارقًا بين مثلين معاشين تحت عنوان «عرفات ليس مانديلا»، لقد كان صمود مانديلا وصمود جماهير جنوب إفريقيا سببًا أدى إلى إطلاق سراح مانديلا بعد سجنه ٢٧ عامًا، كما أسفر عن إلغاء الحظر عن المؤتمر الوطني الإفريقي وجناحه العسكري المسلح كما أدى إلى هدم الكيان العنصري وإبراز الانتخابات القيام الدولة الإفريقية، ولم يقبل إيقاف الكفاح المسلح أو إبداء أي تنازل إلا بعد التحرير وإعطاء الحقوق هذا هو مانديلا غير المسلم!! فأين مانديلا فلسطين؟! وهل يسمح بائع فلسطين بظهور مانديلا مسلم؟ ولا نقول صلاح الدين لأن صلاح الدين قادم ولن يستسمح أحدًا!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل