العنوان عرض لانحرافات أخرى اعتقدها الإصلاحيون (حلقة 29)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1976
مشاهدات 75
نشر في العدد 287
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 17-فبراير-1976
• أنكروا نزول المسيح عليه السلام وانشقاق القمر في عهد رسول الله
• آمنوا بوحدة الوجود.. وصدقوا خرافة تحضير الأرواح
قال الإصلاحيون كلامًا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسبقوا إليه، ولم يحمدوا عليه.
لمز بعضهم في الحديث عامة، وبعضهم أهدر مفعوله بين التواتر والآحاد، وسهل عليهم أن ينكروا تواتر أي حديث أرادوا، وحاموا جميعًا حول فكرة الاعتماد على القرآن وحده، وهم يعلمون جيدًا مخاطر هذا التصور، وجوزوا لأنفسهم أن يئولوا القرآن تأويلًا يبعده عن حقيقة معناه، ويخالف الصورة التي فهمه بها رجال خير القرون رضوان الله عليهم.
وأعطى الإصلاحيون أنفسهم «فيتو العقل».. فبه يرفضون معنى الآية أو الحديث بحجة تعارض العقل مع النقل، ويقدم العقل عند التعارض لأنه أصل النقل- كما يدعون.
ووفق هذا المنهج الجائر وقع الإصلاحيون بأخطاء غير التي سبق لنا أن تحدثنا عنها، وهذه نماذج منها:
إنكارهم لنزول المسيح عليه السلام:
قال الشيخ محمد عبده في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (آل عمران: 55).
بعد أن استعرض أقوال العلماء في نزول المسيح عليه السلام، رجح عدم نزوله، ونزوله وحكمه في الأرض بغلبة روحه وسر رسالته على الناس.
والرفع: هو رفع الروح بعد وفاته العادية.
وأضاف قائلًا:
«فإذا سأل سائل عن المسيخ الدجال وقتل عيسى له؟ فالجواب أن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها وحكمها، وأن القرآن أعظم هاد إلى هذه الحكم والأسرار، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم مبينة لذلك، فلا حاجة للبشر إلى إصلاح وراء الرجوع إلى ذلك».
ونحا الشيخ محمود شلتوت منحى محمد عبده فأنكر نزول المسيح عليه السلام وقال: «إنه لا محل له بعد سقوط رفعه حيًّا».
وعن رفعه قال: رفع روحه بعد وفاته. مع أن نزول المسيح عليه السلام أشار إليه القرآن في موضعين، وورد في الصحيحين، وتتبعه بعض العلماء فأثبت أن هناك سبعين حديثًا صحيحًا على نزول المسيح عليه السلام فهو من المتواتر.
ويلتقي محمد عبده وشلتوت مع القاديانية في هذا الجانب الذين لا يؤمنون بنزول المسيح كذلك.
انشقاق القمر:
ومعجزة انشقاق القمر التي أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وتحدى بها مشركي مكة، ينكرها رشيد رضا ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ (القمر: 1، 2).
اقتربت الساعة وظهر الحق، ثم أتى لتأويله بدليل من «لسان العرب» وهو قوله: انشق الصبح وشق الصبح إذا طلع.
ولماذا هذا التأويل الذي لا تقوم به حجة، وانشقاق القمر أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والحاكم والبيهقي، عن علي وابن مسعود وحذيفة وجبير بن مطعم وابن عمر وابن عباس وأنس.
ولذا قال ابن عبد البر: «روى حديث انشقاق القمر جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير إلى أن انتهى إلينا وتأكد بالآية الكريمة». وقال المناوي في شرحه لألفية السير العراقي: «تواترت بانشقاق القمر الأحاديث الحسان كما حققه التاج السبكي وغيره».
الملائكة والجن والشياطين:
يرى الشيخ محمد عبده أن الملائكة هي نوازع الخير في أنفسنا، والشياطين نوازع الشر.. وفي هذا يقول:
«يشعر كل من فكر في نفسه ووازن بين خواطره عندما يهم بأمر فيه وجه للحق أو للخير، ووجه للباطل أو للشر، بأن في نفسه تنازعًا كأن الأمر قد عرض فيها على مجلس شورى، فهذا يورد وذاك يدفع، وأحد يقول: افعل، وآخر يقول: لا تفعل، حتى ينتصر أحد الطرفين، ويترجح أحد الخاطرين، فهذا الشيء الذي أودع في أنفسنا ونسميه قوة وفكرًا، وهو في الحقيقة معنى لا يدرك كنهه، وروح لا نكتنه حقيقتها، لا يبعد أن يسميه الله ملكًا، أو يسمى أسبابه ملائكة، أو ما شاء من الأسماء، فإن التسمية لا حجر فيها على الناس، فكيف يحجر فيها على صاحب الإرادة المطلقة والسلطان النافذ والعلم الواسع؟!».
ويبدو أن رشيد رضا أدرك الشطط الذي وقع به شیخه، فحاول أن يلطف من قصده ويشنع على خصومه فقال:
«فالأستاذ الإمام يقول: إن التسمية وحدها لا تعطي أحدًا علم الحقيقة، وأن من فهم الحقيقة لا يحجبها عنه اختلاف التسمية، وأراد بهذا أن يحتج على الماديين ويقنعهم بصحة ما جاء به الوحي من طريق علمهم المسلم عندهم، كما صرح به فيما مر في صفحة «268 تفسير المنار» فأنكره عليه عباد الألفاظ وهم لا يعقلون مراده».
ونقل الشيخ مصطفى صبري في كتابه «القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون» عن الشيخ محمود شلتوت أنه قال في مسألة وجود الشيطان: «وأن القرآن جاري فيه عقيدة العرب الجاهليين»، وفي تفسيره كلما مر على ذكر الشيطان قال: إنه الوسواس ونوازع الشر، دون أن يعترف بأنه والجن والملائكة أجسام مع أن القرآن وضح ذلك في مواضع كثيرة؛ ومنها:
﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (الحاقة: 17).
﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (الزمر: 75).
﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (الأعراف: 27).
إنكار السحر:
ينكر الشيخ محمد عبده أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد سحر، سحره لبيد بن الأعصم، ويقلده طلابه بإنكار هذه الحادثة حتى أن هيكل يقول عنها:
«وهي قصة اضطربت فيها الروايات اضطرابًا شديدًا يؤيد رأي القائل بأنها محض اختراع لا شيء فيها من الحق».
ويستطرد محمد عبده كعادته فينكر السحر بالمرة، ولكن بأسلوبه المعروف فيقول:
«على أن نافي السحر بالمرة لا يجوز أن يعد مبتدعًا». ويقول: معنى السحر الذي ورد في القرآن فيقول: لغة معناه: صرف الشيء عن حقيقته.
فأنی تسحرون: أي أنى تؤفكون وتصرفون. وسحر فرعون كان ضربًا من الحيلة. انتهى كلامه.
وسحر لبيد بن الأعصم لرسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح رواه الشيخان البخاري ومسلم، وليس لدي متسع لرد الأدلة العقلية التي ضعف هيكل وشيخه فيها الرواية لا سيما بعد إثبات صحة الواقعة نقلًا، ولا داعي لتأويل السحر بعد أن ذكره الله في القرآن في أكثر من موضع، وهو لا يضر بذاته بل بقدرة الله سبحانه وتعالى وإرادته.
اعتقادهم بصحة تحضير الأرواح:
يقول الشيخ محمد مصطفى المراغي في شهادة التوثيق التي منحها لهيكل في مقدمة «حياة محمد»:
«وعلم استحضار الأرواح فسر للناس شيئًا كثيرًا مما كانوا فيه يختلفون، وأعان على فهم تجرد الروح وإمكان انفصالها، وفهم ما تستطيعه من السرعة في طي الأبعاد، وقد انتفع الدكتور هيكل بشيء من هذا في تقريب قصة الإسراء فأتى بشيء طريف».
ويقول هيكل: «وأحسبك لو سألت الذين يقولون بالإسراء بالروح في هذا لما رأوا فيه عجبًا بعد الذي عرف العلم في وقتنا الحاضر من إمكان التنويم المغناطيسي للتحدث عن أشياء واقعة في جهات نائية».
وحدة الوجود:
لا يكتفي هيكل باعتقاده بخرافة تحضير الأرواح وحشرها في قصة الإسراء والمعراج، بل يصرح بإيمانه بوحدة الوجود، وأن الوجود كله تمثل برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سدرة المنتهى:
«ففي الإسراء والمعراج في حياة محمد الروحية معنى سام غاية السمو. معنى أكبر من هذا الذي يصورون، والذي قد يشوب بعضه من خيال المتكلمة الخصب حظ غير قليل. فهذا الروح القوي قد اجتمعت فيه في ساعة الإسراء والمعراج وحدة هذا الوجود بالغة غاية كمالها. لم يقف أمام ذهن محمد وروحه في تلك الساعة حجاب من الزمان أو المكان أو غيرهما من الحجب التي تجعل حكمنا نحن في الحياة نسبيًّا محدودًا بحدود قوانا المحسة والمدبرة، والعاقلة.
تداعت في هذه الساعة كل الحدود أمام بصيرة محمد، واجتمع الكون كله في روحه، فوعاه منذ أزله إلى أبده، وصوره في تطور وحدته إلى الكمال عن طريق الخير والفضل والجمال والحق في مغالبتها وتغلبها على الشر والنقص والقبح والباطل بفضل من الله ومغفرة».
ثم أردف قائلًا: فمحمد أدرك وحدة الكون والوجود، وانعدمت أمامه نهائية المكان.
وفكرة وحدة الوجود من مخلفات المذاهب القديمة جاء بها غلاة المتصوفة، وحقيقة هذه الفكرة أن المعتقدين بها لا يؤمنون بخالق ومخلوق فكل الموجودات موجود واحد هو الله، والذين نادوا بها ملاحدة أقحاح تصدى لتكفيرهم علماء الأمة الإسلامية في أي عصر راجت فيه الفكرة الدخيلة.
ولست أدري لماذا حشر هيكل وحدة الوجود بقصة الإسراء والمعراج؟ ولا أريد أن أصدر حكما على هيكل لأنه يعتقد بوحدة الوجود، فلعله إن شاء الله لا يفهم وحدة الوجود على حقيقتها كما نادى بها ابن عربي، لأن من يؤمن بها لا يرى حاجة للإسراء والمعراج.
تجريح بالصحابة:
وإذا كان الإصلاحيون قد فعلوا الأفاعيل إرضاء للمستشرقين أفلا يرضونهم لمز وغمز كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فالخضري في محاضراته إذا ذكر أمرا قال : وكان موضع اختلاف بين الأجلاء من علماء المستشرقين.
وهل هناك أجلاء من علماء المستشرقين؟!
ورشید رضا يذوب حياء وخجلا من صديقه وزميله - كما يقول هو جورجي زيدان لأن شبلي النعماني مؤسس ندوة العلماء بلكنو (الهند) كان شديدا في رده على تاريخ التمدن الإسلامي.
وقال الخضري في محاضراته عن بعض الصحابة ماقاله الأجلاء من المستشرقين:
في المحاضرة الثامنة عشرة قال إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يرى نفسه أحق بالخلافة نفسه من سواه، ولما لم يكن له مساعد يساعده على نيل الحق الذي رآه لنفسه أذعن لرأي الجمهور، أليس من سوء أدب الخضري مع الصحابة أن يصف عليًا بالأذعان، بل إن المجادلة غير صحيحة، وعند انتقال الخلافة إلى علي رضي الله عنه يقول لم يبايعه إلا الثوار وبعض أهل المدينة.
وعن عمار بن ياسر يورد رواية باطلة ساقها الطبري مفادها أن أهل الكوفة شكوا عمارًا لعمر فاختبره عمر فلم يحسن الإجابة فعزله.
ويعود إلى لمز علي رضي الله عنه فيزعم أنه خرج من المدينة عند حصار عثمان، وأن مراسلات جرت بين عثمان وعلي في مده الحصار.
ويناقش الروايات المكذوبة في موقعة الجمل كما لو كانت صحيحة ودون اعتبار لصحبة أعلام الصحابة، فها هو يقول لا يمكننا أن نبرر عمل الفريقين المتحاربين من كل الوجوه، فيلوم طلحة والزبير وعائشة، ثم يلوم عليًا الذي ليس عنده أناة وأنه قد استعان بالسبئية قتلة عثمان.
وكان جدير به أن يقف من الصحابة وقفة أدب وعلم، ويحقق في كل رواية ساقها بحقهم واضعا في عين الاعتبار كفر المستشرقين وجهلهم بتاريخ المسلمين.
ثناء محمد عبده على البهائية:
البهائيون الذين يدعون نسخ الإسلام، وتوحيد الأديان، وتعطيل الجهاد، وإنكار نزول المسيح، ثم أنكروا اسماء الله وصفاته وإعجاز القرآن والمعجزات المحمدية. هؤلاء الملاحدة أثنى عليهم محمد عبده، وأشاد بميرزا فضل الله الجوزهاني داعية البهائية في عكا، وكان رشيد رضا قد أعطى الأستاذ محمد عبده رسالة بخط ميرزا فيها بیان مذهبهم فقراها الإمام واستحسنها، وشكر للبهائية سعيهم لتقريب الأديان.
ونحن نجتهد أن نبحث عن عذر محمد عبده في أنه كان يجهل حقيقة البهائية، ولكن محمد عبده الذكي المطلع الذي يعرف واقع عصره، وقد سلمه رشيد رضا رسالة عنهم كما يقول الأستاذ محمد عمارة محقق كتاب الأعمال الكاملة، ثم إن الشيخ محمد عبده كان قد أقام علاقات بعباس نجل «البهاء» ومنظم الدعوة البهائية عندما كان ببيروت، وكان عباس يداوم على مجالسة محمد عبده و حضور دروسه وظل يراسله بعد عودته إلى مصر، أفبعد كل هذه العلاقات هل يجهل محمد عبده حقيقة البهائية؟ ثم هناك بعض القواسم المشتركة بين دعوة الشيخ محمد عبده والبهائية منها:
توحيد الأديان - إنکار نزول المسيح - إنكار المعجزات.
وعندما بين رشيد رضا بعض انحرافات البهائية إجابه محمد عبده:
أنا لم أفهم عباس أفندي شيئًا من هذا (8).
وبعد هذا السرد عن دعوة الشيخ محمد عبده لم يعد هناك من قيمة لإنكارنا عليه أنه أفتي بأكل لحم الحيوان الذي يضرب على رأسه بالبلطة حتى تضعف مقاومته، ثم يذبح قبل أن يموت، بدون تسمية الله عليه، ولا فتواه بجواز لبس البرنيطة.
لم يعد لهذه الفتاوى من قيمة أمام ما ذكرنا من شطحات تركت أثرًا سيئًا في تصورات من سار علي نهج الإصلاحيين، وهم خلق كثير يحسبون أن الشيخ محمد عبده مجتهد ومجدد ومصلح.
المصادر
- الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده : 38/5.
- القول الفصل: للشيخ مصطفي صبري الذي رد على مقالة كتبها شلتوت في مجلة الرسالة العدد: 462.
- المصدر السابق: 163 – 614.
- الأعمال الكاملة: 4/143.
- حياة محمد: محمد حسين هيكل 403.
- الأعمال الكاملة: 5/569.
- حياة محمد: محمد حسين هيكل: 207 – 208.
- الأعمال الكاملة: 3/534.
- تحذير العبقري من محاضرات الخضري للشيخ محمد العربي التباني.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل
نشر في العدد 233
75
الثلاثاء 21-يناير-1975