العنوان عرس .. تحت المجهر!
الكاتب عبدالمطلب السح
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1997
مشاهدات 231
نشر في العدد 1250
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 20-مايو-1997
أينما نجول بأبصارنا وحيثما نذهب بعقولنا نتبصر ونتأمل في هذا الكون البديع لا نرى إلا آيات معجزات.
في رحلة اليوم نركب قطار العلم متوكلين على الله سبحانه في مشوار مجهري الأبعاد يقودنا لمحطات نتعرف فيها على بعض أسرار أنفسنا، نزهتنا هذه تحاول إماطة اللثام عن خبايا لا تعدو أن تكون أكثر من قطرات من بين بحار ومحيطات من الألغاز البديعة والحقائق الساطعة: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ (فصلت: 53) فإلى نقطة البدء أيها المسافر فالرحلة قد بدأت:
المحطة الأولى: البيضة.. العروس المصون
تولد أنثى البشر وفي جعبتها «مبيضاها» من البيوض ما بين «۷۰۰» ألف إلى «٥» ملايين بيضة، وعند البلوغ لا يبقى من هذه البيوض إلا «٤٠٠» ألف واحدة، ومن هذه ينضج فقط «٥٠٠» بيضة، وفي سن اليأس يجف النبع وتنضب بيوضه، فما هي البيضة؟
إنها العروس تنتظر فارس أحلامها في كل دورة مبيضية يبدأ بالنمو «۱۰۰» بيضة ودورات المبيض شهرية ولكن بيضة واحدة منها فقط ستصبح العروس الحلم، والباقي ينكمش ويندثر يحتضن هذه المدللة حضن أمها الدافئ «الجراب» الذي يستقر في المبيض، والمبيض مستودع وهو منجب البيوض.
البيضة تخبئ مادتها النووية «الصبغيات» في نواة لها غشاء يقع في القلب من البيضة ويحيط بهذا المركز مادة هيولية تحتوي العديد من البنى والمواد وتجري فيها ملايين الأحداث ولهذه المادة الهيولية غشاء يغلفالخلية ككل.
طريق الزفاف
تودع البيضة بيت أهلها «الجراب» وعشيرتها «المبيض» وهي متدثرة بلحافها «المنطقة الشفافة» محاطة بصفوف كثيرة من المبتهجات فرحًا بها. وبخدمتها الخلايا الجرابية.
وحالما تطل البيضة من باب المبيض تتلقفها أيد أمينة «أهداب المجل» ويتم البزوغ بغضون دقيقة أو أكثر، وأما المجل فهو أوسع منطقة من بوق الرحم، وهو قريب جدًا من المبيض وبه يتم الإخصاب «التلقيح»، إن هذا المجل يتلقى إشارات خاصة تدل على مكان بزوغ البيضة ولذلك تتمركز أياديه «أهدابه» الكثيرة جدًا، هذه المنطقة بحيث يمكنها التقاط البيضة لحظة خروجها، إن لهذه الأهداب غشاء مخاطيًا فيه الكثير من الطيات الرقيقة وكلها تتحرك فوق سطح المبيض جيئة وذهابًا تتحسس المكان الذي ستدلف منه العروس.
وصلت العروس إلى المجل وطريقها الآن هو البوق، والبوق نفق طويل آمن ولكنه لا يخلو من الصعاب التي يجتازها الموكب، وهو يساعد الركببتقلصات جداره العضلي وارتخاءاته استجابة لطلب أم العروس «ما تبقى من الجراب»، ويصل الركب سالمًا إلى بيت الأمان وعش الوئام «الرحم» الذي يكون في أبهى حلله وقد سمك جداره وازداد تموينه «أوعيته الدموية» واكتسى برداء قرمزي لكثرة دمه ليمنح العروس القادمة الدفء والغذاء والمأوى الذي تستحق.
مسير مدهش يدوم أيامًا وفيه الجوهرة «البيضة» أميرة حقًا تلك البيضة، فيها من الصبغيات ثلاث وعشرون، فهي نصف خلية من حيث كمية صبغياتها
ولكن لها من الطاقات والمفعول ما يفوق ذلك بكثير، لا يهنأ لهذه الحسناء بال ولا يستقر لها حال حتى تكمل العدد لـ «٤٦» وأني لها هذا قبل أن تنعم بوصال العريس «النطفة»، تنتظر البيضة نصيبها على أحر من الجمر حيث إنها تبقى قابلة للإلقاح لمدة «٢٤» ساعة بعد الإباضة.
وأتت الدورة الشهرية
قد لا يأتي شريك العمر «النطفة» فتحزن البيضة ويذبل عودها وتذوي نضارتها وتخلع ألبسة الفرح ويسيل دمع صحبها دمًا، يجري وتكون الدورةالشهرية التي تحوي فيما تحوي تلك العذراء البائسة اليائسة، ويرافق كل ذلك تبدلات هرمونية واستقلابية وعصبية وكيميائية تشمل البدن كله وعلىالأخص العش المنكوب «الرحم» الذي خسر زينته وذهب ما قدمه سدى، فيبدأ ترمیم نفسه منتظرًا عروسًا أخرى أسعد حظًا.
أما إن ابتسمت الحياة للعروس وأتاها الشريك المنتظر فللأمر حديث آخر يطيب لنا أن نتأمله في محطتنا الثالثة إن شاء الله.
ونعود لأم البيضة «الجراب» التي تراقب الأمور عن كثب، فإن ذوت الابنة «البيضة» ذاب قلب الأم عليها وضمر الجراب واندثر من بعد اليوم التاسع، وإن تلقحت البيضة وترعرعت هللت لها أمها فرحًا وتحولت لأم تتفجر حيوية ونشاطًا «الجسم الأصفر» وزودت الجسم بما يساعد عزيزتها على البقاء فترسل هرمون البروجسترون الذي يساهم مع الإستروجينات بتجهيز الرحم لانغراس البيضة الملقحة التي تتطور والتيأصبحت تدعى الكيسة أو «العلقة» ويبقى الجسم الأصفر «الأم» يقوم بهذه المهمة شهورًا تصل لأربعة عندما تصبح الأم الجديدة «المشيمة» قادرة على إعطاء البروجسترون بشكل كاف لحفظ الحمل، إن الأم التي ذكرناها ترسل البروجسترون أيضًا لغدة النخامي وذلك كي تخبرهابوجود الحمل وبالتالي لإيقاف الدورات الشهرية، انظر لحماية الأم لطفلتها، إنها الغريزة التي حباهن الله بها سواء كن بشرًا أم خلايا منالبشر أم أجزاء من هذه الخلايا، إن إزالة هذه الأم من المبيض قبل الشهر الرابع من الحمل يقود للإجهاض لا سمح الله ولا أملك إلا أنأقول سبحان الله مبدع هذه الأسرار وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ (الزخرف: 48).
المحطة الثانية: النطفة.. سباق الملايين
سباق ماراثوني يخوضه ما بين «۲۰۰ ٥۰۰۰» مليون من العرسان المحتملين «النطاف» والذين يقذف بهم الذكر في أتون المعركة ترافقهم مواد عديدة تسهل الرحلة الطويلة.
بعد أن يحصل القذف يبدأ التنافس المحموم باتجاه قصر الملكة الذي لا يمكن الوصول إليه إلا باختراق العديد من الحواجز والمصاعب، فجبهةالوصول مريرة وشاقة وتحتاج للمقاتلين الأشداء.
النطاف تبدأ الهجوم
تتوقف النطاف في المهبل نصف ساعة وكأنها تهيء نفسها وتدرس خططها الحربية وبعد استراحتها تنطلق هذه النطاف الممتلئة حيوية وحماسًا مسرعة عبر المخاط المهبلي والذي يكون مصدره جهاز المرأة التناسلي، هذا المخاط يكثر وتزداد لزوجته وشفافيته في فترة الإباضة، وفقط عندما يتميزبهذه الصفات يمكن للنطاف إجتيازه ولو بعد تعب حيث إن هذا المخاط يشكل خط الدفاع الأول الذي يقوم بعملية عرقلة وانتقاء أولية لتصفية الضعافوذلك بسلاحين هما حموضته واقنيته الدقيقة، ويجب أن تذكر أن نصف عدد النطاف يعلن انسحابه قبل بدء المعركة حيث إنه لا يصلح للإخصاب بسبببعض التشوهات فيه.
ويجتاز الأبطال المخاط ويتوغلون عبر أقنيته ويدخلون في سرداب هو عنق الرحم «بوابة الرحم» وهذا النفق سيغلق بعد يوم أو يومين من العبور وسيتولى المخاط الضيق منع المني لاحقًا من الوصول للرحم.
في الرحم وهاد وجبال وأودية سحيقة الأعماق ستمر فيها النطاف لتصل إلي البوق الذي تقع في نهايته ساحة الوغى «المجل» ولا يبقى من الملايين المذكورة إلا مئات قليلة «٥٠٠.٣٠٠» نطفة من العرسان الأشداء الذين سيصلون إلى مرتع الإخصاب، فالمسير كان شاقًا والبعض قد يضل الطريق فيذهب خطأ للبوق الآخر، فللرحم بوقان وحيث المبيض الذي لم يبض في هذه الدورة من هذه المنات واحد فقط سيكون الفائز «ما من كل الماء يكون الولد»، وهو الشجاع أول الواصلين والذي سيحظى بالعروس المنتظرة، هذا إذا توافق وقت الجماع مع وقت الإباضة وأذن ربك سبحانه بولادة طفل.
تستغرق رحلة العبور عدة ساعات وقد يتمها السباحون المهرة من النطاف بنصف ساعة، بينما يحتاج الضعاف أيامًا لإنجازها، والمسافة التي يتعين قطعها تقدر بـ «١٨١٥» سم، وفي المسير يطرأ على النطاف تبدلات وتطورات تجعلها قابلة للتلقيح.
السؤال الذي يتبادر للذهن هو إن لم تكن هناك بيضة تنتظر فما هو صائر؟
سيخيب أمل جميع النطاف ولكنها تبقى بعض الوقت تنتظر عسى أن تطل عروس وإلا فإنها تهلك وتفنى.
بطل يفشي السر
شاهدنا السباق وأمسكنا بأحد المتسابقين وسألناه من أنت؟
إنه النطفة، وهيالخلية الجنسية الذكرية إنها أصغر من البيضة بكثير، تبلغ من الطول جزء من «600» جزء من المليمتر، وهي على شكل مضرب التنس كبيرة الرأس ولها ذيل طويل ويحيط بها غشاء والرأس يعتمر بقلنسوة تحميه وتحتوي مواد تدعى «الأكروزومات» تساعد في عملية اختراق الجدار حول البيضة، إن مادة النطفة الجوهرية توجد في الرأس، وهي على شكلصبغيات ثلاث وعشرين «نصف خلية»، وواحد من هذه الصبغيات سيقرر جنس المولود ذكرًا أم أنثى بمشيئة الله، ويدعى هذا الصبغي الجنسي الذي له شكلان « X و Y » فإن كان الموجود «X» كانت النتيجة انثى وإن كان «Y» كان الحاصل ذكرًا، وذلك لأن قرين هذا الصبغي القادم مع البيضة هو علىشكل واحد «X» وعند الإندماج سيتشكل ثنائي «XX» أو ثنائي أخر علي شكل «YX» والأول يعني أنثى والثاني يشير للذكر ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ (الشورى: 49).
إن للنطفة ذنبًا يدفعها للأمام، وإن ألف دفعة منه تجعلها تتقدم «1» سم، لكل «١٠» سم تستغرق عادة نصف ساعة.
تحوي النطفة مواد مغذية لها، وجدير بالذكر أنه يقع خلف رأس النطفة مباشرة حزمة من الحبيبات «المتقدرات» تشكل طاقة النطفة الحيوية التي تساعدها بدفع نفسها للامام ساعات وعند الضرورة تتزود النطقة بالطاقة إلاوالوقود من محطات في إفرازات البوق.
تتكون النطاف في خصبة الذكر بمعدل مئة مليون نطفة يوميًا. أي ألف بالثانية في الجسم الفتي، والآن إلى المحطة الثالثة حيث نتابع فصولالإندماج.
المحطة الثالثة: تلقيح البيضة.. الفرح الكبير
دقت الطبول وعلت الزغاريد.. لقد وصل العريس «النطفة»، تهلل وجه الأميرة «البيضة» فرحًا بقدومه شاقًا صفوف الوصيفات والخدم متقدمًا إليها طالبًا ودها، إنه يخترق الجدران التي تحميها واحدًا تلو الآخر رابط الجأش، وكلما اقترب منها عبر بسرعة أكبر وبثبات يرمي قلنسوته على أبواب القلعة ويطلقالقذائف المتواجدة فيها «المحتويات الأكروزومية»، إن هذه الرمايات المدفعية التمهيدية تساعده في الإختراق، يطرق الباب فيفتح وما إن يلج إلى مخدع محبوبته حتى يخلع لباسه «الغشاء الهيولي» الذي يبقى خارجًا وتوصد الأبواب من خلفه ويصبح الجدار حديديًا ولن يدخله غيره حيث إن نفوذية المنطقة الشفافة «وهي قشرة خارجية قاسية وبنفس الوقت مطاطة تحمي البيضة» تتغير عندما يلامس رأس النطفة سطح البيضة فتصبح هذه المنطقة كتيمة تتحطم علىصخرتها رؤوس باقي النطاف التي تبقى تصول وتجول في الخارج بعض الوقت ثم تموت، أما إن حصل ودخل غريب «نطفة أخرى» البيت الموصول مات الجميع عاجلًا أم أجلًا ولن ينتج جنين قابل للحياة.
العريس يحظى بالوصال
إن العروس قد أصبحت لعريسها دون سواه، ويبقى عليه عبور الحاجز الأخير حيث إنه يتخلى عن ذنبه داخل هيولي البيضة ويتجه للحصن الأخير «النواة» فيندمج بجدارها «الغشاء النووي» ويفضي بما عنده من الصبغيات «۲۳» إلى قلب عروسته، وترتخي صبغياته وصبغياتها في حديث الغزل، وكليبحث عن قرينه كي يندمج به فيتكون ثلاث وعشرون زوجًا من الصبغيات نصفها قادم من الأب النطفة عبر والنصف الآخر يمثل الأم عن طريق البيضة ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾ (الإنسان: 2)، والنطفة هي عروس الذكر والأنثى من كل يخلق من نطفة الرجل ونطفة المرأة، ويتكون الأملالمنشود «البيضة الملقحة» بنتيجة هذا الإندماج الذي تحدث فيه ملايين التفاعلات والأحداث.
حان وقت النمو
يبدأ إنقسام البيضة الملقحة بعد «۱۲» ساعة من التحام الصبغيات ببعضها، ويتكرر ذلك كل «١٢-١٥» ساعة، فتصبح الخلية اثنتين ثم أربعًا وهذه تصبح ثماني وهكذا دواليك وكل يشبه الخلية الأم «البيضة الملقحة» في مخزونه الوراثي ويستمر النمو والنضج والركب سائر لا يتوقف في قرار مكين «الرحم» يبحث عن موطن التعشيش تساعده ملايين الأهداب المبطنة للبوق وفي البوق توجد مناطق وعرة ضيقة ولكنها ترتخي فجأة لتسمح بمرورالبيضة الملقحة ويعزي ذلك لرسائل من الجسم الأصفر تكون على شكل برقيات بروجستيرونية.
التعشيش
بعد مسير يستغرق أيامًا تسعة يصل الركب إلى ذلك العش في تلك الأرض الخصبة «باطن الرحم التي هيأت نفسها بمساعدة من غيرها باقي البدن وخصوصًا المبيض» لاستقبال الموكب، وتستقر الأميرة الحبلى «البيضة الملقحة» في مرتعها ويستمر نموها وانقسامها ومن حولها حشود هائلة من الخلايا المسخرة بأمر ربها سبحانه لخدمتها، فهذه تمدها بالغذاء وتلك تحميها وأخرى لإفراز الهرمونات والبدن كله يستنفر لحراسة وحماية العروس ليؤمن لها سبل الحياة إن شاء الله.
بدء الأوامر السامية
ما إن تتوج البيضة الملقحة ملكة في عرش الرحم حتى تصدر تعليماتها إلى المبيض أن توقف عن إنتاج الملكات فهذا العهد عهدي حتى أعطي ثماريولذلك لا إباضة ولا دورة شهرية طيلة فترة الحمل الميمونة: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: 14)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل