العنوان عبقرية خالد لعباس محمود العقاد (الحلقة 8)
الكاتب عبدالرحمن إبراهيم محمد
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-1972
مشاهدات 80
نشر في العدد 99
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 09-مايو-1972
يوجه اللوم إلى ابن الوليد مرة أخرى على وفائه بنذره الذي نذر «إن مكنه الله من عدوه أن يسيل دماءهم في النهر» ذلك أن النذر يخالف أسلوب الإسلام وتشريعه لكن اللوم مردود على لائميه لعدة مبررات منها أن الحرب في زمانه کانت تسير على مثل هذه الشرعة ولو أن الفرس أصابت نصرًا لسقت أرض فارس من دماء العرب كدأبهم في الأمم الأخرى وبخاصة مع العرب والروم، ثم اجتهاد خالد في ظنه أن إسالة دماء المشركين تقربًا إلى الله وهو النذر الذي يوافق ما في طبعه من صرامة وفكر حربي ينبع أساسًا من مخزوم انعكست على خالد وهو الذي لم يصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجالسه طويلًا حتى يبتعد عن نذر كهذا، وهناك رأي فقهي يجيز ذبح الأسير إذا كان في ذلك إزالة لفساد لا يمكن أن يزول بغير الذبح.
على أي الحالات لقد كانت في نقمة بن الوليد الخير كل الخير، فهي أولًا أفادت رعايا فارس الذين كانوا يعانون من فساد قادتهم وملوكهم، وهي ثانيًا أسرعت في وضع نهاية الدولة الفارسية، وهي ثالثًا هزت أعصاب الروم وألقت الرعب في قلوبهم، ثم هي أخيرًا دعت كثيرًا من الأمصار إلى المسارعة في طلب الصلح، أليس في هذا ما يرفع اللوم عن خالد؟
ثم أخذت أخبار الانتصار العربي على الفرس تتوالى على المدينة، والصديق يبلغها للناس لتذاع من كل مكان حتى كان أمر تسليم الحيرة بلد النعمان ومواطن النابغة الذبياني فكانت قمة الانتصارات لما فيها من دفع لكثير من القبــائل العربية إلى الموادعة وخاصة من كانت تعمل تحت لواء فارس وفيها من الخيرات ما يتيح للمسلمين فرصة الإقامة فيها، ثم ما فيها من عز للعرب وإهانة للفرس.
وتأتي المفاجأة غير المتوقعة من الصديق فيصدر أمرًا إلى قائده بالتوقف عن القتال لمراجعة الموقف وتقدير الاحتمالات المستقبلة وانتظارًا إلى أن يأتي عياض بن غنم ظافرًا ولقد احتاط الصديق لأمور عدة عند اتخاذه هذا القرار، ففي التقدم بعد الحيرة وقوع بين فكي كماشة الفرس والروم وما فتح من أرض السواد في الطرق لا يؤمن جانبه فأهله حديثو عهد بالإسلام وقد يندفعون إلى ما وراء النهرين. والمنهزمون من العرب مع الفرس يتدافعون إلى دومة الجندل رغبة في التجمع والتربص بالمسلمين وأخبار ترد إلى الخليفة تشير إلى استعداد دولة الروم الشرقية. ثم طلب الأمان في التحرك بعد نجاح جيش عياض بن غنم واستيلائه على دومة الجندل بين العراق والشام وهو الأمر الذي لم يتحقق بعد.
ومر عام بغير فتح في انتظار وصول عياض بن غنم عام لقي فيه ابن الوليد من عناء النفس والقلق ومع ذلك فقد وقعت أمور لو مرت بغيره من القادة لعدوه غاية في البطولة، يبدو ذلك خلال تصرفه بعقل المتحضر حين حبست مياه النهر وراء القناطر مما سبب التصاق السفن التي غنمها وحمل فيها جنوده بالأرض حيث أسرع في خفة مع جنوده إلى القناطر يطلقون ماءها عندما حفر الفرس خندقا في الأنبار أمام الحصن حيث أمر بنحر الإبل الهزيلة وإلقائها في الخندق ثم العبور فوقها والإحاطة بالحصن فأدرك أهل الحصن سوء عاقبتهم فطلبوا الصلح بعد التجرد من السلاح، ثم تصرفه الخاطف مع عقة بن العقة الذي أوحى للفرس أنه يستطيع التغلب على العرب بجيش مكون من تغلب وإياد وأتباع سجاح حيث لم يمهله خالد ووثب عليه في معقله واحتضنه وفوجئ عقة بهذا الأسلوب في القتال وحمل أسيرًا بعدما رأى المسلمين قد أحاطوا بأتباعه. تلك لمحات عن الشخصية التي جمعت الرائع الجميل من الصفات فهو يستميل العرب عملاء الفرس بإثارة نخوتهم تجاه عروبتهم والسخرية من سوء فهمهم لحقيقة الإسلام، وهو يغري الجندي المسلم بنعيم الدنيا ويشعل حماسه الديني ويتيح له أن يأخذ ما يحصل عليه من أسلاب ویزین له الإقامة في الأراضي المفتوحة، ثم علمه بشريعة الموادعة وعلمه بأحكام الحرب والمنازلة وفي عهده لأهل الحيرة نموذج رائع لما تكون عليه العهود ففيه جزية محددة، وإعفاء من تزهد منها، وربطها بالدفاع عنهم، وتحذير من الغدر بالمسلمين. ثم يتجه إلى الإصلاح الاجتماعي فيحفظ للفلاحين غلاتهم وينصفهم من مستغليهم ويحكم بالعدل بين الناس بعد أن يستمع للشكوى ويسوي بين المسلمين وغيرهم في العدالة الاجتماعية عند التحرر بعد العبودية أو الفقر بعد الغنى أو ذهاب من كان ينفق ويعول وإعفاء العاجز والمريض العاطل من دفع الجزية. ثم حرصه على حياة المسلمين وأخذ الحيطة بالشروط التي يلتزم بها الصالحون، لقد كان لكل ذلك أثره في نفوس أهل البلاد المفتوحة فآمنوا أن الحرب لم تكن موجهة إليهم وإنما للقضاء على قياداتهم الفاسدة وكان للموازنة بين تعاليم الإسلام وما كان عليه قادتهم من انحراف عن الحق والعدل أثر في دخول كثير منهم في الإسلام ومن بقي منهم على دینه هاون ووادع ولم يفكر في الثورة على الحكم الجديد.
ويشعر ابن الوليد أن جموعًا من العرب قد تجمعت في دومة الجندل بحيث وقفت عائقًا أمام زميله عياض بن غنم ورغب في تطهير الصحراء منهم، وتحققت رغبته سريعًا فما أن استنجد به عياض حتى سارع إليه مع جيشه وحاصر العدو بين حصنه وجنود عياض وبدأ عياض المعركة فهزمهم فاتجهوا إلى الحصن ليجدوا خالدًا أمامهم يمنعهم من الاحتماء به ويحول دون خروج من فيه وحميت المعركة واستولى خالد على الحصن وسبى كل من طفر به ومن بينهم ابنة الجودي التي اصطفاها لنفسه أو اشتراها من غيره وظلت معه طوال إقامته بدومة الجندل ثم قتلهم بعد أن نكثوا بعهودهم السابقة للمسلمين.
وتأتي الآن على آخر وقعة لخالد في العراق اتجه إليها بعد تطهير الصحراء من عرب البادية من دومة الجندل تلك هي وقعة الفراض التي وثب فيها على جيش الروم فألقى الرعب في قلوبهم، وقد حاول الفرس مساعدتهم لولا اشتغال قادتهم بأمر العرش والصراع حوله. وقد استهتر الروم بخالد وجيشه فطلبوا منه أن يعبر إليهم أو يعبروا إليه ففضل أن يعبروا ويبقى هو في مكانه فلما عبروا وجدوا أنفسهم محصورین بين النهر وجيش ابن الوليد الذي سد عليهم المسالك ثم انقض عليهم فأبادهم وما أن انتهت تلك الواقعة أراد خالد أن يؤدي فريضة الحج ليضيف إلى عبادة الجهاد عبادة أخرى تمثل شكر الله على ما أفاء به من نصر، ذهب وعاد في خفة ولم يعلم إلا أقرب أصحابه حتى الخليفة لم يعلم بحجته على الرغْم من أنه كان على حج هذا العام. وقد أثير اللوم على هذا التصرف غير المناسب في أحوال خطيرة قصد منه إظهار غاية الثقة بالنفس، لكن عملا كهذا يدل على إيمانه العظيم بغيره من قادته وثقته من أصحابه وإنهم كانوا على قدر كافية تجعلهم أهلا للتصرف عند كل طارئ ويكفي أن بينهم المثنى والقعقاع.
ويعلم الصديق بالأمر فيكتب إلى خالد كتابًا يحوي اللوم والإعجاب والنصيحة والأمر بالاتجاه إلى الشام لحرب الدولة الرومانية، ثم يرسل إلى أبي عبيدة يخبره بقدوم خالد إليه وتوليته قيادة جيش المسلمين ويطلب إليه طاعته إيمانا من الصديق بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب على الرغْم من علو مكانة أبي عبيدة، ويسرع خالد بالكتابة إلى أبي عبيدة يبرئ نفسه من شبهة طلب القيادة وإنها رغبة الخليفة ويؤكد له احترامه لمكانته وأنه لن يبرم أمرا دون مشورته.
ونجد أنفسنا أمام سؤال تدفعنا إليه ظنون خالد حول سبب إرساله إلى بلاد الروم إذ يظن أن صاحب الرأي في ذلك هو عمر بن الخطاب حسدا منه أن رآه ينفرد بفتح فارس فأراد أن يرسله إلى مكان يشترك فيه مع غيره فلا يكون شرف النصر له وحده بل له ولغيره من كبار الصحابة، لكن الذي دفع الصديق إلى اتخاذ قرار كهذا اعتبارات عدة منها سكون الفرس بعد هزائمهم المتكررة ونشاط الروم وحدتهم الأمر الذي يستلزم وجود خالد، وقرب جيش خالد من بلاد الروم وعدم وجود المد الكافي في الحجاز، ثم خبرة خالد الحربية التي سبقته إلى بلاد الشام حتى قال الخليفة «لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد».
وسار ابن الوليد إلى الشام في أوعر الطرق وأقلها كلأ وماء مع خفاء مسالكها وهو اختيار يدل على صلابة وعزيمة فسار بجيشه من عين التمر إلى قراقر ثم إلى سوى حتى وصل تدمر وبعدها الغوطة ثم بصرى وقطع المسافة في ثمانية عشر يومًا بمغامرة فيها غير القليل من الخيال
كان الخليفة قد سير إلى بلاد الشام جيوشا موزعة تدبيرًا لأمر الماء والكلأ وتشتيتا لجهود الروم وحماية لكل جيش من الوقوع في مصيدة التطويق، ومن جانب آخر نجد الروم وقد أخلوا بلاد الشام من الجيوش الكثيرة بعد انتصارهم على الفرس ورجوع العرب من حملاتهم المشهورة مثل مؤتة وتبوك، ومعرفتهم بانشغال العرب بأمر الفرس وإنهم ضعفاء ولن يشغلوا أنفسهم بدولتين عظيمتين في وقت واحد. لهذا أمر الصديق الجيوش الإسلامية أن تزحف إلى الروم منفردة أملا في السرعة والأمن وأوصى القادة بالتشاور والرجوع إليه إذا حشدت الروم جيوشًا كثيرة فزحفت تلك الجيوش إلى دمشق وحمص وفلسطين تم علم القادة بأن القيصر يجمع جيشًا في أنطاكية وبيت المقدس يزيد نصفه على ثلاثة أضعاف جيش المسلمين وجيش خالد معهم. من هنا كان أمر خالد بالانضمام إلى تلك الجيوش أمرًا ضروريًا أملته الظروف وحينما علم القادة بأمر القيصر وجيوشه أخذوا يتشاورون حول التراجع إلى الجنوب لتحقيق أهداف عسكرية منها الاشتباك بجيش الروم منفردين وليكونوا أقرب إلى تأمين ظهورهم بالصحراء التي لا يجرؤ الرومان على اقتحامها ومن أجل ذلك أمرهم الخليفة بالتوجه إلى اليرموك. وكان خالد قد التقى بعد مسيرته من العراق بأبي عبيدة قبيل تجمع الجيوش الإسلامية في الجنوب من الشام وهناك علما أن جموعا من الروم نزلت أجنادين لتطويق جيش شرحبيل في «بصرى» فتقدم خالد وأبو عبيدة للقاء الروم في أجنادين وانتهت المعركة بنصر المسلمين وتشتيت جيش الروم وتأمين ظهر المسلمين واستعدادهم للمعركة الفاصلة في «اليرموك» على أن الموقف قبلها كان كما يأتي، تمتع جيش الروم بالعدد والعدة واختلاف أجناسه من روم وأرمن وعرب وانتفاء صفة الوحدة في التحرك والتوجيه لاختلاف طريقة المتطوعين من أهل القبائل عن طريقة جيش الروم النظامي ولقد أتت استثارة الحمية نتائج عكسية فشككت ومزقت فقد تعود قادة الروم اتباع الشهوات وتجاهل تعاليم دينهم.
وفي الجانب الآخر كان جيش العرب قليل العدد والعدة لكنه موحد من أمة واحدة تحكمه قيادة واحدة ويدين بعقيدة واحدة وفي قلوبهم ما ليس في قلوب الأعداء من دواعي النيات ودوافع الاستبسال ومن غيرة على الدين والعرض ورغبة في الاستشهاد وقد وقفت خلفه من كريمات البيوت والحرائر من أقمن سدًا منيعًا أمام من تحدثه نفسه بالفرار أو التراجع.
من أجل هذا نرى هرقل وقد اتسع تفكيره بعد ما سمع ورأى عن جيوش المسلمين يشاور رجاله في الصلح عن أن يعطي المسلمين نصف غلات الشام حتى يقفوا عند هذا الحد ولا يقتربوا من جبال الروم إلا أن رجاله لم يطيعوه وعدوه جبانًا، وفكر المسلمون في الصلح المشروع قبل القتال أما الإسلام أو الجزية أو السيف وحاولت الروم إغراء المسلمين فدعاهم تيودرا أخو القيصر إلى دخول سرادق عظیم فرش بالحرير فاقتنعوا تمثلًا لأوامر الدين مما أذهل قائد الروم وأدرك أنه سيحارب عدوًا صارمًا زاهدًا متدينًا إلا أنه لم يوافق على شروط الصلح التي عرضت عليه، وفتح المجال للسيف كي يقول كلمته ويضع الحق من نصابه.