; عبد الناصر بمناسبة احتفال بقايا الناصرية بذكرى وفاته: وقصة الاتصال باليهود | مجلة المجتمع

العنوان عبد الناصر بمناسبة احتفال بقايا الناصرية بذكرى وفاته: وقصة الاتصال باليهود

الكاتب أبو خالد

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1983

مشاهدات 57

نشر في العدد 639

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 04-أكتوبر-1983

  • لماذا تُنشر الآن أنباء اتصال عبد الناصر باليهود؟

  • انتفاضة غزة هي التي أسقطت مشروع سيناء عام ١٩٥٤.

  • الذين يتحسرون على الناصرية عليهم أن يعيدوا النظر في قناعاتهم.

  • هيكل يؤكد اتصال عبد الناصر باليهود ورغبته في الصلح معهم من حيث أراد التكذيب.

نشرت وكالات الأنباء الأجنبية في الآونة الأخيرة أن عبد الناصر في عام ١٩٥٥ اتصل باليهود عن طريق أحد رجال الدين اليهود في أمريكا، وهو «المور جاكسون» والذي كلفه أحمد حسين سفير مصر في واشنطن بهذه المهمة. يقول جاكسون بهذا الصدد -وهو يبلغ الآن من العمر ٧٢ عامًا- إنه كاد أن ينجح في ترتيب لقاء بين المسؤولين المصريين والإسرائيليين، إلا أن المفاوضات فشلت في أعقاب وقوع مصادمات بين بعض الجنود الإسرائيليين واللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة في نهاية شهر أغسطس من عام ١٩٥٥.

وأضاف جاكسون: إنه التقى خلال جهود الوساطة التي قام بها مع ديفيد بن غوريون وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، وموشيه شاريت رئيس الوزراء. كما أجرى محادثات مطولة مع عبد الناصر. ثم عزا جاكسون -الذي كان يتحدث للصحفيين في بيته- سبب فشل مهمته إلى عملية انتقامية قامت بها إسرائيل ضد أحد المخيمات الفلسطينية أسفرت عن مصرع ٤٥ شخصًا.

ماذا يقول هيكل؟!

وقبل أن نلقي الضوء على هذا الأمر، لنقرأ ما قاله محمد حسنين هيكل -الذي كان مستشارًا صحفيًّا لعبد الناصر- يقول: إن جاكسون أخبره هذه القصة! ولكنه أخبره أن محمود فوزي رئيس وزراء مصر السابق وليس أحمد حسين السفير السابق في واشنطن هو الذي كلفه بمهمة الوساطة لعقد صلح بين مصر وإسرائيل.

ثم يقول هيكل: إنه اتصل بالدكتور فوزي فنفى الخبر تمامًا. وأضاف هيكل: إنه كانت هناك محاولات إسرائيلية وأمريكية للاتصال بعبد الناصر في عامي ٥٤ – ١٩٥٥، ولم تقابَل هذه المحاولات باستجابة من جانب مصر، وكان الرد هو الغارة الشهيرة على غزة. ثم يضيف هيكل: إن هناك محاولة أخرى للوساطة بين إسرائيل ومصر من أجل الصلح قام بها ناحوم غولدمان الذي نشر قبل موته أن عبد الناصر قد دعاه لزيارة مصر. وصحة الرواية كما يقول هيكل: إن الرئيس الروماني شاوشيسكو أرسل نائب وزير خارجيته مانسكو إلى عبد الناصر وهو يحمل رسالة خطية يقترح فيها لقاء غولدمان مع عبد الناصر، وكان جواب عبد الناصر لشاوشيسكو مشجعًا ومحترزًا من جانب واحد، هو عدم رغبته بأخذ إسرائيل للمزيد من الأراضي إذا تم السلام بينها وبين مصر.

ما الهدف من نشر هذا الكلام

وبغض النظر عن الهدف من نشر مثل هذا الكلام في الوقت الحاضر، وهو كما يقول جاكسون: «إن كبار المسؤولين المصريين قرروا وضع حد لصمته الطويل؛ وذلك لإظهار أن سياسة التقارب مع إسرائيل التي بدأها أنور السادات كان لها سوابق». وأضاف جاكسون: «إن الكثيرين من أنصار عبد الناصر سوف تصيبهم الدهشة بلا شك لدى علمهم أنه قام بهذه المهمة، وأن عبد الناصر استطلع جديًّا إمكان معاهدة سلام مع إسرائيل». على أن هناك من يملك القناعة التامة أن عبد الناصر أجرى أكثر من اتصال مع اليهود مباشرة وعبر قنوات عدة، ولم يكن جاكسون إلا واحدًا من هذه القنوات. والأمر المثير للدهشة أحيانًا عند بعض أطراف الجماهير العربية أنها كانت ولا تزال تعتقد أن عبد الناصر يمثل « القائد العربي الملهم، مثال الوطنية، الذي رفع اسم العرب عاليًا، والذي قارع الاستعمار بلا هوادة...» ولم يكونوا يعلمون أن انقلاب ۲۲ يوليو ۱۹۵۲ جاء بمباركة أمريكية، وأن السفير الأمريكي هو الشخص الوحيد الذي سُمح له بدخول قصر الملك فاروق أثناء حصار الجيش له، وأن قرار تصفية التيار الإسلامي في مصر صدر بينما كان عبد الناصر في موسكو، وأن عبد الناصر أثناء حصار الفالوجا اجتمع باليهود وقد ذكر هذا في كتابه «فلسفة الثورة»، وأنه طارد رجال العاصفة ونواة فتح في قطاع غزة بلا هوادة. وعندما علم بأن بعض الشباب يخرجون من القطاع إلى الجزائر للتدريب، أضاف على الوثيقة التي يحملها أبناء قطاع غزة عبارة «ما عدا الجزائر»، أي مسموح بزيارة البلاد العربية ما عدا الجزائر، وأنه قال لمنير الريس رئيس الاتحاد القومي في قطاع غزة والدكتور حيدر عبد الشافي رئيس المجلس التشريعي عند استقباله لهما: «ليس عندي خطة لتحرير فلسطين، ومن قال إن عنده خطة لتحرير فلسطين فهو يضحك عليكم».

مشروع سيناء

أما الأمر الذي لا يعرفه إلا القليلون فهو ما يسمى مشروع سيناء، وهذا المشروع كان أمريكي التمويل مصري التنفيذ، أما المستفيد من هذا المشروع فهم اليهود، وتفاصيل المشروع أنه في أواخر عام ١٩٥٤ جرى الاتفاق بين مصر عبد الناصر وبين الولايات المتحدة الأمريكية على تعمير شبه جزيرة سيناء؛ وذلك بنقل اللاجئين الفلسطينيين الموجودين في قطاع غزة إلى سيناء، ونقل المياه العذبة من نهر النيل إلى صحراء سيناء عبر أنابيب تمر من أسفل قناة السويس، فيقوم اللاجئون باستصلاح الأرض وتُمنح لهم مساكن للاستيطان. فينشأ كيان للفلسطينيين في سيناء أي خارج فلسطين وبديلًا عنه، وبذلك يستقر اليهود في فلسطين ويشكل الكيان الفلسطيني الجديد في سيناء حاجزًا بين مصر وإسرائيل.

ومن أجل تحقيق هذا الغرض قامت وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة -وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة- بإنشاء مدرسة زراعية في بيت حانون شمالي القطاع لتخريج مساعدي مهندسين زراعيين ليسهموا في المشروع المقترح.

 وتشاء الصدف أن يعثر أحد أبناء فلسطين على نص المشروع بينما كان يبحث عن مراجع للماجستير في «إدارة المشرف العام على شؤون اللاجئين في قطاع غزة» ولأهمية الأمر فقد خبأ المشروع بين طيات ثيابه وخرج إلى بيته، حيث عكف لمدة أربعة أيام ليلًا ونهارًا حتى استطاع أن «ينسخ» المشروع قبل أن يعيده إلى مكانه.

نواة فتح

كانت الحركة الوطنية في قطاع غزة -وخاصة التيار الإسلامي فيها الذي شكل النواة الأولى لحركة فتح- على دراية بالمخططات الأمريكية لتصفية المقاومة الفلسطينية وعلى يد عبد الناصر بالذات، ولذلك بادرت مجموعة من الشباب بالانطلاق إلى الأرض المحتلة وزرعت عددًا من الألغام في الطرق العسكرية الترابية التي تؤدي إلى المستعمرات اليهودية، لتقوم بعد ذلك مظاهرات في القطاع تطالب بتحرير فلسطين وتهتف بسقوط مشروع سيناء.

وهذا هو الذي حصل، فقد قامت القوات الصهيونية بالهجوم على موقع للقوات السودانية كان يحمي محطة قطار السكة الحديد في غزة ونسفت المحطة وأُبيدت القوة. وعندما تحركت قوة فلسطينية من موقع «شاكر» قرب معسكر البريج لنجدة القوة السودانية، كان هناك كمين يهودي في الطريق أمطر سيارة النقل العسكرية التي كانت تقل النجدة بوابل من الرصاص، فقتل حوالي ٣٥ جنديًّا ولم ينج إلا السائق وجندي آخر، وكان ذلك في ۲۸ فبراير ١٩٥٥

انتفاضة غزة

وعلى الفور انطلقت مظاهرات عارمة في كافة أرجاء غزة بدأت من مدرسة فلسطين الثانوية في غزة -وهي أكبر مدرسة في القطاع- والتقت بالمظاهرات القادمة من منطقة جباليا، وهتف الجميع هتافات موحدة: «لا توطين ولا إسكان... يا عملاء الأمريكان»، «يسقط حكم البكباشية» لمزًا بعبد الناصر. وهنا أمرت قوات الشرطة بالتصدي للمتظاهرين وإطلاق النار عليهم فامتنعت، فحضرت مفرزة من الجيش المصري وأخذت تطلق النار فسقط عدد من المتظاهرين القتلى والجرحى. لكن الجماهير العزلاء اندفعت نحو قوات الجيش حتى تمكنت من إلقاء القبض على قاتل أحد الشهداء فقتلته، ثم سيطرت على الشارع مرة أخرى وعقدت مؤتمرًا شعبيًّا حاشدًا في «ساحة التاكسيات» في غزة، التي سميت فيما بعد ساحة فلسطين. واتخذ المؤتمرون مجموعة من القرارات والتوصيات، منها:

1 – رفض مشروع سيناء الذي يستهدف تصفية القضية الفلسطينية لصالح اليهود.

۲ – فرض قانون التجنيد الإجباري وإعداد الجماهير لتحرير فلسطين. وحين تقدم ممثلو الشعب بمطالبهم للحاكم الإداري لقطاع غزة وجدوه قد غادر القطاع إلى مصر، وأصبح القطاع بلا سلطة رسمية لمدة ثلاثة أيام متوالية، ولكن الناس بعد ثلاثة أيام فوجئوا بسيارات النقل العسكرية التي تقِل المعتقلين تنهب صحراء سيناء في طريقها إلى القاهرة لتودِع الأحرار

سجن أبي زعبل وليمان طرة، وتعلن الصحف المأجورة وقتها أنه: «تم إلقاء القبض على مجموعة من الجواسيس في قطاع غزة»!

سقوط المشروع:

جاء عبد الناصر سرًّا إلى قطاع غزة بعد ذلك واجتمع مع عدد من المتطوعين الفلسطينيين وقال لهم: «لن نعمل شيئًا ضد رغباتكم، وسنقوم بالتجنيد، وسننتقم. وكل ما أطلبه منكم هو أن تصبروا». ثم غادر القطاع. وبعد ذلك أعلن في مصر عن سقوط مشروع سيناء، وذلك كما يبدو لأن الوقت لم يكن مناسبًا، ولا سيما أن انتفاضة القطاع كادت تنتقل إلى مناطق عربية أخرى.

هيكل يكذب

وهكذا تبين عدم صحة ما يذكره هيكل بنسبة أقوال إلى أموات، والذي كان يمثل ركنًا من أركان النظام الذي قتل الإسلاميين باسم العروبة، وفرق العرب باسم القومية، وطارد حركة فتح باسم منظمة التحرير الفلسطينية، ونادى «بتصفية آثار العدوان» «وليس العدوان نفسه».

ووقف أمام خطر «التوسع الصهيوني» وليس «الوجود الصهيوني»، وقبل مشروع روجرز الذي يتضمن «الصلح مع إسرائيل» واعتبار القضية الفلسطينية «مشكلة لاجئين» تحل محلها مشكلة «الشرق الأوسط». والذي أعطى الإشارة الخضراء لمذابح أيلول وأغلق إذاعة «صوت العاصفة» من القاهرة، وكان هيكل في كل ذلك عكازته القلمية، هذا «الهيكل» الذي اعتزَّ ذات يوم بانتمائه الفرعوني ووصف العرب -كل العرب- بأنهم ينتمون إلى فصائل «القرود».

رحمك الله يا سيد قطب، يا من قلت قبل أن يعدمك عبد الناصر: «إنني أعلم عن اتصالات هذا النظام باليهود، ما إن لو علم أني أعلم لقتلني». إن اتصالات عبد الناصر باليهود بدأت قبل أن يصبح في السلطة، بدأت وهو ضابط في الفالوجا، وتحديدًا في عراق المنشية التي استولى اليهود عليها منه فاستعادها «البيه طه» بقيادة ضابط آخر غير عبد الناصر. يتباهى عبد الناصر في كتابه «فلسفة الثورة» بأنه كان أحد أفراد الوفد المصري المفاوض من أجل انسحاب القوات المصرية من الفالوجا، ويقول إن اليهود قدموا لهم دجاجًا مشويًّا بينما كانوا يتضورون جوعًا وأنهم لم يأكلوا الدجاج، ثم يركز على أسئلة اليهود عن كيفية مقاومتهم للإنجليز! ثم يقول: كنت في فلسطين، ولكن أفكاري كانت هناك في وطني البعيد الذي تركته للذئاب ترعاه. ويقول أيضًا: ولم ألتق في فلسطين بالضباط الذين عملوا معي من أجل مصر، وإنما التقيت أيضًا بالأفكار التي أنارت أمامي السبيل. فهل كان عبد الناصر منذ البداية يحمل فكرًا إسلاميًّا أو فكرًا عربيًّا؟ وهل كان يحلم «بتحرير فلسطين»؟ وهل استخباراته العسكرية ومخابراته العامة في مصر دلت على قوله المأثور: «إن حرية الكلمة هي المقدمة الأولى للديمقراطية»؟ أسئلة نطرحها على أولئك الذين لا يزالون يؤمنون بخط عبد الناصر -وهم قلة والحمد لله- رغم تباين أفكارهم واتجاهاتهم وانتماءاتهم، ولهم نقول: انفضوا عن عقولكم رواسب الناصرية وذيولها وحواشيها وابدأوا من جديد على أساس من كتاب الله وسنة رسوله، تصِلوا بعون الله ولو بعد حين.

الرابط المختصر :