العنوان ومضات في ذكرى استشهاده.. عبد الله عزام.. والعمل النسائي
الكاتب عائدة مهاجر
تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
مشاهدات 77
نشر في العدد 1327
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
• أدرك الشهيد ضرورة دور المرأة الاجتماعي والإغاثي والتعليمي فوجه زوجته وابنتيه نحو هذا الميدان
تمر علينا في هذه الأيام ذكرى استشهاد الشيخ عبد الله عزام العالم المجاهد الذي أعطى دمه وأولاده وقودًا لجذوة الجهاد في سبيل الله ليبقى معلمًا ورمزًا تحيا به الأمة، وصفحة بيضاء تضاف إلى صفحات تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة التي ضحت بأبنائها تلبية لأداء الواجب التاريخي.. فتقبل الله الشيخ وأبناءه وقافلة الشهداء في روضات جناته، وكان يوم وفاته الجمعة ٢٥ من ربيع الثاني ١٤١٠هـ الموافق 24/ 11/ ١٩٨٩م.
وفي هذه الصفحات نعرض ومضة من تلك الومضات، وسطورًا من تلك الصفحات التي كانت تسير جنبًا إلى جنب مع صفحات الجهاد ألا وهي:
موقف الشيخ عبد الله عزام من العمل النسائي في تلك الحقبة من أيام الله في نصرة المهاجرين والمجاهدين، أعرض ذلك من خلال إسهامي المباشر في عمل اللجنة ونشاطاتها المتنوعة طيلة المدة من سنة «۱۹۸۸م- ۱۹۹۳م».
النساء شقائق الرجال
أدرك الشيخ عبد الله عزام ضرورة دور المرأة في خدمة قضايا الأمة من خلال حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: «النساء شقائق الرجال»، وعلى ضوء دور الصحابيات في الصدر الأول وما بعده، وأهمية هذا الدور في بناء المجتمع الإسلامي بمؤسساته ونشاطاته المتنوعة، وبخاصة في العمل الاجتماعي، والإغاثي، والتعليمي، والطبي، وفي إطار المشروعية الإسلامية وضوابطها بالنسبة للمرأة المسلمة.
ومن هنا انطلق الشيخ عبد الله عزام إلى توجيه زوجته المجاهدة أم محمد عزام وبناته إلى بداية أول خطوة في هذا العمل الذي كان لا يتعدى توزيع التبرعات المالية والعينية في مخيمات المهاجرين الأفغان من غير خبرة سابقة. ولكن هذه الخطوة أتبعتها خطوات، وبخاصة عندما زاد عدد النساء المرافقات لأزواجهن لخدمة العمل الإغاثي بين المهاجرين، فتلاقت الطاقات وتتابعت الخطوات المخلصة حتى أثمرت لجنة متخصصة في العمل النسائي بين المهاجرين الأفغان.
اللجنة النسائية
جاء هذا الوليد بعد رحلة معاناة وعمل غير منظم وغير مؤسسي، حاولت اللجنة أن تجعل لعملها بعض المواصفات المؤسسية، فهناك رئيسة ونائبة لها، وأعضاء مجلس الإدارة، وعضوات عاملات في الأقسام المتنوعة في اللجنة.
وكان لهذه اللجنة دور مهم وإيجابي وسط المهاجرين ومخيماتهم، وتعد أول مشروع نسائي يعمل بين المهاجرين الأفغان، وتديره إدارة نسائية تخطط لنفسها، وتضع الوسائل للتنفيذ، ومن ثم توزيع الأعمال لتنفيذها، مع الاستعانة في بعض جوانب العمل بمشورة الشيخ عبد الله عزام وبعض الإخوة الذين تشترك زوجاتهم في هذا العمل للاسترشاد والتوجيه.
وكان للشيخ عبد الله عبارة تدل على شعوره بأهمية هذا العمل والدور الفعال الذي تتصدى لـه هذه الكوكبة من الأخوات؛ إذ كان يقول: «انتشروا في المخيمات وافتحوا المراكز القرآنية، وأنشئوا المدارس، وأعينوا المستشفيات، واحفروا الآبار، واكفلوا اليتامى والأسر الفقيرة.. ولكم أن أبذل لحم كتفي لخدمة مشروعكم».
كان الشيخ لا يدخر وقتًا لإلقاء المحاضرات التي تطلبها الأخوات أو إبداء الرأي فيما يطلب منه لإنجازه.
وقد سارت هذه المجموعة بتخطيط وهمة لمواجهة سيل المنصرات والمنصرين المنتشرين في مخيمات المهاجرين مملوءة جيوبهم بالمال، يعطون الدواء والغذاء بيد، وفي الأخرى السم الزعاف من الأفكار والسلوكيات.
وكان الشيخ عبد الله يرعى اللجنة النسائية من أول يوم من خلال حثه للمرأة المسلمة على العمل الاجتماعي على الصعيدين داخل البيت وخارجه، وكان لا يمانع، بل يحفز النساء على العمل وسط المهاجرات ليؤدين ما لا يستطيع الرجال تأديته، على ألا تقصر الأخت في تربية أولادها وتدريسهم، وبخاصة أيام الامتحانات.
وكان ينصح الأخوات العاملات في اللجنة بعدم المركزية المعوقة، وإنما يتوزع العمل بحسب الطاقات المتوافرة وعدم تعطيل أي أخت قادرة على العطاء وإن قل، بل أسهم في إفساح المجال للأخوات للكتابة على صفحات مجلة الجهاد وأفرد لهن أربع صفحات ليتدربن على الكتابة، وليعرضن مشروعاتهن ومعالجاتهن للقضايا النسائية في الأسرة والعمل؛ مما هيأ بعد ذلك الإصدار مجلة نسائية خاصة بكادر نسائي خاص بها.
وكان الشيخ يتعهد الأخوات بالتعليم من خلال المحاضرات التي يلقيها عليهن، إضافة إلى أساتذة كرام من الدعاة في الساحة أمثال الأستاذ عبد المحسن شربي «أبو محمد» وهو آنذاك صاحب الأعوام السبعين، الذي جاء لخدمة المهاجرين وأبناء المجاهدين، ومن الضيوف أمثال: الدكتور أحمد الملط -رحمه الله- وزوجته أم أسامة -رحمها الله- التي كانت تعيش هموم العمل الإغاثي مع سنها الكبير، والشيخ عبد المعز عبد الستار الذي كان يبث علمه الشرعي، وغيرهم من رجال الدعوة.
ومن الداعيات المعروفات: الحاجة زينب الغزالي، والدكتورة سعاد الفاتح، والدكتورة فاطمة نصيف، اللاتي كن يثرين تجربة اللجنة النسائية بالخبرة والتوجيه أثناء زياراتهن لتفقد أحوال المهاجرين.
وأسهم أهل الخير في كل مكان -وبخاصة النساء المسلمات في الكويت والمملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج، فضلًا عن اللجان النسائية- في إسناد هذه اللجنة ماديًّا ومعنويًّا، ومن أهم المشروعات التي أنجزتها اللجنة النسائية:
أولًا: المشروعات التعليمية والمراكز القرآنية:
وهذه المشروعات كان لها أهميتها للحفاظ على الهوية الإسلامية لأبناء المهاجرين، والمرأة المسلمة الأفغانية بخاصة، ومواجهة قوافل التنصير التي تتفنن في محاولة تغيير هذه الهوية، وأهم الثمرات في هذا المشروع:
1- إنشاء المراكز القرآنية في المخيمات في المهجر، وفي داخل أفغانستان، ودعمها بالمدرسات أو بكبار السن من الحفاظ والمدرسين، وكفالة مرتباتهم، مع توزيع المصاحف وكل ما تحتاجه العملية التعليمية، ومنها ما كان بالتعاون مع لجنة الدعوة الإسلامية بالكويت، والعون الإسلامي العالمي، حيث كان يشرف على ۱۲ مركزًا قرآنيًّا، إضافة إلى مراكز قرآنية موسمية مؤقتة.
2- بناء مدرسة بالتعاون مع اتحاد الطلبة المسلمين -باكستان- وكفالتها بكل احتياجاتها.
3- دفع مرتبات معلمات بعض المدارس الأفغانية للبنات بالتعاون مع المركز التعليمي التابع لاتحاد المدارس العالمي مثل مدرسة المؤمنات، وأمهات المؤمنين التابعة للجمعية الإسلامية، ومدارس «زنان مسلمان» النساء المسلمات، وكفالة مدرسة هرات للبنات.
٤- إنشاء حضانة لأطفال العرب والأفغان للعناية بأطفال الأخوات العاملات في المؤسسات المتنوعة الطبية والتعليمية وغيرها، وتهيئة فرصة احتضنت حوالي خمسمائة طفل وطفلة.
ثانيًا: المشرعات الإغاثية مثل:
۱- مشروع الحليب لتغذية أطفال المهاجرين بالتعاون مع لجنة الدعوة الإسلامية من خلال مستشفى النساء.
2- كفالات الأيتام في ساحات الهجرة، وفي داخل أفغانستان، وكانت اللجنة تقوم بزيارة دورية للأيتام في بيوتهم، وتحتفظ بسجلات لهؤلاء تضم صورهم.
3- كفالات الأسر الفقيرة من خلال مبالغ شهرية تعطى للأسرة، فضلًا عن تزويدها بالغذاء.
4- توزيع الزكوات، وبخاصة زكاة الفطر.
5- توزيع لحوم الأضاحي.
٦- كفالات للمعوقين.
7- توزيع الألبسة والأقمشة على المخيمات والحجاب الإسلامي، وبخاصة بعد دخول المجاهدين كابل.
ثالثًا: دعم المشروعات الطبية:
وذلك من خلال التعاون مع المؤسسات الطبية والمستشفيات بخاصة، وفي مقدمة هذه المؤسسات لجنة الدعوة الإسلامية بباكستان من خلال مستشفى «أفغان سيرجكل» للنساء، ومستشفى الجهاد في قرية بابي التابعة للاتحاد الإسلامي، ومن أهم إنجازاتها:
1- دعم إنشاء بعض الأقسام المهمة في مستشفى النساء مثل: قسم الولادة- العظام- الأنف والأذن- الأشعة والموجات الصوتية.
۲- شراء سيارة لنقل العاملين في مستشفى النساء، وشراء جهاز أشعة فوق الصوتية.
3- دعم مشروع الرعاية الصحية الشاملة في مدينة المسلمين التابع للجنة الدعوة الإسلامية.
٤- كفالات لمرتبات الطبيبات في مستشفى «أفغان سيرجكل»، وكفالة طبيبة للنساء، وأخرى للأسنان، وبعض الممرضات في مستشفى الاتحاد، وكفالة طبيب في مستشفى النساء للأنف والحنجرة.
5- توزيع الملابس والأغطية والأغذية للمرضى في المستشفيات على مدار السنة، وحسب المناسبات.
رابعًا: المشروع الإعلامي:
1- مجلة «ذات النطاقين»، وكانت بدايات هذا العمل إفراد أربع صفحات في مجلة الجهاد لشئون المرأة، وبعد فترة وبتشجيع من الشيخ عبد الله عزام، مع دعم بعض الإخوة للمشروع، أصدرت اللجنة مجلة نسائية، وفي آخر لقاء عائلي للشيخ عبد الله عزام مع أسرته تعهد بطباعة المجلة الجديدة التي اختار لها اسم «ذات النطاقين» نسبة إلى أسماء ودورها في دعم الجهاد النبوي وبخاصة في الهجرة.
ثم كتب الشيخ عبد الله عزام المقال الافتتاحي للعدد الأول الذي صدر بعد أيام من استشهاده -رحمه الله- عام ۱۹۸۹م، واستمر صدورها حتى توقفت في سنة ١٩٩٣م لتبقى معلمًا يشير إلى دور المرأة المسلمة في الجهاد.
2- دعم مشروع طباعة الكتب الدعوية باللغة الفارسية ولغة البشتو وتوزيعها في مخيمات المهاجرين وفي خنادق المجاهدين.
3- تصوير مشروعات اللجنة النسائية على أشرطة الفيديو لتوثيق العمل النسائي.
هذا الجهد المتراكم من الأعمال كانت تديره ثلة صغيرة من المؤمنات بدور المرأة المسلمة في بناء الأمة ومستقبلها، وكانت الأعمال تتم بأعجوبة، ولا يصدق المتابع لهذه الأعمال أن وراءها رجلًا مجاهدًا وزوجته وابنتيه، مع أخوات مجاهدات لا يتجاوزن أصابع اليد يقمن بعملية التخطيط والتنفيذ، ويساعدهن المتطوعات أو العاملات في أداء هذه المهمة، وبعض الإخوة العاملين من أزواج بنات الشيخ، وبعض أزواج الأخوات في مجلس إدارة اللجنة، يدعمون أعمالهن بالمشورة والرأي والمعاونة في تنفيذ بعض الأعمال الضرورية، كل ذلك بفضل الله وعونه، وصدق التوجه.
فرحمة الله عليك يا شيخ عبد الله عزام، فقد منحت وقتك وبيتك ثم روحك الطاهرة لتسري الروح في الأمة من جديد.
وهذه وقفة ذكرى وعبرة.. تبقى مدى الأجيال لتشهد لأخوات أسماء ذات النطاقين وعلى رأسهن الحاجة المجاهدة أم محمد عزام، والبنتان الكريمتان فاطمة ووفاء، وكل صاحبة وفاء.. أن المرأة المسلمة تصنع الأعاجيب في عفة والتزام بما أباح لها الشرع الحنيف من أعمال الخير، ولعل الذين قامت هذه الكوكبة لخدمة أسرهم وأبنائهم وبناتهم يرعوون في إصلاح ذات بينهم احترامًا لدماء الشهداء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل