; عبد الله جيمناستيار قصة شاب يحاول إصلاح فساد الأخلاق في إندونيسيا | مجلة المجتمع

العنوان عبد الله جيمناستيار قصة شاب يحاول إصلاح فساد الأخلاق في إندونيسيا

الكاتب صهيب جاسم

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-2000

مشاهدات 106

نشر في العدد 1404

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 13-يونيو-2000

صعد نجم عبد الله جيمناستيار في مدينة باندونج الإندونيسية في الشهور الأخيرة، حيث نجح في كثير من جهوده لمكافحة أوكار الفساد في تلك المدينة الواقعة في غرب جاوة والمعروفة بجبالها وبانعقاد العديد من القمم الدولية والإقليمية فيها، وباحتضانها شركات حكومية عديدة كشركة الهاتف وصناعة الطائرات وأفضل المعاهد التقنية، يسكن أحد أحياء المدينة كان محل تجربة إصلاح أخلاقي، ففي أحد الأحياء المتخلفة مدنيًا، والمنحطة أخلاقية، عرف الناس جهود عبدالله (۳۷ عامًا) ذي العمامة البيضاء والشماخ العربي الذي يضعه على كتفه على الطريقة اليمنية المشتهرة في هذه البلاد.

ليس عبد الله برمز سياسي يسعى لنيابة في البرلمان وهو الأمر الذي انشغل به الكثيرون من الإسلاميين وغير الإسلاميين عن مهام أخرى ولكنه عرف بإلقائه محاضرات وتنظيمه ندوات في إدارة الأعمال وأنظمة الإدارة المفعمة بروح القيم الإسلامية، ومؤخرًا بدأ يتحرك بين طلبة الجامعات ليساعدوه في عمله وهو بذلك يستفيد من جو الحرية الذي ساد بعد سقوط الرئيس سوهارتو في مايو ١٩٩٨م، فقد انطلق هو وأصحابه إلى ضاحية ساريتم ذات الأغلبية الصينية المليئة بأوكار الفساد والملاهي الليلية، وصالات القمار ومهربي المخدرات والخمور مقتحمًا الحواجز الدينية والإثنية بأسلوب قد لا يتشجع السياسيون على فعله.

باندونج:

وفي باندونج اليوم ذاع صيت عبد الله في أوساط كثيرة، مسعود أفندي نائب رئيس برلمان المدينة قال إن جهود عبد الله تسهم في إنقاذ المدينة التي أكرهت على إبقاء مواخير الفساد في جنباتها، وأضاف: «لا أحد في البركان يعارض ما يفعل فكنا نريد أن ملف المدينة ولم يستطع أحد منا إنجاز ذلك» أما الشيخ إمام شرف الدين الذي يبلغ من العمر ضعف عمر الشاب عبد الله فيقول مستبشرًا خيرًا بأنباء عبد الله: «عندما كان سوهارتو يحكمنا لم يكن بوسعنا فعل ذلك، أما اليوم فنحن أشجع من ذي قبل» وهذه نتيجة جزئية للتحول من المركزية في الحكم إلى الإقليمية وعدم تدخل حكومة جاكرتا تدريجيًا في الهموم المحلية للسكان، وقد بدأ تنفيذ الكثير من جوانب الحكم الذاتي للمدن والأقاليم بعد أن أقر في عهد الرئيس السابق بشار الدين حبيبي، ويدخل في ذلك شؤون الصحة والتعليم والبلديات والبنية التحتية، ومن المفترض أن تكون الجوانب الفنية لذلك قد اكتملت قبل الأول من مايو الجاري بالرغم من معارضة البنك الدولي لذلك.

وبسبب عدم التزام الكثيرين بالإسلام التزامًا صحيحًا خاصة من غير المتعلمين، فإن القمار وبيع المخدرات وتجارة الهوى تتم بشكل غير قانوني، ولكن القانون لا يطبق ضدهم، فقد حصل اختراق القانون تحت غطاء الفساد المالي ورشوة المسؤولين وزادت الأزمة طين الفساد بلة، حيث زاد الفقر وانتشرت المخدرات بثلاثة أضعاف حجم الكميات التي كانت تباع قبل الأزمة – حسب تقارير الشرطة– والفقر كما نعلم باب للفساد الأخلاقي والتدهور في كل شيء.

وقد حصلت حوادث متفرقة تشير إلى غضب الفئات الملتزمة من المسلمين مما يحدث أمامهم، ففي فبراير الماضي هاجم مئات من الشباب المسلم فندقًا في مدينة تشيبينونخ الواقعة على الطريق بين جاكرتا وباندونج وذلك لسماح الفندق لبائعات الهوى بالعمل فيه وحطم أثاث فندقين بالقرب منه كذلك وقال أحد الأئمة هناك عندما سئل عن قيام الشباب بذلك. 

إن بنات المنطقة الفاسدات يتصرفن بدون أي حياء وبما يتنافى مع قيمنا وأخلاقنا، وقال سياني هدايت: لو لم نفعل ذلك لتحولت الضاحية إلى حي أحمر، ومع أن مثل هذه الحوادث قد حصلت سابقًا وفي جاكرتا نفسها خاصة في شهر رمضان لكنها ارتفعت عددًا بعد تسلم عبد الرحمن وحيد الرئاسة في أكتوبر الماضي وبعد مرور عقد من الزمان على صدور القرار بإغلاق حي الملاهي الليلية الرسمي الوحيد في جاكرتا (!)

نفذ القرار في ديسمبر الماضي تحت ضغط الإسلاميين الذين لا يمكن إهمال آرائهم من قبل أعضاء مجلس الوزراء أو البرلمان، وهذه الظاهرة بالطبع سيكون لهذا الأثر البالغ على السياسة الإندونيسية في المستقبل، ولكن كيف سيكون هذا الأثر؟ وما مداه؟

هذا ما لا يبدو واضحًا في ظل الاعتقاد باستمرار السلوكيات السياسية السائدة في أروقة الوزارات والبرلمان ومراكز الأحزاب الكبيرة، فقد لا يسمح بعض الأحزاب بالتغيير مع أنها جاءت تحت راية الإصلاح والتغيير. 

نعود لعبد الله جيمناستيار فقبل أن يتوجه إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج الموسم الفائت جمع مؤيديه الذين يلبسون عمائم بيضاء أو قلنسوات سوداء مع لباس يشبه اللباس العسكري ليلقي عليهم درسًا فيمتلئ المسجد الواقع في شمال غرب مدينة باندونج ولم تكن النساء بغانيات فقد خصص لهن مكان مستقل كما هو معتاد، وقد زاد تأثيره في الضاحية التي يعيش فيها، وفيها العديد من الأعمال التجارية والخدمية، وهو بنفسه رجل أعمال تقدر أموال مؤسسته بستة مليارات روبية (۷۸۰ ألف دولار)، وأعماله تسير بنجاح على امتداد الإقليم ويخضع جميع موظفيه لبرامج تربوية وإدارية، كما ترسل الشركات الأخرى إليه المئات من موظفيها لتدريبهم.

ومع أنه يشعر بالحمل الثقيل بسبب ورود الناس عليه إلا أنه لايزال يحمل في نفسه أمل العمل على إصلاح حال ثالث مدن جزيرة جاوة ذنوبًا –على حد قوله– وهدفه أن يجعل من باندونج مثالًا للمدن الإندونيسية الأخرى.

بدأ عبد الله محاولته لإصلاح ضاحية ساريتم في ديسمبر الماضي مستخدمًا أسلوب النصح والتفاوض والحوار مع أهالي الحي وتجار الرقيق الأبيض والمخدرات وحتي مركز الشرطة المواطئ معهم لكن مؤيديه أرسلوا رسائل تحذيرية وعلقوا شعارات على جدران البيوت والمحلات محذرين من عواقب الاستمرار في الإفساد وكتب على أحدها «لنجاهد معًا ولنمح المظاهر الفظيعة» لم تمح المظاهر الفظيعة من المدينة تمامًا، لكن مرتكبيها تلقوا ضربة قاصمة على الأقل، فحسب اعتراف أحدهم وهو من أصل صيني، فإن أعماله السوداء قد ضرب ثلاثة أرباعها، ويبدو على زملائه في المهنة أيضًا عدم الرضا لكن الجنرالات في المنطقة دعموا عبد الله خفية وهذا ما كان مهمًا في محاولات الإصلاحية بعد أن سحبوا حمايتهم المعروفة سابقًا لصالات اللهو والقمار، فقد ركز عبد الله على بناء علاقة وثيقة متبادلة مع الجيش ليؤثر فيهم وليستفيد من حوله من الشباب من الجيش فيحضروا دورات تدريبية في ثكنات الأكاديمية العسكرية، وهو مؤشر حسن على أن الجيش – أو على الأقل طائفة من قياداته– بدأ يبحث عن حلفاء جدد ذوي صفحات انصع في بياضها ونقائها من أي فساد مالي أو أخلاقي أو غير ذلك. 

بل إن عبد الله قد دعي إلى إحدى الثكنات وقد تقدم لينضم إلى الجيش لكنه كان أقصر من الطول المطلوب بخمسة سنتيمترات ليلقي محاضرات على أكثر من ١٥٠٠ جندي وقد أبكاهم وهو يقول في معرض حديثه وتذكرته: «إنكم لن تكسبوا قلوب الناس بعضلاتكم وبنادقكم.. ولكن بقلوبكم وأخلاقكم».

أما على مستوى الإدارة المحلية فقد أيقظت تحركات عبد الله وإخوانه القيام من موظفي الدولة فتراهم اليوم مشغولين بإعداد الخطط والبرامج لمعاونة عبد الله في هدم الحي الأحمر سلامية السوداء وبناء مسجد ومدرسة دينية وساحة وموقف سيارات مكانه وقد وافق المحافظ على توفير ستة مليارات روبية في السنوات الثلاث الأولى وستزال أنشطة ٧٨ قواد من تجار الرقيق الأبيض الصينيين وتوجه بائعات الهوى المسلمات أصلًا أو من تتوب منهن الدراسة في المدرسة لإعادة تأهيلهن، أما محاضرة عبد الله التي ألقاها قبل الحج، فقد سجلت على الشرطة لتوزع كغيرها من المحاضرات وتذاع عبر الراديو المحلي وتفرغ وتطبع لتقرأ. 

أملنا في الله تعالى أن يعالج أحوال ذلك البلد الذي تلقى الكثير من المحاولات التنصيرية وبعد فشل كثير منها كان الإفساد هو البديل ولذلك فالبلاد بحاجة إلى العشرات أو قل المئات من أمثال عبد الله جيمناستيار على مدى سنوات ليستقيم حالها.

الرابط المختصر :