العنوان عبد الله بن رواحة وآخرون
الكاتب د. محمد عادل الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1978
مشاهدات 119
نشر في العدد 401
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 27-يونيو-1978
كثير من الأحكام الأدبية التي عرضت لشعر عصر صدر الإسلام، ووسمته بالضعف واللين كانت أحكامًا عاجلة النظر، لم تقيض لها الدراسة الشاملة المستأنية التي تعتمد جمع المادة الشعرية وتقويمها؛ لذا كانت بعض الدراسات التمهيدية الجديدة لشعر وشعراء هذا العصر حافزًا لمن يروم الدراسة الشاملة، وموطئة له بالأطلال على خصائص الشعراء ومياسمهم الفنية وذلك في الطريق إلى تكوين نظرة جديدة تعتمد في تقويم النتاج الفني مدى تمثيل الطاقات الشعرية، في عصر صدر الإسلام، لتيار الحياة الجديدة وسلم قيمها وآفاق تصورها وتطلعاتها.
ولعله، حين استعراضنا لجهمرة الشعراء الذين صبوا نتاجهم الفني في هذا العصر لتهولنا كثرة الأسماء وغزارة الشعر، مما يضيق عنه مجالنا المحدود.
فبعد وقوفنا فيما سبق بعض الوقت عند حسان بن ثابت وكعب بن مالك، سنكتفي بالمرور العابر ببعض هذا العدد الكبير وبلمسات سريعة لأشهر ما قالوه لكي تستبين صفحة العصر الفنية ولو في خطوطها العريضة ويتألق دوره الكبير الذي ظل مطويًا عن النفوس والوجدانات أمدًا طويلاً.
عبدالله بن رواحة ثالث الشعراء الذين وقفوا إلى جانب الرسول صلى الله عليه وسلم بسنانهم وبيانهم، وثالث القادة الشهداء في مؤته، حمل اللواء وقضى شهيدًا، كان جليل القدر سيدًا في الجاهلية.
أما في الإسلام فقد شهد العقبة مع السبعين من الأنصار وكان أحد النقباء الاثني عشر من يثرب الذين بايعوا الرسول على الإيواء والنصر، خاض الحروب جميعًا مع رسول الله وأبلى فيها البلاء الحسن، فكان فيها أول خارج وآخر قافل. كان مؤمنًا خلصت نفسه للإسلام فبرئت من كل شائبة بجاهلية، فكان رسول الله يحبه لذلك ويؤثره.
كان ابن رواحة أحد الشعراء الذين ندبهم رسول الله لمهاجاة الشعراء المشركين، وكان يستنشده ويستحسن شعره، قالوا: كانت قريش في جاهليتها تجزع من شعر حسان ولا تبالي بشعر ابن رواحة؛ لأن حسانا كان يطعن في أحسابهم ويريعهم بالهنات التي تنال من عزتهم الجاهلية، وكان ابن رواحة يعيرهم بالفكر. فلما أسلموا كان شعر ابن رواحة يحز في قلوبهم حزًّا، وهذا ما يفسر لون الشعر الذي كان يقرضه وبقربه الشديد من تمثيل العقيدة الإسلامية من خلال التصور الإسلامي.
لم يصلنا من شعر ابن رواحة إلا القليل فقد ضاع أكثره، وإن كان القليل مما تبقى يمنحنا صورة فنية مشرقة تترجم عن مشاعر الإنسان المؤمن. روى هشام بن عروة عن أبيه قال: سمعت أبي يقول: ما سمعت أحدًا أجرأ ولا أسرع شعرًا من عبدالله بن رواحة فقد قال له الرسول يوما: قل شعرًا تقتضيه الساعة وأنا أنظر إليك، فانبعث من مكانه مرتجلًا يقول:
إني تفرست فيك الخير أعرفه
والله يعلم أن ما خانني البصر
أنت النبي ومن يحرم شفاعته
يوم الحساب لقد أزرى به القدر
فثبت الله ما أتاك من حسن
تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا
وحين خروجه إلى مؤتة دعا له ومن معه من المسلمين أن يعيده ومن معه سالمين فأجاب مؤثرًا جوار الله بالشهادة في سبيله:
لكنني أسال الرحمن مغفرة
وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حراب مجهزة
بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي
أرشده الله من غاز وقد رشدا
وقد استغرقه أمل الشهادة حتى إذا ما خرج ليلة في سفر إلى مؤته أنشد مناجيًا فرسه يبشرها بتحريرها من الأسفار فلا عودة إلى بلاد النخيل؛ لأنه قد عزم على شد الرحال إلى جوار ربه.
إذا أريتني وحملت رحلي
مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك أنعم وخلال ذمم
ولا أرجع إلى أهلي ورائي
وجاء المسلمون وغادروني
بأرض الشام مشتهي الثوائر
وردك كل ذي نسب قريب
إلى الرحمن مقطع الإخاء
هنالك لا أبالي طلع بعل
ولا نخل أسافلها رواء
وفي موقعة مؤتة التي كان فيها عدد الروم يفوق عدد المسلمين خمسين ضعفًا حمل زيد بن حارثة اللواء حتى استشهد، وخلفه جعفر بن أبي طالب حتى استشهد؛ فحمل اللواء عبدالله بن رواحة وانطلق يزجر كل بارقة تردد في نفسه وقد استروح نسائم الجنة وهو ينشد.
أقسمت يا نفس لتنزلنه
لتنزلن أو لتكرهنه
قد طال ما قد كنت مطمئنة
جعفر، ما أطيب ريح الجنة
وقاتل حتى أخذته السيوف ونال رضوان ربه.
ولعلنا في غنى عن التنويه بما تنطق به هذه القوافي من صفاء ونصاعة تصدران عن وجدان يترقرق بحب الشهداء، إنه لأفق رفيع لو أتيح للنفوس الصادقة بعد هذا العصر أن تؤصله في ميدان القريض، مشاعر وتجارب لكان لنا ملحمة وجدانية ينفرد بها شعرنا العربي في ميادين الشهادة والبطولة والفداء.
أما صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول صلى الله عليه وسلم وشقيقة حمزة ووالدة الزبير بن العوام فقد انثال شعرها النسائي المتفجع مثالًا للعاطفة المتدفقة يثريها الإيجاب وتمدها الشاعرية الصافية مدللة بنتاجها الفني وهي قريبة رسول الله، على أن الإسلام كان مددًا وغنى لآفاق شعرنا العربي، ومنطلقا له نحو آفاق عليا شاملة.
رثت صفية رسول الله بمقطوعات عديدة استطاعت أن تجلو في بعضها مقام الرسول الكوني، وطرفًا من آفاق رسالته الشاملة، فكان شعرها من أصفى ما قيل في هذا المقام، ها هي تذرف الدمع على من اصطفاه الله لنشر نور الإسلام الذي يبدد الظلمات:
(بحثت عن هذه الأبيات فلم أجدها.. وإنما نسبت إلى غيرها)
أعيني فاستحقرا واسكبا
بوجد وحزن شديد الألم
على صفوة الله، رب العباد
ورب السماء وباري النسم
على المرتضى للهدى والتقى،
وللرشد والنور بعد الظلم
على الطاهر المرسل المجتبى
رسول تخيره ذو الكرم
ثم ها هي تفيض في صفات النبي التي أشرقت لها الدنيا فكان، كما أراد الله، رحمة للعالمين وخاتمًا للمرسلين:
عين من تندبين بعد نبي
خصه الله ربنا بالكتاب
فاتح، خاتم، رحيم، رؤوف،
صادق القيل طيب الأثواب
مشفق ناصح شفيق علينا
رحمة من إلهنا الوهاب
كما تمضي في قطعة أخرى تجلو هذه الصفات المشرقة لرسول الله معالم خير ترود الإنسانية، سائلة الله له الجنة:
طيب العود والضريبة والشيم
محض الأنساب، وأرى الزناد
أبلج صادق السجية، عف
صادق الوعد، منتهى الرواد
ثم ولى عنا ، مفيدًا، حميدًا
فجزاه الجنان رب العباد
ولا تخطئنا الثقافة القرآنية التي قبست منها شاعرتنا صفات الرسول صلى الله عليه وسلم، ومهمته الكونية، بجوار الشاعرية الفياضة برفات فنية رقراقة.
ويحين المقام لتأليق أثر الدعوة في صهر النفوس وتحويلها وكأنها خلقت من جديد، هذا عبدالله بن الزبعري كان قد نصب سهام شعره لهجاء الإسلام والمسلمين حتى ما بعد فتح مكة، ثم ثاب إلى الحق وآمن برسول الله فإذا بالندامة تعتصر فؤاده، لما فرط منه في جنب الإسلام ورسوله وإذا بتجربته الإعزارية التالية ترقى إلى المستوى الوجداني الرهيف الذي يفوق ما عرفناه من ألوان الاعتذار، وشتان بين اعتذار يأته المؤمنة الصادقة واعتذاريات النابغة المكتسبة يقول عبد الله في إحداها:
يا رسول المليك إن لساني
راتق ما فشقت إذ أنا بور
إذ أباري الشيطان في سنن
الغي ومن مال ميله مثبور
آمن اللحم والعظام لربي
ثم قلبي الشهيد أنت النذير
ويقول في أخرى يقص فيها مشاعر نفسه النادمة المستغفرة:
منع الرقاد بلابل وهموم
والليل معتلج الرواق بهم
مما أتاني أن أحمد لامنني
فيه فبت كأنني محمـوم
يا خير من حملت على أوصالها
عیرانه سرح اليدين رسيم
إني المعتذر إليك من الذي
أسدیت إذ أنا في الظلام أهيم
أيام تأمرني بأغوى خطة
سهم وتأمرني بها مخزوم
فاليوم أمن النبي محمد
قلبي، ومخطئ هذه محروم
مضت العداوة وانقضت أسبابها
ودعت أواصر بيننا وحلوم
فاغفر، فدى لك والداي كلاهما،
زللي، فإنك راحم مرحوم
وعليك من سمة المليك علامة
نور أغر وخاتم مختوم
أعطاك بعد محبة برهانه
شرفًا ، وبرهان الإله عظیم
ونختتم حلقتنا بشاعر من شعراء البادية شديد العارضة والبيان، فارس قومه وسيدها هو ابن الخنساء الشاعرة ومن الذين حرموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية، إنه العباس بن مرداس، أسلم قبيل الفتح بقليل وقد وافى الرسول بألف من بني سليم وكأنا به رغم بدويته الجافة كان مهيأ لتشرب مبادئ الإسلام، حتى إذا استقام إسلامه قال قصيدته التالية التي تعقد مقارنة جميلة بين حياة الضلال التي كان يرسف فيها وآفاق الهدى التي انتقل إليها، ولعلها من القصائد القليلة التي نحت هذا الأسلوب من الموازات.
لعمري إني يوم أجعل جاهرًا
ضمارًا لرب العالمين مشاركًا
وتركي رسول الله والأوس حوله
أولئك أنصار له، ما أولئكا؟
كتارك سهل الأرض والحزن يبتغي
ليسلك في غيب الأمور المسالكًا
فأمنت بالله الذي أنا عبده
وخالفت من أمس يريد المحالكًا
ووجهت وجهي نحو مكة قاصدًا
وتابعت بين الاخشيين المباركًا
نبي أتانا بعد عيسى بناطق
من الحق فيه الفضل منه كذلكًا
أمينا على الفرقان أول شافع
وآخر مبعوث يجيب الملائكا
ولا يفوت شاعرنا أن يجلو مقام الرسو ل الكوني ومكانه من البشرية مدلِلًا على ضخامة الدور الكبير الموسد له ألا وهو هداية البشرية وجمعها على الحب والإخاء.
رأيتك يا خير البرية كلها
نشرت كتابا جاء بالحق معلمًا
ونورت بالبرهان أمرًا مدمشًا
وأطفأت بالبرهان نارًا مضرمًا
فمن، مبلغ عني النبي محمدًا
وكل أمري يجزى بما قد تكلما
تعالى علوًا فوق عرض إلهنا
وكان مكان الله أعلى وأعظم
ولعل بعد استعراضنا لشعراء هذه الحلقة ومدى تصويرهم الآفاق الدعوة الإسلامية نخرج بنظرة جديدة قلما رآها الباحثون وهي هؤلاء الشعراء الأربعة، قد طرقوا باب الشاعرية الإسلامية ومضوا فيها قدمًا وعبدوا منها سبلًا، وكانوا معبرين فيما استعرضنا لهم ممن نصوص عن تفاعل مع الدعوة الإسلامية واستعداد جيد للتعبير الفني عنها، وإن كانوا من ذلك في أول الطريق فحقهم علينا أن نذكر لهم نتاجهم الفني الذي يعكس تجاربهم عن الحياة الجديدة بظلالها وألوانها مثلها، وأن ينالوا منا الاهتمام اللائق بشعراء كان لهم دورهم وتجديدهم في عصر مرهص بالتحول الكبير نحو الازدهار والنهضة وتبوئ أمتنا للدور الحضاري القيادي في العالم والسلام.