; نحن والحضارة | مجلة المجتمع

العنوان نحن والحضارة

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 03-فبراير-1987

مشاهدات 76

نشر في العدد 803

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 03-فبراير-1987

·       بعض العرب والمسلمين ظنوا أن الإسلام سبب تخلفهم فانسلخوا منه فما زادهم ذلك إلا تبارًا.

هل التخلف مكتوب علينا إلى الأبد؟ وهل قدرنا أن نكون دائمًا تحت سيطرة الغرب؟ غذاؤنا منه وكساؤنا منه وسلاحنا منه وحاجاتنا كلها منه؟

أليست هذه الصناعات نتيجة الحضارة الغربية؟ فلماذا لا نأخذ بأسبابها وندرس كما درسوا، ونعمل كما عملوا؟ خاصة وقد انطلقت حضارتهم من الحضارة الإسلامية، والعقول البشرية كلها لا تختلف في الأصل كما يقول علماء الأجناس المحدثون، ولماذا يصر بعضنا على مهاجمة الحضارة الغربية والغرب ولا يقدم بديلًا، ولا يرشد إلى طريق الصواب؟

قال أحد الكتاب: «دخلت يومًا مسجدًا في أحد البلاد الإسلامية لأداء صلاة الجمعة، وما إن جلست حتى رقى الخطيب المنبر، فكانت خطبته كلها هجومًا على الغرب، وعلى حضارة الغرب، فتطلعت إلى الخطيب فإذا هو يلبس جبة من الصوف الممتاز من الصناعة الإنجليزية، ولمست السجاد الذي نجلس عليه في المسجد فإذا هو من الصناعة الإيطالية، والمكيف الذي ينعش الجو ويبرده صناعة أميركية، ومكبرات الصوت من صناعة اليابان، وقلت أنا وربما عندما انتهت الصلاة لو نظرت إليه وهو خارج من المسجد سترى السيارة التي يركبها، قد تكون صناعة ألمانية أو أميركية أو يابانية، فلن تجد سيارة صناعة عربية أو من بلاد إسلامية أبدًا، ولو وجدتها ستجد أنها جمعت قطعها فقط في أحد البلاد العربية أو الإسلامية التي تعتبر متقدمة نسبيًّا، ولن يشتريها أحد حتى من باب التشجيع.

فيجب أن نشعر بأن هذه النعم التي نتمتع بها هي نتيجة للحضارة الغربية، وأنه بدلًا من أن نصب جام غضبنا عليها، أن نرشد قومنا إلى ما يجب أن نعمله، لنلحق بركب الحضارة حتى نستغنى عن الغرب ولا نكون عالة عليه فيكون منا المتخصصون في كل المجالات الصناعية، ولابد أولًا أن يكون الناس كلهم يعملون، فلا يأكلون إلا من كد أيديهم، وكل يعمل بقدر طاقته وفي مجال تخصصه، فالغربيون الذين نهاجمهم دائمًا في خطبنا وكتاباتنا، ونشكو من ظلمهم واستعمارهم واستغلالهم لنا، ونتطلع لنكون مثلهم في القوة والرقي، يقدسون العمل، ويتفانون فيه، فمن بزوغ الفجر تراهم كالسيول ذاهبين إلى أعمالهم، راجلين وراكبين، وتجد الشوارع كلها تتحرك بالبشر، كل في طريقه إلى غايته، وإذا باشروا أعمالهم اشتغلوا بكل أحاسيسهم ومشاعرهم وجوارحهم، واشتغلت معهم الآلات والأجهزة، كل ذلك من أجل إتقان العمل، وجودة الإنتاج.

وفي الدول الرأسمالية كل مواطن مسؤول عن نفسه، سكنه وأكله وملبسه، وفي الدول الاشتراكية ضمانات الأكل والسكن لا تكون إلا مع بطاقة العمل، والذي لا يعمل يموت جوعًا.

فبالعلم والعمل تقدموا وتحكموا في مصائر الدنيا كلها، أما نحن فقد أسقطنا العمل من حسابنا، ونريد حقوقًا بلا واجبات، وإذا كلفنا بالعمل وذهبنا إليه نذهب متثاقلين متكاسلين، لا يكاد الواحد يباشر العمل حتى يشعر بالضيق والملل ولا ينتظر إلا اللحظة التي يقبض فيها مرتبه، ليبدده في الكماليات ويظن أن التقدم والحضارة هو في اقتناء أحدث «الموديلات» مما يصنعه الغرب من سيارات وأثاث وغير ذلك، وحتى الأعمال البسيطة والخاصة لم نعد نقوم بها، فأكثرها يقوم بها الخدم في البيوت، أصبحنا نعتمد عليهم في كل شيء، وبعض شبابنا يرى من النقص أن يشترى حاجات منزله من السوق، فيكلف بها الخادم كما أن بعض الفتيات الجامعيات تستعلي عن حمل كتبها، فترى الخادمة تمشي وراءها وهي تحمل كتبها، ولو كتابًا واحدًا، ففي الغرب ترى الوزير يعمل في حديقته بنفسه، فهو يشذب الأشجار، ويسقيها، وربة البيت تقوم بإصلاح كل خلل في المواسير والحنفيات وتعد الطعام، وكل ما يلزم، فلا تستخدم أحدًا في بيتها إلا في الحالات التي تتطلب ذلك، مما لا تستطيع أن تقوم به، فما نحسبه نحن من الرقي والتقدم هو في الواقع من التخلف الحضاري والفكري، ولنا في رسولنا الكريم أسوة حسنة فقد كان يخصف نعله، و يرقع ثوبه، ويحلب شاته، ويقضي حوائجه من السوق، فلا يتكل على أحد فيما يمكنه أن يقوم به، وكذلك كان أصحابه الكرام فقد كانوا قمة في التواضع، والجد في العمل، فكثير مما نعتبره اليوم من أخلاق الغربيين هو في الواقع من أخلاق الإسلام، فتجدهم يعتمدون في معاملاتهم على الصدق والأمانة واحترام الكلمة والوفاء بالوعد، وقل أن تجد عندهم من يغشك أو يكذب عليك، أو يفترض فيك الغش والخداع عندما يعاملك، ويقل عندهم الحقد والحسد والكبر، ويتفانون في أداء واجباتهم، وعندما تطلب مساعدة أحد في مشكلة تعترضك يرشدك، ويقدم لك كل ما يستطيع من خدمة بصدر رحب، وعندما تركب في حافلة، أو تدخل في مطعم أو مكان عام، لا تسمع جلبة ولا أصواتًا منكرة، ولا تجد مضايقة من أحد بجوارك وعندما تقف أمام محل مزدحم بالمراجعين فلا أحد يتقدم عليك أو يتجاوزك، أو يدفعك، أو يسيء إليك بل تأخذ دورك بكل هدوء وراحة واحترام، فلا تجد موظفًا يتجاهلك، أو يقلل أدبه معك، أو يسمعك كلمة نابية أو يخاطبك بغيظ وعنف بلا سبب، فأساس المعاملة بين الناس الآداب والاحترام والثقة، وهناك أيضًا احترام للمال العام، وحرص على المصلحة العامة، واهتمام بنظافة الشوارع فيحرص الواحد على نظافة الشارع، كما يحرص على نظافة بيته، وأطفالهم مؤدبون فلا يؤذون أحدًا من المارة ولا الطيور ولا الحيوانات، وكل يمشي في عمله ودربه، أليست هذه هي أخلاق الإسلام التي نفتقدها نحن؟ أما ما يقال عن التشبه بالكفار فالتشبه المنهي عنه هو التقليد في الاعتقاد الديني والعبادات، وما يتعلق بالعادات السيئة كالخلاعة وشرب الخمر، وما يتبع ذلك من خروج على الدين والأخلاق، مما ابتلوا به هم، ويعد من سيئاتهم ومع الأسف فإن هذا هو الذي سارعت مجتمعاتنا في تقليدهم فيه، أما المحاسن التي هي من صميم ديننا، فبيننا وبينهم فيها بعد المشرقين.

إن الحل الوحيد لتقدمنا هو أن نلتزم بالقيم الإسلامية ونرتفع عن مستنقع القيم البدائية، والعادات الاجتماعية الجاهلية، ونترك التقليد الأعمى الساذج، وبذلك فقط نضع أنفسنا في المسار الصحيح، فنملك زمام أمرنا، ونلحق بركب الحضارة، ونقود البشرية لنؤدي رسالتنا في الحياة، فنستحق وصف الله لنا ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ(آل عمران:110) فكيف نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونحن في مؤخرة القافلة، ليس لنا من الأمر شيء ولا نزيد عن كوننا سوقًا استهلاكية للغرب، يتحكم في مصائرنا بقوته العسكرية والاقتصادية فاعتبروا يا أولي الأبصار.

وبعض العرب والمسلمين ظنوا أن الإسلام هو سبب تخلفهم فانسلخوا منه، واعتنقوا مبادئ الليبرالية والشيوعية والاشتراكية وغيرها من المذاهب العلمانية، ولكن المجتمعات التي يحكمونها ظلت على تخلفها، بل ازدادت تخلفًا وتفككًا، وخضوعًا للدول الأخرى، وأصبحت دولهم غارقة في الديون، بسبب السياسات الخرقاء والفساد الاجتماعي واشتد الصراع بين الأجنحة والعناصر المختلفة.

ودخلت الدول الإسلامية في صراع بينها، وأنفقت أموالها وسخرت إمكانيات شعوبها في استيراد السلاح من الدول الرأسمالية والشيوعية، وكانت فرصة نادرة للدول الكبرى في تسويق سلاحها ونهب موارد الدول الإسلامية، في مقابل السلاح الذي لم تستفد منه إلا في تدمير بعضها بعضًا، بينما أعداء الأمة الإسلامية في أمن وأمان يتفرجون على المعارك الدائرة بين المسلمين، يقتل بعضهم بعضًا ويكيد بعضهم لبعض، وقد نسي المسلمون أن حضارتهم انهارت في الأندلس بسبب الصراع بين إمارات الطوائف، والتاريخ الآن يعيد نفسه، فمنهم من يقبض بذيل روسيا، ومنهم من يقبض بذيل أميركا، أما حبل الله المتين فلم يقبض به أحد، والقرآن كتابهم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يناديهم ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (آل عمران:103) ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ (الأنفال: 46)، وكل العرب وهم صغار في المدارس يرددون قصة عبدالملك بن مروان عندما جمع أولاده وأراهم الرماح بيده وكيف أنه لم يستطع كسرها عندما كانت مجتمعة، وكيف تكسرت عندما كانت متفرقة، وقال في ذلك شعرًا:

كونوا جميعًا يا بني إذا اعترى

                          خطب ولا تتفرقوا آحادًا

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرًا

                          وإذا افترقن تكسرت أفرادًا

ولكن بعد أن يكبروا ينسون كل ما قرأوه عن الوحدة والاتحاد والتضامن ومازالوا يدورون حول أنفسهم في حلقة مفرغة، ولم ينالوا من التقدم والحضارة إلا القشور والمظاهر الجوفاء كالعروض العسكرية والمهرجانات والفرق الفنية، ودور السينما ومؤسسات ووزارات لا حصر لها.

ألقاب مملكة في غير موضعها

                           كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد

﴿وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (العصر:1-3).

الرابط المختصر :