العنوان عبدالرحمن سوار الذاهب.. جنرال القلوب
الكاتب عبده مصطفي دسوقي
تاريخ النشر الخميس 01-نوفمبر-2018
مشاهدات 56
نشر في العدد 2125
نشر في الصفحة 35
الخميس 01-نوفمبر-2018
كثير من الناس يولدون ويموتون، ولا يتذكرهم أحد، والقليل منهم من يترك ذكراه أثراً في نفوس الجميع بأعماله ومواقفه العملية التي تجعل القلوب تتعلق بهم دائماً.
ويعد عبدالرحمن سوار الذهب واحداً من الذين سطروا لحياتهم كلمات حفرت بمداد من نور، ومواقف جعلت القلوب تتذكر أصحاب الهامات العالية، والإرادة القوية في التصدي لنزعات القلب، وصراعات النفوس.
ولد عبدالرحمن محمد حسن سوار الذهب عام 1354هـ/ 1934م، بمدينة الأبيض شمال كردفان بالسودان، التي تلقى تعليمه الابتدائي فيها، وحصل على التعليم الثانوي في مدرسة خور طقت الثانوية، قبل أن يلتحق بالكلية الحربية (الدفعة السابعة)، وبعدها حصل على الماجستير في العلوم العسكرية من جامعة مسلم العسكرية، وزمالة كلية الحرب العليا من أكاديمية ناصر العسكرية العليا بالقاهرة.
بداية الرحلة العسكرية
تخرج سوار الذهب ضابطاً في القوات المسلحة السودانية يوم 8 أكتوبر 1955م، وتدرج في الرتب العسكرية حتى وصل إلى رتبة فريق أول بالقوات المسلحة السودانية ثم رتبة المشير.
اشتهر سوار الذهب بكونه ضابطاً عسكرياً محترفاً وعلى قدر عالٍ من الكفاءة، كما عُرف بتدينه الشديد دون أن يعرف له عن انتماء سياسي لأي فصيل أو جماعة سياسية أو طائفة بالسودان.
شغل منصب رئيس هيئة أركان الجيش السوداني، ثم أصبح وزير الدفاع عام 1985م في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، وفي العام ذاته عُين قائداً أعلى للقوات المسلحة السودانية مع تمديد فترة عمله بالجيش لمدة سنة حسب قرار من رئيس الجمهورية.
لم تنل سياسة النميري رضا الشعب السوداني الذي ظل يتوجس منها خيفة بسبب الحروب مع الجنوبيين، والتضخم، وغياب العدل، وفضيحة تهجير الفلاشا لدولة الاحتلال عن طريق السودان ومطارها، فدفع ذلك الشعب إلى التحرك في مظاهرات عارمة أثناء وجود النميري بأمريكا للعلاج، وأثناء عودته للقضاء على المظاهرات، تحرك الجيش بقيادة سوار الذهب، وأعلن انحيازه للشعب وثورته، وأطاح بالنميري الذي غير وجهة طائرته للقاهرة في أبريل 1985م.
وحول هذه الأحداث يقول: “فوجئنا بمظاهرات عارمة وعصيان مدني بلغ أننا كنا نجلس في الاتحاد الاشتراكي على نور الشموع، فطلبت بتحريك مظاهرة قوية تأييداً للرئيس النميري، وبالفعل تحركت مظاهرة لكنها كانت هزيلة جداً كنت على رأسها، وقتها أدركت أن النميري وحكومته لم يعد لهما شعبية وسط المجتمع.
ثم إنني بعد ذلك بوصفي قائداً عاماً للجيش السوداني قمت بجولة في وحدات القوات المسلحة (فرقة المدرعات، وفرقة المظليين، وفرقة المهندسين وكثير من هذه الوحدات)، واستمعت إلى الجنود وإلى آراء الضباط بالذات، وجدت أنهم يُجمعون على أنه لم يعد للرئيس نميري أي نوع من الشعبية ليظل في الحكم، فدعوت إلى اجتماع في القيادة العامة لكبار القادة العسكريين، وتشاورنا في الأمر، وكان يجمعنا أن الأمر أصبح الآن واضحاً، وحرصاً على السودان، وحقناً لدماء شعبه فلا بد للقوات المسلحة أن تأخذ جانب الشعب، وتعلن نهاية حكم الرئيس جعفر النميري، وعلى القوات المسلحة أن تتولى السلطة لفترة محدودة تجري خلالها انتخابات دستورية، ثم تسلم السلطة إلى ممثلي الشعب، وتعود بعد ذلك إلى ثكناتها، وفي 6 أبريل 1985م تم الإطاحة بالنميري.
جنرال القلوب
في وسط جنود، وقوة سلطانه، وبعد أن هدأت البلاد، ودان له الأمر بعد الإطاحة بالنميري، وأصبح الرجل الأول في السلطة؛ خرج ليعلن أنه سيسلم السلطة لحكومة مدنية ينتخبها الشعب، فوقعت هذه الكلمات كصواعق على قلوب الجميع، وتساءلوا: هل هذا الشخص طبيعي؟! كيف يترك إنسان سلطة وقعت في يديه؟! كيف يضرب بقدميه كرسي الحكم ويعود إلى صفوف الشعب؟!
لكن الرجل كان بعيد النظر، كان يعلم أن الكراسي لا تدوم، ولا تبقى إلا السيرة الطيبة للإنسان، حتى وإن جلس على الكرسي يوماً واحداً.
الآن يتذكر الجميع الفريق عبدالرحمن سوار الذهب الذي منحته الحكومة التالية رتبة المشير، يتذكرونه بالخير لزهده في السلطة، ولإعلاء مصلحة وطنه وشعبه فوق مصلحته الشخصية، وعلى مصلحة من شاركوه الإطاحة بالنميري.
ويعلق على هذه المواقف قائلاً: “ومن ثم انتهت الفترة الانتقالية والحمد لله، وأنا لا أشعر بأنني قمت بعمل خارق للعادة، لكن للأسف الأحزاب وصراعها لم تسمح لعجلة التنمية أن تتواصل”.
بعدها اعتزل سوار الذهب العمل السياسي ليتفرغ لأعمال الدعوة الإسلامية؛ حيث حقَّق إنجازات باهرة من خلال رئاسته لمجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية في السودان، التي شيَّدت الكثير من المدارس والمستشفيات والمستوصفات ومراكز الطفولة وملاجئ الأيتام والمساجد، كما أنشأت محطات للمياه، وحفرت مئات الآبار في أفريقيا، وغيرها من الأعمال الجليلة في العالم الإسلامي التي منح عليها العديد من الجوائز.
نهاية الرحلة
وفي صباح يوم الخميس 9 صفر 1440هـ، الموافق 18 أكتوبر 2018م، توفي الرئيس السوداني السابق عبدالرحمن سوار الذهب بالعاصمة السعودية الرياض، وقد أوصى بأن يتم دفنه في المدينة المنورة.