العنوان عاملان خطيران أوقعا أمريكا بغرام كاذب بالإسلام
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 05-فبراير-1980
مشاهدات 67
نشر في العدد 468
نشر في الصفحة 7
الثلاثاء 05-فبراير-1980
- بريزنسكي: يجب تحويل نهضة العرب لصالح أمريكا وإسرائيل والغرب
إذا كنا نحن المسلمين نؤمن بداهة أن قوى الشر العالمية بقيادة أمريكا وروسيا إنما تحاربنا؛ لأننا نقول ربنا الله، فما زال فينا من يمتري في هذا الأمر، ويجادل، مشتبهًا بهذه المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لأعدائنا في بلادنا، إنهم جشعون ماديون حقًا، ولكنهم يدركون أيضًا أن الإسلام هو السد المنيع أمامهم؛ إذن فليحطموه أو فليتجاوزوه، فإذا أضفنا إلى ذلك شهادات من أعدائنا تأكدت لدينا هذه القناعة، وانتبهنا لما يراد لنا.
عاملان خطيران:
نشر الصحفي الخبير بأزمة الشرق الأوسط ديفيد هيرسن مقالًا «بالجارديان» تاريخ 27/12/1979م، تناول فيه تحليلًا لمختلف الأوضاع السياسية التي مرت بدول الشرق الأوسط منذ بداية عقد السبعينيات، أقر فيه أن «صحوة الإسلام لا تخرج عن كونها مجرد مقياس لفشل العقائد العلمانية المتعددة، التي حاول دعاة التحديث فرضها ابتداء بعد الناصر، وانتهاء بالشاه»
وفي نهاية المقال خلص إلى أن هذه المنطقة تمر بأزمة لا يصلح التغلب عليها بالتدخل العسكري، بل حددها بقوله «فالأزمة التي تمر بها المدنية هي من ذلك النوع من الأزمات التي يمكن التغلب عليها ببساطة بواسطة الشعوب نفسها، وحقبة الثمانينيات ستكون شاقة ومؤلمة بالنسبة لهؤلاء، وكلما ازداد تدخلها بغير حذر في شؤونهم، كلما ازدادت المشقة والألم بالنسبة لبقية العالم».
والذي يفهم من كلام هذا المحلل الصحفي ذي الخبرة الميدانية ببلاد المسلمين أنه يقر أولًا: أن الأمور بدأت تؤول إلى الشعوب نفسها بعد ما ظلت -منذ رحيل الاستعمار- بيد حكم عسكري فردي، أو حزبي، أو ملكي وراثي، ويطالب ثانيًا: أن يكون التدخل بشؤون هذه الشعوب بحذر، لكن ما معنى هذا الحذر، وكيف يتم؟ فهذا متروك للسياسيين من أمثال اليهودي البولندي بريزنسكي كما سنرى فيما بعد.
- في عام (۱۹۷٧م) نشرت صحيفة يهودية ندوة عقدها معهد شيلوح للدراسات الاستراتيجية لبحث إمكانية السلام العربي الإسرائيلي، أجمع فيها الخبراء المشاركون إلى أن الجذور الإسلامية والعربية للزعماء العرب حتى لمثل السادات!؟ هي التي تحول دون تحقيق السلام مع العرب.
- ومنذ فترة قصيرة أجرت صحيفة «دافار» اليهودية مقابلة مع رابينوفتش أحد كبار الباحثين في معهد شيلوح المذكور، التابع لجامعة تل أبيب حول ظاهرة اليقظة الإسلامية، ونقلتها عنها مجلة الأمان اللبنانية عدد (٤٨).
يقول رابينوفتش في معرض إجابته عن سؤال عن المقصود باليقظة الإسلامية إنهم يتحدثون عن أربع صور لليقظة:
۱ - ارتفاع درجة الوعي الديني على المستوى الفردي والجماعي، وورع يجد تعبيره بالتردد على المساجد، ونشر الكتب الدينية.
۲ - ظهور حركات معارضة للأنظمة القائمة تتبع أساليب تنظيمية بمضامين إسلامية تسعى لتقويض الأنظمة.
3- اعتبار الإسلام وسيلة أو نقطة لقاء مع أنظمة قائمة «القذافي».
4- البعد الدولي لليقظة ومحاولات تنظيم حركات تضامن إسلامية لدعم السياسي «والتصدير» الإسلامي.
وحول تقدير قوة الموجة الدينية وأجاب رابنيوفيتش:
«إنه من الصعب إعطاء تقدير كهذا؛ لأن الأمور متعلقة -إلى حد ما- بردة الفعل التي ستأتي من داخل المنطقة وخارجها، فقد ساعد الخميني في السيطرة على السلطة حقيقة أن الأمريكيين -ومن مرحلة معينة- اعتقدوا بإمكانية التفاهم معه، ومارسوا الضغط على الجيش لعدم القيام بانقلاب وقائي، وإن أمريكا من هذا النوع من شأنه التأثير على مسيرة الأحداث في المنطقة كلها، كما أن غياب هذا الرد سيؤدي إلى تعاظم التيار الثوري، وأي رد غير حكيم ستكون له أصداؤه، حيث إن منطقتنا معقدة، وتشتمل على مجموعات عرقية ودينية، وأنظمة مختلفة، وبين جميع هؤلاء تتم لعبة القوى، ومجمل القول إنه من الصعب عليَّ أن أرى في الموجة الدينية الحالية ظاهرة ستصبغ وجه الشرق الأوسط ولفترة زمنية طويلة، فلربما تكون ظاهرة سنوات معدودة، لا ظاهرة عشرات السنين».
وفي النهاية قدم النصيحة للولايات المتحدة حيث قال «أما بالنسبة للأمريكيين فعليهم أن يجيبوا مثلما سبق أن قلت: إجابة حكيمة».
فما هي هذه الإجابة الحكيمة، وكيف تكون؟ لنترك الجواب أيضًا ليهودي آخر، يسهم بشكل فعال في صنع القرار السياسي الأمريكي كما سنرى.
- وهذا ناحوم غولدمان في مقابلة مع مجلة النهار العربي والدولي عدد (١٤٠)، تاريخ 7/1/1980م، يقول بصراحة متناهية إن الشرق الأوسط يجتاز حالياً أزمة حقيقية، ناتجة عن ثلاثة عوامل تاريخية، هي:
1- القوة المتزايدة للدول العربية على الصعيد الاقتصادي -لا سيما بسبب النفط- والسياسي، والعسكري.
٢ - نمو الحركات الإسلامية المتطرفة التي تجمع بين السياسة والدين، والتي يلتف حولها المزيد من المؤيدين.
3- الصراع الذي لم يحل منذ ثلاثين عامًا بين إسرائيل والدول العربية، والذي زادته المشكلة الفلسطينية حدة.
وناحوم غولدمان الذي رأس المؤتمر اليهودي العالمي طوال ثلاثين عامًا، وكان عضوًا بارزًا في الحركة الصهيونية حريص على مصلحة إسرائيل وبقائها، ويريد لها دورًا عبر عنه بقوله «وبعد قرون من الانحطاط ومن هيمنة القوى الاستعمارية عاد العرب إلى استقلالهم، وبفضل النفط تزداد ثروتهم كل يوم، وكل الظروف الموضوعية تلتقي وتشير إلى إمكان قيام مرحلة جديدة من النهضة الروحية والدينية والاقتصادية والسياسية في الشرق الأوسط؛ حيث تستطيع إسرائيل لعب دور تاريخي».
وهو لذلك يظهر دائمًا بمظهر اليهودي الموضوعي غير الصهيوني، ينتقد سياسة إسرائيل أحيانًا، ويطالب الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل والعرب لتحقيق السلام، ولتلعب إسرائيل «دورًا تاريخيًا» في نهضة الشرق الأوسط.
عاملان خطيران:
- وهكذا يتضح مما سبق أن هنالك عاملين خطیرين، هما:
۱ - الاتجاه إلى أيلولة أزمة الحكم والقرارات السياسية الخارجية من الأنظمة القائمة في الشرق الأوسط إلى أيدي الشعب، ممثلة في الثورات والانتفاضات المختلفة.
۲ - وأن هذه الانتفاضات لها مضامین إسلامية سياسية واجتماعية، وبصراحة أكثر بات منتظرًا أن تستلم الحركات الإسلامية الجادة بعض أنظمة الحكم.
وإذا حدث هذا في نفس الوقت الذي تزداد فيه قوة بلاد المسلمين السياسية والاقتصادية، فإن مصالح اليهود والولايات المتحدة وكل الطامعين في هذه البلاد -كما يتصورونها هم بالطبع- ستكون معرضة لخطر أكيد، فما الحيلة إذن؟!
لقد نصح السادة اليهود «بالتدخل الحكيم، والحديث عن الأساليب الأمريكية بهذا الخصوص يطول، ولكننا نؤثر أن نخص بالذكر هنا آخر هذه الأساليب وأخطرها، وهو التمسح بالإسلام، أو كما أسميناه من قبل «بالإسلام الأمريكي».
وخير من يعبر عن هذا الأسلوب صاحبه ومبتدعه -ضمن ما يسمى في السياسة الأمريكية الخارجية سياسة الاحتواء- اليهودي البولندي المستشار لشؤون الأمن القومي الأمريكي زبيغنيو بريزنسكي.
وهو بحكم وفائه ليهوديته وضع نظرية مفادها «أن العالم العربي مقبل على نهضة كبيرة؛ نظرًا لثرواته المادية والبشرية، ويجب أن تعمل السياسة الأمريكية على تحويل هذه النهضة لصالح أمريكا، وإسرائيل، والغرب».
غرام أمريكي بالإسلام!
ولقد اغتنمت أمريكا فرصة التدخل الروسي العسكري في أفغانستان المسلمة لترتدي زي الإسلام، وتطلق صفارة الجهاد المقدس ضدي روسيا الشيوعية، وذلك في محاولة منها لاستعادة مكانتها لدى حكومات بلدان المسلمين، ولتنفيذ مخططات لا بد أن تنسجم مع نظرية بريزنسكي التي سبق ذكرها، ونأتي هنا إلى المقابلة التي أجرتها مجلة یو. اس. آند دیرلد ريبورت الأمريكية مع بريزنسكي في مطلع هذا العام:
- يقول بريزنسكي «أولًا ينبغي أن نعلم أن العالم الإسلامي بعد مئات السنين التي قضاها في ظل الديمقراطية الأجنبية المباشرة بدأ يدخل في طور اليقظة الدينية والسياسية، وهذه اليقظة أو الانتفاضة يمكن أن تتخذ مظاهر إيجابية أو سلبية، ومن الواضح أن المصلحة الأمريكية تقتضي أن تكون هذه المظاهر إيجابية».
ويمضي بريزنسكي قائلًا: «بل الواقع أننا شجعنا القوى الاستعمارية على تصفية سيطرتها على العالم الإسلامي، ونحن مهتمون باستقلال جميع الدول الإسلامية، ونحن نحترم معتقداتها الدينية، بل إننا نشاطرهم عددًا من هذه المعتقدات؛ لأن المسيحية أقرب إلى الإسلام رحمًا».
وبعد هذه المشاعر الكاذبة يقول في معرض إجابته عن سؤال عن المصالح الأمريكية التي تهددها الانتفاضة الدينية: «ومثل هذه اليقظة الدينية يمكن أن تكون لها مظاهر مختلفة، فقد تعبر عن نفسها من خلال التعصب والعنف في الشوارع وكراهية الأجانب، وقد رأينا دليلًا على ذلك خاصة في إيران، وعلى فترات متقطعة في مناطق أخرى، إلا أن هذه اليقظة يمكن أن تعبر عن نفسها باكتساب الثقة، واحترام الذات والرغبة في التعاون مع الآخرين، وأعتقد أنه لصالحنا أن نشجع هذا الاتجاه، وأن نتأكد من أنه أصبح هو الموجة السائدة في العالم الإسلامي».
وعن احتمالات التفاوض السلمي يريد بريزنسكي من الإسلام أن يسهم في ذلك حيث يقول «إن هذا (الاضطراب الديني) يمكن أن يولد رغبة عامة لدى جميع الأطراف في السعي نحو إيجاد تسوية شاملة على أساس من الكرامة، والاحترام المتبادل، والاعتراف بكرامة الشعوب المعنية».
ومما سبق يتضح أن أمريكا تريد إسلامًا له خصلتان هامتان:
الأولى: عدم التعرض للمصالح الحيوية الأمريكية.
الثانية: الاعتراف بالوجود اليهودي في فلسطين ودولته إسرائيل.
وإذا عدنا إلى تصريح آخر لبريزنسكي في مؤتمر صحفي في أول يونيو (١٩٦٩م) قال فيه «إن الرئيس (كارتر) صانع سياسة خارجية تجعلنا مجددًا على صلة بكثير من اهتمامات العالم، وتجعلنا مجددًا مكيفي كثير من التغير الإيجابي الحاصل في العالم».
ثم خص الشرق الأوسط في حديثه وقال: «إن عملية التغيير الاجتماعي يجب أن تكون سلمية».
وهكذا يتضح لنا من كل ما سبق أن هذا التصور الأمريكي للإسلام، والذي أخذنا نشاهد له بعض التطبيقات منذ بروز ظاهرة انبعاث الإسلام في عقد السبعينيات، إنما يشكل حلقة من سلسلة طويلة من الأساليب التي اتبعها أعداء المسلمين؛ للحيلولة دون نهوضهم على أسس سليمة من عقيدتهم، ابتداء من إلغاء الخلافة الإسلامية، وتقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات متنافرة، وتبني اليسار الأمريكي والعملاء بالوكالة، والأنظمة العسكرية، انتهاء بالإسلام الأمريكي، الذي أملته الظروف.
هذا ما تخطط له أمريكا الآن فهل ندرك خطورة ذلك.؟!
ويا مسلمون حكاماً ومحكومين، إنها لفرصة تاريخية لكم، قوة اقتصادية وسياسية وعقيدة صالحة، فلا تضيعوها فتكونوا كمن قال الله فيهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الحشر: 19)، وعندئذ ستنقلب الخيرات والنعم الكثيرة إلى مصدر غم وذل في الدنيا، وعذاب عظيم من الله في الآخرة، فهل تعتبرون يا حكام المسلمين؟ نعم: هل تعتبرون ليسير كل الشعب من ورائكم؟ إنا لمنتظرون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل