العنوان عالم رباني فقدته الأمة
الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1999
مشاهدات 61
نشر في العدد 1352
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 01-يونيو-1999
أشهد أنني ما جلست يومًا مع شيخنا العلامة المربي الشيخ عبدالعزيز بن باز- يرحمه الله- إلا وأحسست أنني أمام عالم رباني مخلص فقيه، ذي بصيرة، متحرق لأحوال أمته، لا يعرف كللًا ولا مللًا في خدمة دينه، ولا يعترف بأي رابطة إلا رابطة الإسلام، ولا أي حبل يضم الأمة ويشد بعضها إلى بعض إلا حبل الله المتين، فقد عرفت في فتاواه وأعماله الإخلاص والتقوى، هكذا أحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدًا.
فقد تتلمذت منذ عدة عقود على بعض كتبه، واستفدت من منهجه السلفي في العقيدة، وفي العبادات، كما انتفعت من اجتهاداته وفتاواه، ولكن لما تقربت منه كثيرًا حينما أصبحت خبيرًا بالمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي الذي كان فضيلته يرأسه، أحببته كثيرًا، حيث كلفني المجمع من طرفه بكتابة عدة بحوث لدورات المجمع، فكان يستمع إلى الباحثين ويبدي سروره بمعظم الأفكار التي كانت البحوث تتضمنها وتعرفت إليه أكثر فقربني إليه، حتى جعلني في دورة المجمع الأخيرة بمثابة مقرر عام للجنة الصياغة للقرارات التي أصدرها المجمع في دورته الأخيرة (الدورة الخامسة عشرة) حينئذ ازداد تعلقي به وحبي له، ودعوت الله أن ينفعني بعلمه وإخلاصه.
فقد كان الشيخ عالمًا ربانيًّا علّم الأمة خلال أكثر من نصف قرن دينها وعقيدتها وأحكام شرعها، وآداب دينها، وجاهد في سبيل تثبيت العقيدة الصحيحة بكل الوسائل المتاحة، وناضل في سبيل القضاء على البدع والخرافات بكل ما أوتي من قوة البيان، وكافح في سبيل أمته للنهوض بها فكريًّا وعقديًّا وحضاريًّا، لم يكن جهاد الشيخ -رحمه الله- في جبهة واحدة، وإنما كان في عدة جبهات كان أبرزها المجالات الآتية:
1- بذل كل الجهود في سبيل تصفية العقيدة من شوائب الشركين الأكبر والأصغر، فألّف في ذلك كتابًا قيمًا وهو: «العقيدة الصحيحة وما يضادها»، وتضمنت معظم رسائله أمور العقيدة الصحيحة، والتحذير من الشرك بكل أنواعه.
قد عرف الشيخ أساس هذا الدين الذي يقوم على العقيدة الصحيحة، وأن ما أصاب هذه الأمة إنما أصابهم بسبب البعد عن العقيدة الصحيحة، وعن المنهج الصحيح للتفكير والتصور والعلم والعمل والتعمير والبناء.
2- الجهاد في سبيل القضاء على البدع الدينية التي شاعت في القرون الأخيرة، وتحولت إلى ممارسات كأنها جزء من الدين في حين أنها بعيدة عنه، فسلَّ الشيخ -رحمه الله- سيفه للقضاء على هذه البدع التي هي كلها ضلالة، وقد ألَّف في هذا المجال كتابه القيم: «التحذير من البدع»، حيث يشتمل على أربع مقالات مفيدة، كما أنه قام بالتحذير الشديد من الخرافات التي شاعت في القرون الأخيرة، ولذلك ألَّف رسالة قيمة في «إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله، أو صدّق الكهنة والعرافين».
3- إعادة الأمة إلى مصادرها الصحيحة «الكتاب والسنة»، وإلى نبعها الأصيل، وذلك هو التجديد الحقيقي المراد بالحديث النبوي الشريف: «إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها» (رواه أبو داود). وفي هذا المجال ألَّف عدة كتب ورسائل من أهمها «وجوب العمل بسنة الرسول وكفر من أنكرها»، و«حكم الإسلام فيمن طعن في القرآن، أو في رسول الله ﷺ»، و«حاشية مفيدة على فتح الباري»، من البداية إلى كتاب الحج، و«وجوب لزوم السنة».
4- محاربة الأفكار الهدامة التي ظهرت في القرن الأخير، والتي أدت إلى تمزيق الأمة على أساس القومية أو على أساس الأحزاب العلمانية؛ لذلك ألَّف في هذا المجال كتابًا في «نقد القومية العربية»، كما صدرت منه فتاوى حاسمة ضد كل من اعتنق فكرة مضادة للإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة.
٥- محاربة من يدعو إلى تطبيق غير شرع الله، حيث ابتليت هذه الأمة منذ أواخر القرن الماضي بتطبيق قوانين مخالفة لشرع الله؛ لذلك تصدى الشيخ- رحمه الله- لهذا الزيغ فألَّف في ذلك رسالة في وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه، وأقام الحجة والبينة بأنه لا يجوز لمسلم أن يحكم بغير شرع الله، أو أن يتحاكم إلى الطاغوت.
٦- الدعوة إلى الجهاد بمعناه الواسع الشامل وبمعناه الخاص، أي القتال ضد الكفرة المعتدين فألَّف في ذلك كتابه «الجهاد في سبيل الله».
٧- محاربة المظاهر المخالفة لشرع الله تعالى ولقيمنا الإسلامية مثل السفور، حيث ألَّف في ذلك رسالته في حكم السفور والحجاب.
٨- أفاض الشيخ- يرحمه الله- في مجال الفروع الفقهية فصدرت له عدة مجلدات في الفتاوى الخاصة بالعبادات والمعاملات وأحكام الأسرة وكل شؤون الحياة.
٩- مناصرته لقضايا الأمة الإسلامية، ومساندته للمشاريع الإسلامية، ودعمه لحركات الجهاد والنضال ضد المعتدين الغاصبين؛ فقد كان الشيخ- رحمه الله- متحرقًا لقضايا أمته، يستمع إلى أصحاب هذه القضايا، ويدعمهم بالتزكية والفتوى، وبالمال، والدعم المادي، والمعنوي، فهكذا وجدناه مع قضية احتلال الروس لأفغانستان، وكذلك وقف مع القضية الفلسطينية، وقضايا كشمير، والبوسنة، والفلبين، والشيشان، وأخيرًا مع قضية كوسوفا.
وأتذكر أنه حيثما سمع شيخنا الفقيد -يرحمه الله- بما حدث في «حلبجة»، من المآسي وما حدث للشعب الكردي من التهجير والتقتيل تأثر تأثرًا كبيرًا، وساعد بكل ما أوتي، وحرّض أهل الخير على المساعدة، وكلما شرفت بزيارته كان يلح- يرحمه الله- عليّ أن أزوره في مكتبه الخاص فيستمع إليّ، ويسأل بكل عناية واهتمام عن أحوال أحفاد صلاح الدين، وقد سمعته يقول لي: «يا فلان، إنها مؤامرة كبرى على إخواننا الأكراد، إنه ثأر من أحفاد صلاح الدين الأيوبي»، كم كان مهتمًا بالقضية الكردية حتى كنت أظن أنها القضية الأولى عنده، ولكن كانت هذه عادته في العناية بكل قضايا المسلمين.
هكذا عاش شيخنا ابن باز -يرحمه الله- للإسلام ولدعوته ولقضاياه، وللعلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يكتف بتأليف الكتب والرسائل، وإصدار الفتاوى، على الرغم من أهميتها، وإنما أولى عنايته أيضًا بناء الرجال، وصناعة العلماء الفقهاء، لذلك لم يترك الدروس الخاصة بهذا الحقل طوال عمره المبارك مهما كانت عليه مسؤوليات إدارية، فتتلمذ على يديه الكثيرون، فتشبعوا بمنهجه وعلمه الغزير، وتخرجت على يديه ثلة من الفقهاء العلماء داخل المملكة وخارجها.
كذلك أولى عنايته بناء المؤسسات التعليمية والتربوية والاجتماعية، فقد كان نائبًا لرئيس الجامعة الإسلامية منذ تأسيسها، ثم أصبح رئيسًا للجامعة حتى عين مُفتيًا عامًا للمملكة، والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
فقد كان في الجامعة أستاذًا ومربيًا وقدوة عملية مع تلامذته ومحبيه استطاع بفضل الله تعالى أن يجعل للجامعة دورها على مستوى العالم الإسلامي.
يرحم الله شيخنا ابن باز، وجمعنا به في مستقر رحمته، وعوّض هذه الأمة بأمثاله من العلماء المخلصين العاملين الربانيين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل