العنوان ظواهر فنية في شعر بهكلي
الكاتب حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر الجمعة 01-أكتوبر-2004
مشاهدات 76
نشر في العدد 1620
نشر في الصفحة 50
الجمعة 01-أكتوبر-2004
ظواهر فنية في شعر «بهكلي»
يمتاز «أحمد بهكلي» بالعديد من الظواهر الفنية التي تعبر عن شخصيته الشعرية، وهويته التعبيرية، إن صح التعبير، فهو صاحب معجم إسلامي ثري وغني، وهو صاحب رؤية إسلامية إنسانية رحبة المدى والأفق، وهو شاعر يملك مقدرة فنية تقوم على عنصري الموهبة والخبرة، الموهبة الفطرية التي منحه الله إياها فحافظ عليها ونماها واستثمرها، والخبرة الشعرية التي ترفدها الثقافة العميقة المتنوعة «محليًا وعالميًا» وإذا كانت هذه الميزات يمكن أن تندرج تحت عنوان الخصائص العامة لشعر أحمد بهكلي، فإننا نود أن نتوقف عند بعض الظواهر الفنية الخاصة مثل التضمين والتصوير والتدمير، واللعب بالمفردات لتحقيق إيقاع موسيقي مميز، والقوافي الصعبة.
التضمين في شعر بهكلي: تعبير عن تجذر الثقافة الإسلامية والعربية في نفس الشاعر فحفظه للقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والتاريخ الإسلامي والأدب العربي، يتضح على شعره شكلًا ومضمونًا، ويستثمره استثمارًا ذكيًا واعيًا، يضيف إلى رصيده الشعري والفني معًا، وهناك نماذج كثيرة على امتداد شعر بهكلي.. تكتفي منها ببعض الأمثلة القليلة.
نقرأ مثلًا قصيدته رؤى في نيويورك، التي ضمنها مجموعته أول الغيث، تعبيرًا عن ذهوله وحيرته وهو يجول في هذه البلدة التي بلغت، حدًا عاليًا من التقدم المادي، بينما القلوب التي تسكنها وتحركها تشبه الجليد، ويفتقد أهلها السلام والطمأنينة بمعناهما الإنساني الرحب:
ها أنا اليوم قد اتخذت سبيلي ***سربًا فيك والذهول يزيد.
وهو يشير هنا إلى قصة موسى عليه السلام مع فتاه حين نسيا حوتهما ﴿ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ (الكهف: 61) وفي قصيدته: «الفصيح الصامت» من المجموعة ذاتها نجده يستدعي معاني الابتلاء والاحتساب والصبر والجنة في قوله:
هذا ابتلاء الله فاحتسبوا له ولتصبروا كي تدخلوا جناته
وهي معان متداولة في أكثر من آية قرآنية، منها قوله تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 141-142)
وقد يأخذ التضمين شكلًا آخر، يتناول قصة تاريخية إسلامية يتخللها الحديث الشريف ومواقف سلوكية وقولية للصحابة رضوان الله عليهم، كما نرى مثلًا في «رسالة من خالد بن الوليد» وفي قصيدته الطويلة «غسيل الملائكة» التي دارت حول استشهاد حنظلة بن أبي عامر في معركة أحد، وفي قصيدته «عبرات على حد الدعوة الإسلامية» التي نرى فيها تضمينًا لقول الرسول ﷺ ردًا على عمه أبي طالب، وهو ينقل إليه رغبة قريش في ترك الدعوة نظير تحقيق أي مطلب يطلبه: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله ما تركته ....» والشاعر يضمن هذا الحديث في قوله:
قال لو في اليمين شمس سمائي*** وبيسراي بدرها ذو النور
ما تراجعت قط عما اجتباني *** خالقي لاحتماله في مسيري
وفي قصيدته «طيفان» طيف جبريل عليه السلام وطيف محمد ﷺ، نجد حوار الوحي أول نزوله متضمنًا في الأبيات:
«اقرأ» تدافع من فم ملك *** ويلوكها سمع به احتفلا.
ويصيح: لست بقارئ.. وثني *** منه القوي.. فيخر منذهلًا.
ويغطه جبريل يعلمه *** باسم الإله يقين ما جهلا.
والقصة معروفة ولا تحتاج إلى بيان.
ويمكن لقارئ شعر «بهكلي» أن يلحظ تأثرات واضحة بالشعر القديم، وخاصة شعر المتنبي وشعر الأندلس.. ولنقرأ مثلًا قول شاعرنا وهو يلعب بكلماته في قصيدة «أشجا الشجا»
وفي الناس قوال وليس بفاعل *** وفي الناس فعال وليس يقول
وبين المرجى، والذي ليس يرتجى *** تضيع حقوق تستجد فصول
وشعر الموشحات الأندلسية يعطي مذاقًا موسيقيًا راقصًا مطريًا، وقد استفاد منه الشاعر في بعض أشعاره المبكرة كما ترى في قصيدته «شوق» التي تتقاطع أيضًا في إيقاعها مع قصيدة «الحصري» المشهورة «يا ليل الحب متى غده.. أقيام الساعة موعده» فنقرأ قوله مثلًا:
فؤاده هاتم في بيد صبوته *** والبدر إما بدا في الأفق يفزعه
لأنه مشبه حقًا معذبه *** ومثل مطلعه الفنان مطلعهُ
وبصفة عامة، فإن التضمين يعطي الشعر «بهكلي» انتماء إسلاميًا عربيًا واضحًا، وفي الوقت نفسه يثري التشكيل الفني للقصائد.
الصور الشعرية
أما التصوير فيستمد مصادره من الصور الشعرية الموروثة، والبيئة التي يعيشها الشاعر، فضلًا عن نظافته المتنوعة وخياله الخصب ويلاحظ، أن الشاعر يملك قدرة على التصوير الكلي لا تتوافر لكثير من الشعراء الذين ينظمون القصيدة بشكلها الموروث «قصيدة الشطرين»، وهو يستطيع أن يقدم لنا صورة عامة للتجربة الشعرية التي يعالجها، وهذه خطوة متقدمة بلا شك، ومن أمثلة هذا التصوير الكلي قصيدة «الفصيح الصامت» وقصيدة «الطاووس»، في مجموعته أول «الغيث» والقصيدة الأخيرة مثلًا تصور الشخص المستكبر المتغطرس الذي يرى نفسه الكائن الأعلى في مجتمعه، ويقدمه الشاعر من داخله في صورة عامة تكشف أعماقه وأسرار ضعفه التي يغلفها بقوة خادعة، ويقارن بينه وبين الآخرين حتى يقنعه في النهاية أنه كائن ضعيف لا يملك من أمره شيئًا، بعد أن كان يحسب أن المجد وقف عليه ما ينازعه فيه منازع:
أخي اذكر أنا ضعاف وكلنا إلى ملكوت الله لابد راجع
وانا جميعًا قبضة الطين هل سما بك الطين عمّن أنت بت تقاطع؟
تواضع فما جاز الفضا متكبر وما حاد عن درب العلا متواضع
والصور الجزئية عبر مجموعات «بهكلي» الشعرية تنبض بالحياة، وكثير منها له من الجدة والخصوصية نصيب فهو مثلًا يقدم صورة طريفة للقاء من يحب في الحلم.
وأنتجع الأحلام ظنًا بأنني سألقاك حلمًا يحتوي لهفتي الكبرى
أو يصور الحب في صورة الوالد أو الأب
الذي يطهر أولاده من الحقد والغدر، بل يجعل الحب عمرًا إضافيًا يعيشه الإنسان بالإضافةإلى عمره الأصلي.
سوى أنني أحببت والحب والد يطهر عن أبنائه الحقد والغدرا
ومن عرف الحب النبيل وعاشه فقد عاش من دنياه عمرين لا عمرًا «انظر قصيدة الأرض والحب».
ويبدو التشبيب لدى «بهكلي» أساس الصورة الجزئية بصفة مطلقة، ولكنه يجتهد في تنويعه وربطه أحيانًا بصور إسلامية أو عبادية ليصورالمحبوب بالحج المبرور.
لتعود فنصحو يا نصبًا محبوبًا كالحج المبرور
«غنوة ورؤيا - الأرض والحب ۸۲».
وهناك صور تشير إلى المعاصرة ومعطياتها، كما نرى في تشبيهه للمبادئ المزيفة بالدجاج المثلج، وتثليج الدجاج من خصائص زمننا، وهذه الصورة جعلتها «إحداهن» صورة رئيسة في إحدى القصائد المنسوبة إليها.
ومبادئًا مثل الدجا ج المثلج أنت مثلجة الإهاب
«أنشودة للفارس القديم. طيفان. ۲۹».
وقد تبدو بعض الصور جديدة تمامًا، محكومة بخيال عميق مثل تصوره لبعض حالاتهالوجدانية:
تصطف في جمجمتي أوجه غريبة تكتب لي ما أفحا
«عجين النار أول الغيث - ١٤»
أو تشبيهه للشعر في القصيدة ذاتها بأنه دمية «الشعر دمية».
وهناك صور يصنعها العقل الخالص مثل قوله:
تصطاد من كل غيب غائم قمرًا ومن مدى كل حلم تستمد مدى
تبني المنى مدنًا خضرًا وتمنحها حبًا يبدد عنها البغض والحسدا
«أول الغيث ٣٣».
إن الصورة سواء كانت كلية أو جزئية تنتمي للشاعر أكثر مما تنتمي إلى غيره، وترتبط لديهالفكرة والإيقاع واللغة، وهو ما يقودنا إلى بعض ملامح الإيقاع والموسيقى في شعربهكلي.
أول ظاهرة ترتبط بالإيقاع هي «التدوير» الذي يبدو شائعًا في كثير من القصائد، بل تكاد بعض القصائد تكون محكومة بالتدوير في جميع أبياتها أو معظمها، ويعود ذلك إلى اعتماد الشاعر للأبيات المجزوءة، وهو ما يحتمغالبًا أن يمتد معنى البيت إلى ما بعد عروضه حتى يكتمل عند القافية.
إن التدوير ظاهرة قديمة بدأت منذ الشعر الجاهلي حتى اليوم، وأكثر منها شعراء التفعيلة، حيث يمتد السطر عند بعضهم إلى عشرات التفعيلات.
إن اتصال الشطر الأول في الشعر العمودي بالشطر الثاني من خلال المعنىيشكل ظاهرة إبداعية لها مدلولها الفني واللغوي والإيقاعي معًا، وهو في كل الأحوال خروج على النمطية والتقليدية، وحصانةللشاعر من الحشو والإطناب غير المفيد، ويمكن للقارئ مراجعة العديد من قصائد
الشاعر ومنها على سبيل المثال قصيدة «غسيل الملائكة» التي سبقت الإشارة إليها ليرى فيها وجود التدوير بصورة شبه كاملة.
ومع أن ... بهكلي نسج شعره وفقًا لشعر الشطرين الموروث، فقد قدم بعض قصائده على النمط التفعيلي، كما نرى في قصيدته «ندى» التي صاغها بمناسبة ولادة طفلة له اسمها «ندى» «أول الغيث - ٤٥»، ويلتزم فيها بتقفية وفق نظام خاص يحقق إيقاعًا موسيقيًا واضح الانضباط.
دقة الأوزان
وبصفة عامة، فإن الشاعر يملك ناصية العروض والقافية، ويتجلى ذلك في حرصه على دقة الأوزان من خلال أبحر تامة ومجزوءة، كثير منها يمتطي صهوة الرجز والبسيط والكامل، باقتدار ملحوظ، وهو ينبهنا أحيانًا إلى اهتمامه بالمسألة العروضية ووعيه الحاد بها، وكنت أرجع إليه أحيانًا لرفع الالتباس عن بعض الأوزان ونسبتها إلى بحورها الأصلية، في أرجوزة الحجر «أول الغيث ۷۸»، يقول في آخرها مشيرًا إلى ناحية عروضية يستخدمها في
التعبير عن النضال المزيف:
وترك التسكين والتحريكا لمن أجادوا اللف والتكتيكا
حساسية مرهفة
ولا ريب أن الحساسية المرهفة للإيقاع الشعري، جعلت الشاعر يحرص على تجاوز الموسيقى الخارجية التي يصنعها الوزن المنضبط، إلى الموسيقى الداخلية التي تحقق التناغم بين الألفاظ المتجاورة، بل بين الأصوات داخل الألفاظ ذاتها، تأمل مثلًا لفظة «تلمضت» في قوله: «ولولا وفائي ما تلمضت صابرًا بنار بعادي» لتراها متناغمة مع النار.
وإذا نظرنا إلى القافية، فسوف نراها في الأغلب من القوافي الصعبة التي تتناسب مع قسوة التجارب التي يعالجها وخاصة التجارب القومية والإسلامية التي تكشف العجز العام، وتؤكد على الوضع المضطرب الذي تعيشه الأمة، إن قوافي الفاء والحاء والراء والقاف ونحوها تؤكد قدرة الشاعر اللغوية وتطويعها للسياق الشعري العام، وهذه ميزة من الميزات التي تحسب للشاعر الذي أثر أن يركب مركبًا صعبًا باستخدام القوافي الصعبة.
وبعد:
فإن شعر أحمد بهكلي يحتاج إلى دراسة موسعة، وخاصة في الجانب الأسلوبي؛ لتكشف عن خصائص فنية وشعرية يتميز بها وتضعه في سياق حركة الشعر العربي المعاصر، فالرجل يكتب في صمت، ويتجنب الدعاية، مع أنه أكثر أصالة ونظافة بين أقرانه وجيله.