العنوان ظلم الداخل وبغي الخارج متلازمان.. فمتى ينكسر القيد؟!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 26-مايو-2001
مشاهدات 67
نشر في العدد 1452
نشر في الصفحة 9
السبت 26-مايو-2001
الظلم يهدم الأمم ويدمر الشعوب ويؤسس للفساد، ويذهب بالأخلاق، ثم لا تكون عاقبته إلا خزيًا في الدنيا، وخسارة في الآخرة، فالظالم بعيد عن هداية الله ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (إبراهيم: 27)، بل هو ملعون من الله: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (هود: 18).
ومن أبشع صور الظلم التي نراها هذه الأيام ظلم معظم الحكومات التي تلي أمر بعض الشعوب فتتخلى عن مسؤولياتها في أن تقود الشعوب إلى العزة والنصر في الدنيا، والفلاح والجنة في الآخرة، وهي بدلًا من ذلك فاطر الأمة على غير ما تريد وتحرفها عن الطريق المستقيم الذي يقود إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى، وتعيث في الأرض فسادًا، وبقدر ما تشتد قبضتها على الأمة وأبنائها بقدر ما يكون تفريطها في حقوق المسلمين امام أعدائهم، إذ تتوالى الهزائم والنكبات والتفريط والاستسلام والعمالة، فيستأسد العدو ويطغى ولا يجد من يصده بعد أن يحال بين الغيورين على دينهم وأمتهم وبين مواجهة الأعداء.
فإذا قامت بعد ذلك جماعة من المصلحين ترفض الظلم وتخشى أن ينطبق عليها قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (هود: 113) أو قوله: «كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرًا ولتقصرنه على الحق قصرًا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم». «رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن».
إذا قامت مثل هذه الجماعات المباركة تواجه الظلم وتكشف الفساد، وتسعى للإصلاح، وتحذر من غرق السفينة بركابها وحلول الكارثة على الأمة جمعاء، وتجمع حولها الناس ووجدوا فيها القيادة الصحيحة الصادقة، والقدوة الصالحة ثار الظالمون وأعوانهم وخشوا ذهاب دولتهم وما يتمرغون فيه من نعيم زائف مروي بدماء الشعوب وعرقها، وما يرفلون فيه من سلطة مغتصبة يتحكمون بها في رقاب الناس.
ولم يلبث أولئك أن يشهروا في وجوه دعاة الإصلاح أسلحتهم التي يحاولون أن يحموا بها سلطتهم الجائرة، حيث الاعتقالات العشوائية بموجب قوانين الطوارئ والأحكام العرفية التي وفرتها لهم برلمانات جاءت بالتزوير والتزييف على غير إرادة الأمة، ومع الاعتقالات يكون التعذيب البشع وانتهاك أدمية الإنسان، والزج بالأبرياء في السجون بعد محاكمات ظالمة لا تراعى فيها قواعد العدالة ولا يقوم عليها قضاة عدول والحملات الإعلامية التي تنبري فيها أقلام ممزوجة بمداد الزيف للتشهير بالأبرياء وتلطيخ سمعتهم إلى غير ذلك من أساليب الظلم والضغط النفسي والجسدي والمحاربة في الرزق، وسد ابواب العمل الشريف والمنع من نيل الفرصة العادلة لخدمة الأمة والوطن.
والغريب أن بلادًا تسمح لبعض المارقين بالتطاول على الذات الإلهية والرسل عليهم السلام والدين والقيم والأخلاق وتفتح لهم المجال لبث سمومهم وحقدهم، ثم هي في الوقت نفسه ترفض أن تسمح لتيار إسلامي له شعبية جارفة في أن يكون له تمثيله القانوني المعترف به، وتطارد أبناءه وتداوم على اعتقالهم وسجنهم دون وجه حق.
والعجيب أن يستمر هذا النهج أكثر من نصف قرن على التوالي، وأهل الباطل في الخارج والداخل مستمرون في حملتهم وفي ذلك يقول الإمام الشهيد حسن البنا للإخوان المسلمين قبل أكثر من نصف قرن «أحب أن اصارحكم أن دعوتكم لازالت مجهولة عند كثير من الناس ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيرًا من المشقات وسيعترضكم كثير من العقبات، وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات».
ثم يقول: «سيتذرع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأخلاق الضعيفة، والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال، وإليكم بالإساءة والعدوان، وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشهوات وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بكم كل نقيصة، وإن يظهروها للناس في أبشع صورة معتمدين على قوتهم وسلطانهم ومعتدين بأموالهم ونفوذهم».
ويستطرد البنا فيسرد كل ما نجده اليوم ماثلًا أمام أعيننا في بعض أقطارنا وعلى الأخص في مصر التي نشأت فيها تلك الدعوة المباركة، حيث الاعتقالات مستمرة والتضييق والمنع متواصلان، وتزييف إرادة الأمة مهمة أدمنتها بعض الأجهزة وما انتخابات مجلس الشورى التي جرت مرحلتها الأولى مؤخرًا منا ببعيد.
لقد أصبح من المسلمات التي ينطق بها أي مراقب محايد أن التضييق على العمل الإسلامي ورجاله إنما ينصب في مصلحة التمكين للمشروع الصهيوني في المنطقة، ومن المخزي أنه في مقابل الأسرى الفلسطينيين الذين يدخلون سجون العدو الصهيوني نجد أنه يدخل في سجون بعض البلدان العربية أضعاف عدد الفلسطينيين من الإسلاميين والوطنيين الشرفاء ومقابل كل قذيفة صهيونية تهدم بيتًا أو مؤسسة في فلسطين المحتلة تتحرك الأيدي العابثة لهدم مؤسسات العمل الإسلامي في بعض البلاد العربية أو وقف نشاطها، وقد أضحت بعض الأنظمة العربية حارسًا أمينًا على المصالح الصهيونية وحدود فلسطين المحتلة، وقد تبلدت المشاعر فلم تعد تسمع صرخات الاستغاثة الصادرة من إخواننا في فلسطين، بل يحاول البعض التغطية عليها بالطبل والزمر، فيما يحاول البعض الآخر التغطية برفع عقيرته بالهتافات والتصريحات الجوفاء التي لا يتبعها أي عمل نافع.
على أن الله تعالى قد وعد عباده الذين يصبرون ولا يفتنون نصرة المجاهدين، ومثوبة العاملين المحسنين:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 55).
وصدق الله العظيم القائل: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (الصف: 14).
نسأل الله تعالى أن يمكن لدينه وعباده الصالحين في الأرض وأن يطهر فلسطين وجميع بلاد المسلمين من دنس المعتدين وأعوانهم، وأن يرد المسلمين جميعًا حكامًا ومحكومين للعمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبإذن الله وعونه فلابد للظلم أن ينتهي ولابد للقيد أن ينكسر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل