; ظروف الدعوة الإسلامية وهمومها (العدد 484) | مجلة المجتمع

العنوان ظروف الدعوة الإسلامية وهمومها (العدد 484)

الكاتب أبو أحمد البيضاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1980

مشاهدات 83

نشر في العدد 484

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 10-يونيو-1980

رسالة الجزائر الحلقة«١»

الدعوة الإسلامية بالقطر الجزائري ليست بالحديثة، وليست بغير جذور أو أصول، فالشعب الجزائري -برغم الحصار الاستعماري الذي ضرب عليه طيلة قرن وربع- عرف نهضة إسلامية قبل كثير من الأقطار الإسلامية، ولئن لم تثمر هذه النهضة تيارًا منظمًا على شكل حزب إسلامي، فإنما ذلك لأسباب متعددة، أهمها أن الشعب الجزائري -تحت ضغط الاستعمار الفرنسي الاستيطاني- تحول إلى الحرب المسلحة مبكرًا، وانشغل بها عن الدعوة التربوية الهادئة، وكأنما أراد أن يحرر الأرض أولًا، ثم يتفرغ لنشر الدعوة وتوضيحها ثانيًا، وهذا رأي قد يثير الخلاف ولكنه على كل حال واقع.

 إن الشعب الجزائري قد عرف في أحلك عهود الاستعمار، جمعية العلماء التي ساهمت في المحافظة على اللغة العربية والعقيدة الإسلامية، وكان من أقطابها الإمام عبد الحميد بن باديس، والطيب العقبي، والبشير الإبراهيمي، ثم عرف فيما بعد الاستقلال جمعية القيم التي أسسها مجموعة من الشباب المثقف، بتوجيه من الأستاذ مالك بن نبي -رحمه الله-، وأصدرت مجلة القيم التي تعتبر أول مجلة إسلامية ملتزمة في الشمال الإفريقي، ولكن النظام الجزائري في عهد «بن بلا» حل الجمعية، وأوقف صدور المجلة وطارد المسؤولين عنها.

 واستمرت الدعوة الإسلامية مواصلة سيرها بالرغم من القمع وحملات التشكيك والإرهاب إلى عهد بومدين، حيث أسست مجموعة من الدعاة من بينهم الأخ الأستاذ محفوظ النحناح- مساجد بالجامعات، وأشرفوا على جمع فلول جمعية القيم وتلامذة جمعية العلماء، مستفيدين من ظروف النظام الجزائري الجديد الذي كان محاصرًا بتيار يساري متطرف، وتياري اللغة الفرنسية والعصبية البربرية، فواصلت الدعوة الإسلامية سيرها في ظل موجة العداء للفرنسية وللشيوعية المتطرفة، وما رفعه بومدين من شعارات العربية والأصالة واستقلالية الشخصية الجزائرية.

 إلا أنه في سنة ١٩٧٦م عرض للاستفتاء مشروع الميثاق الوطني، فعارضته العناصر الإسلامية وعلى رأسها الأستاذ محفوظ النحناح، الذي قام بحملة خطابية معارضة للميثاق في ربوع القطر الجزائري، مما أثار حنق بعض رجال السلطة وحقدهم، فلفقت له تهمة مع مجموعة من تلامذته الشباب وألقي بهم جميعًا في السجن تحت طائلة أحكام، كان نصيب الأخ محفوظ منها خمسة عشر عامًا، ثم بذلت كثير من الجهات التي استفادت من اختفائه عن الساحة الإسلامية، جهودًا مكثفة للتعتيم عن قضيته، وكيلا تصل أخباره إلى الصحف الإسلامية، بل منهم من تجرأ ونصح الصحف الإسلامية بعدم إيراد أي ذكر لاعتقاله وسجنه بدعاوى مختلفة!!

 لكن هل توقفت الدعوة الإسلامية باعتقال هذه الفئة المؤمنة؟ ما هو موقف الدعاة بعد مضي أربع سنوات على هذه النكسة؟

 إن البذل في سبيل الله هو سماد هذه الدعوة وماؤها، وكلما كان البذل سخيًا كانت الثمار أزكى وأوفى وأوفر..  

 لكننا لا نستطيع فهم الوضع الحالي للدعوة، إلا بإلقاء نظرة تاريخية عن القطر الجزائري، وأوضاعه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، لأنها هي مفتاح فهم الواقع الحالي ومشاكله وديناميكيته. 

 والجدير بالذكر أن الجزائر-في أوائل القرن التاسع عشر- كانت مقاطعة من مقاطعات الدولة العثمانية، وكانت العلاقات بين «داي» الجزائر والباب العالي في تركيا قد انقطعت تقريبًا، وكانت أطماع الغرب تزداد للانقضاض على العالم الإسلامي عامة، والإمبراطورية العثمانية خاصة، وذلك لكونها تمثل رمز الخلافة الإسلامية ووحدة المسلمين، وكانت الجزائر أول أقطار هذه الإمبراطورية سقوطًا في يد الاستعمار الفرنسي، فقاوم الشعب الجزائري الاحتلال وظهرت الحركة الجهادية الأولى في شمال إفريقيا، وهي حركة الأمير عبد القادر الجزائري الذي خذله الجار القريب والصاحب بالجنب، فانهارت مقاومته ونفي عن البلاد، ودان القطر الجزائري بعده للاستعمار الفرنسي، على الرغم من الثورات العديدة التي قام بها مثل ثورة ٨ مايو ١٩٤٥، في قالمة وسطيف وخراطة، واستشهد فيها أكثر من ٤٥٠٠٠ مواطن جزائري، وكانت هذه الثورة رد فعل لإخلاف فرنسا وعدها بالخروج من الجزائر، إذا ما انتصرت على النازية في الحرب العالمية الثانية.. 

 كل هذه الثورات كانت بتأثير مباشر من جمعية العلماء، ونتيجة حتمية لجهودها في المحافظة على الأصالة الإسلامية للشعب الجزائري، مما يفند ادعاءات الشيوعيين الذين يزعمون لهم دورًا في تحرير الجزائر وتأسيس الثورة، بل بالعكس نجد أن الشيوعيين في الجزائر كانوا من أشد أعوان الاستعمار وأكثرهم نكاية بالشعب الجزائري، وليس غريبًا أن نجد زعيم الشيوعيين ومبتدع الفكر الشيوعي الملحد «كارل ماركس»، يصدر عنه ما يفيد الاعتراف والتأييد للاستعمار الفرنسي في الجزائر، فقد صرح أثناء قدومه إلى الجزائر للاستشفاء بقوله: «إن الشعب الجزائري مظلوم، لكن هذه الفترة رأسمالية لا بد منها، وهذه الفترة تمر فيها كل الشعوب بما فيها الأمة الجزائرية».

 وبعد سنة ١٩٢٥م، عندما تأسس الحزب الشيوعي الجزائري بباب الوادي بالجزائر العاصمة، كانت كل شخصياته فرنسية، وكانت مطالبه تتلخص في الاندماج في الوطن الأم -فرنسا- تحت سلطة حكومة الطبقة العاملة، كما أن بعض قادة الشيوعيين ساهموا في تقتيل الشعب الجزائري، ونسوق مثلًا لذلك المدعو «مير»، الذي يعتبر المسؤول الأول عن مذبحة حوادث سطيف «٨ - ٥ - ١٩٤٥»، والتي ذهب ضحيتها خمسة وأربعون ألف مواطن جزائری.

 كما أن فرانسوا ميتران «رئيس الحزب الاشتراكي الفرنسي»، كان وزيرًا للدفاع في أحلك فترات حرب التحرير الجزائرية سنة ١٩٥٨.

جمعية العلماء والثورة

 طيلة هذا العهد كانت جمعية العلماء المسلمين بالجزائر ترعى الدعوة إلى الإسلام والمحافظة على اللغة العربية، مستخدمة لذلك الوسائل القليلة المتوفرة لديها«المساجد التي لم تتحول إلى كنائس - الكتاتيب القرآنية – الرباطات - بعض الصحف» داعية من خلال هذا إلى تحرير البلاد وطرد الاستعمار، غير هيابة ولا وجلة مما تشنه عليها أجهزة الاستعمار، من فنون مطاردة وحملات تشويه وتضليل، وما يمارسه ضدها الحزب الشيوعي الجزائري من مضايقات ومؤامرات. وكان من رحمة الله بهذا البلد أن أنتجت جهود العلماء ثورة الفاتح من نوفمبر ١٩٥٤، التي لا نستطيع أن ننزع عنها صبغتها الإسلامية، برغم مظهرها الوطني الذي تبنته الضرورات عسكرية وقتالية محضة.. 

 وقد ركزت الثورة في بدايتها على رفع الشعارات الإسلامية، وبعث روح الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، وحافظت على إقامة الصلاة في معسكرات التدريب، والتزم القادة بها واشترطوها في كل من يرشح نفسه للانضمام إلى الثورة، كما أن صحف الثورة وإذاعتها رفعت شعارات الإسلام ودعت إليه، وحثت المواطنين على الالتزام به والموت في سبيله، بل لم ترفع الثورة أبدًا أي شعار اشتراكي، ولم تكن الاشتراكية أبدًا من أهدافها، وإنما بدأ التسلل الاشتراكي إليها متأخرًا لعدة عوامل، منها مساندة جمال عبد الناصر لها وانضمام بعض الشيوعيين إليها.

بن بلا واليسار والناصرية

 ولما نصب بن بلا نفسه «زعيمًا» للجزائر، استعان في حكمها بالدعم الناصري خارجيًا، وباليسار والناصريين في الداخل، وأبعد عن السلطة كل ما هو إسلامي وحكم البلاد حكمًا فرديًا، وحل جمعية القيم وسجن بعض أعضائها، وأبعد بعضهم الآخر، ومنع صدور مجلة القيم الإسلامية، ورفض التعريب وشجع الإقليمية، ثم ضرب التيار اليميني الذي كان يشاركه السلطة داخل الحزب والثورة، وفتح على الجزائر جبهة حربية مع المغرب، ساعده فيها الجيش المصري الناصري في خلاف حدودي لا يستحق قتل الأبرياء وقطيعة الأرحام.

 وأدت هذه السياسة العشوائية الارتجالية إلى سقوط بن بلة، واستيلاء بومدين على الحكم.

البومدينية الأولى

«١٩/ ٦/ ١٩٦٥ إلى ١٩٧١»

 لئن قلنا إن الثورة الجزائرية كانت إسلامية أثناء تأسيسها وممارساتها الجهادية، فإننا لا نعني بهذا أنها سارت إسلامية إلى نهاية الشوط.

 ذلك أن الاتجاه الإسلامي فيها ضعف مع الزمن، واستعار الحرب، وانشغال المجاهدين بالبندقية عن التربية والتوعية والتفقه بالدين، وازدياد عدد المتطوعين للحرب الجهادية، بما فيهم من عوام وشيوعيين وقوميين، وبسبب التأييد الناصري للثورة، وانقطاع الصلات الفكرية والثقافية عن المشرق والحركات الإسلامية العاملة فيه، واستعانة بن بلة في حكمه بأعداء الإسلامية وأنصار الاشتراكية والتغريب..

 كما ساعد على انجراف الثورة نحو الاشتراكية أسباب أخرى كثيرة منها:

 - المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية، ومخلفات حرب التحرير الضارية التي أعقبت الحصول على الاستقلال، بحيث عاشت الجزائر في سنوات الاستقلال الأولى حالة من الفوضى والتناحر والصراع، مع فلول الفرنسيين الذين لم يتقبلوا بسهولة مبدأ استقلال الجزائر.

- عدم وضوح التصور الإسلامي المتكامل للدولة الإسلامية في أذهان قادة الثورة، لا سيما وثقافتهم جميعًا فرنسية، باستثناء بومدين الأزهري، كما أنهم لم يجدوا في العالم الإسلامي نموذجًا للدولة الإسلامية يقتدون به.

- تركيز علماء الجزائر في دعوتهم التمهيدية للثورة على الجانب العبادي والجهادي في الإسلام، من أجل إثارة روح البذل والتضحية والاستماتة لتحرير البلاد وطرد الاستعمار، وذلك بدل تقديم الإسلام كنظام سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي متكامل.

- أثناء الثورة تخرج كثير من الشباب الجزائري من جامعات الدول الاشتراكية، والتحقوا بالثورة فعملوا على تغيير مسارها.

- انقسام العالم أثناء قيام الثورة إلى معسكرين:  

المعسكر الرأسمالي وحلفه الأطلسي الذي كان يدعم الاستعمار الفرنسي ويمده بالسلاح، والمعسكر الاشتراكي الذي كان يدعم الثورة بالسلاح والمال ويؤيدها في المحافل الدولية.

 وقد رصد بومدين هذه الأوضاع وشعر بتذمر الشعب الجزائري من هذا الانجراف نحو الناصرية والاشتراكية المتطرفة، ومن حالة الفوضى التي ضربت أطنابها عقب الاستقلال، واستفاد من حالة السخط التي انتابت زعماء الثورة بسبب إبعاد بن بلة لهم عن مراكز السلطة والمسؤولية، فقام بانقلاب «١٩/ ٦/ ١٩٦٥م».

 وكان من المنتظر أن يعيد بومدين العربة الجزائرية إلى الجادة الإسلامية المحضة- لا سيما وهو خريج الأزهر، ولكنه لم يفعل واكتفى بمحاولة ترضية الشعب الجزائري، وإعادة بناء الدولة على أسس النظام المكتبي «البيروقراطي»، وبواسطة إقامة المشاريع العديدة الضخمة في مجالات الاقتصاد والصناعة والزراعة، ورفع راية التعريب والسير فيه قدمًا، وتشجيع التيارات الداعية إليه.

 ويمكن تلخيص منجزات هذه الفترة فيما يلي:

- تأميم الممتلكات الفرنسية بالتراب الجزائري.

- إتمام مخطط قسنطينة الذي وضع في بداية عهد «دي كول» سنة ١٩٥٨.

- إقامة مسلسل صناعي ضخم.

- تأسيس جامعات وملاعب.

- بداية خطوات حاسمة في ميدان التعريب.

 أما في المجال الإسلامي فقد سمح في حدود ضيقة جدًا لتيار مالك بن نبي -رحمه الله- بالعمل في مساجد الطلبة التي أسست بالجامعات الجزائرية، وكان هذا التيار هو الذي خلف جمعية القيم ورعى آثارها ومنجزاتها، ثم ظهرت من خلاله تيارات إسلامية أخرى متأثرة بكتابات سيد قطب والإمام الشهيد حسن البنا، ما لبثت أن قمعت.. 

 كما تميزت هذه الفترة بيروز شخصية بومدين عسكريًا حازمًا قويًا، لا يحضر الحفلات ولا السهرات ولا يرغب في الدعاية الإعلامية لشخصه، ويحرض على مناوأة فرنسا والتحرش بها واستفزاز مصالحها، وعلى معاداة إسرائيل والصهيونية، بحيث أرسل الجيش الجزائري للقتال في حرب خامس يونيو ١٩٦٧، وختم هذه الحلقات المتتالية بتأميم البترول «٢٤/ ٢/ ١٩٧٢» وتأسيس شركة ضخمة لضخ ونقل وتكرير البترول، وتمييع الغاز وتسويقه تسمى «سونا طواك».

 أما الوجهة السياسية للدولة في هذه الفترة، فإنها في الحقيقة لم تكن اشتراكية محضة ولا رأسمالية محضة، بل ولا قومية جزائرية أو عربية أو إسلامية محضة، وإنما كانت هناك شعارات من كل هذه الخيارات تطغى عليها كلها، وتغطيها شخصية بومدين الذي ظهر متقمصًا دور البطل «المنقذ» لمنجزاته الصناعية ومناوأته للاستعمار الفرنسي، ولخطاباته باللغة العربية التي تمس شغاف قلوب الجزائريين المتطلعين إلى ماضيهم الإسلامي العربي المجيد، وفي أجواء من بساطة الملبس والتواضع، والبعد عن فخفخة الملك وزهو السلطان، واستثماره للروح الوطنية التي أججتها الثورة والنصر، بالوقوف بحزم في وجه الجارتين الشقيقتين «تونس والمغرب»، اللتين تطالبان بمراجعة الحدود على ضوء معطيات تاريخية وإقليمية، ما كان أغنى شعب شمال إفريقيا المسلم عن الصراع من أجلها..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 485

68

الثلاثاء 17-يونيو-1980

ظروف الدعوة الإسلامية وهمومها

نشر في العدد 1027

92

الثلاثاء 01-ديسمبر-1992

بيت الداعية

نشر في العدد 1063

77

الثلاثاء 24-أغسطس-1993

وقفة تربوية: ذكاء داعية