الثلاثاء 02-مايو-1989
ظاهرة قيام الليل في العشر الأواخر
قـديمًا وحديثًا
إن اهتمام أهل "الكويت"
بصلاة القيام نابع من إيمانهم العميق وتمسكهم بالدين.
في مساجد "الكويت" نجد أن
جبل الصحوة يتوجَّهون إلى المساجد ليلًا ليصلوا القيام.
في هذه الليالي المباركة التي نعيشها
الآن تنتشر ظاهرة كبيرة عند أهل "الكويت" وهي ظاهرة قيام الليل في العشر
الأواخر من رمضان... فنجد المساجد في هذه الليالي المباركات مزدحمة بالمصلين من
الشباب والكبار... ونجد الناس يعيدون النظر في توزيع أوقاتهم وبرامجهم لتتماشى مع
هذه الليالي المباركات.
•وهذه ظاهرة ليست جديدة على مجتمعنا بل هي
متأصلة ومتينة وعرفها أهل "الكويت" من القديم... من أيام القبلة والشرق
والمرقاب....
من أيام الأحياء القديمة... والأزقة
الضيقة.... من أيام كويت السور...
•لقد كان في كل حي من أحياء الكويت القديمة
مساجد يصلي بها الناس قيام الليل ولهم إمامهم الذي يصلون خلفه ولهم جوهم الإيماني
والروحاني الخاص الذي يعيشونه في مثل هذه الليالي المباركات... وهناك من أئمتهم من
يتميز بالصوت الجميل.. وهناك من يتميز بالشفافية وهناك من يتميز بمزيد من الورع
والصلاح.
•لقد كان أهل القبلة يرتادون مساجدهم في مثل هذه
الليالي المباركات... يتخللون البيوت والأزقة القديمة ليصلوا إلى مساجدهم ويدركوا
هذه الصلاة المباركة... وعرفت أحياء القبلة الكثير من المساجد التي تصلي القيام في
مثل هذه الليالي كمسجد الساير ومسجد السعيد ومسجد الشرهان ومسجد البدر ومسجد
"عبد العزيز المطوع" ومسجد السوق ومسجد "العدساني" ومسجد
السرحان ومسجد الفهد ومسجد البحر ومسجد الخليفة ومسجد مبارك ومسجد النومان ومسجد
الفارس... كل هذه المساجد وغيرها كانت تقيم الليل في أحياء القبلة القديمة ومنطقة
الوسط.
•وكان لأهل الشرق أيضًا مساجدهم التي يرتادونها
ويصلون فيها كمسجد القطامي ومسجد سعد أخو ناهض ومسجد المناعي ومسجد "أحمد
العبدالله" وغيرها من المساجد.
•وفي أحياء المرقاب تطل علينا مجموعة من المساجد
التي كان الناس يملؤونها بالذكر والصلوات كمسجد الوزان ومسجد الفليج ومسجد الفضالة
ومسجد هلال المطيري ومسجد الحمد.
•وكان هناك أعداد من الأئمة وأهل الصلاح الذين
كانوا يصلون بالناس وكانت الناس تثق بهم وبأمانتهم ودينهم "كالملا محمد صالح
التركيت" و"عبد الوهاب الفارس" والشيخ "عبدالله الخلف
الدحيان" الذي كان يصلي بمسجد البدر بالقبلة وكان من زهده أنه لا يجتمع في
بيته قوت يومين وكانت الناس تزدحم عليه وتحبذ الصلاة خلفه لما تميز به من مزيد
الورع والتقوى حتى يأتيه الناس في الجمع من الشرق والمرقاب مشيًا على أقدامهم
ليصلوا خلفه.
وكان أيضًا من الأئمة الذين يصلون
بالناس القيام الملا عثمان الذي كان يصلي بمسجد السرحان والشيخ "أحمد بن
خميس"- ابن أخت الشيخ "عبد الله الخلف"- والشيخ "محمد
الخلف" المفتي الذي صار يصلي بعد ذلك بالقادسية.
وكان هناك عدد من حفظة القرآن غير
الأئمة كالملا علي الذي كان مؤذنًا وكان يتدارك الإمام إذا أخطأ في القراءة في أي
موضع من القرآن.
وكان أهل "الكويت" في ذلك
الوقت يصلون القيام عشر ركعات وكانوا يختمون في مجموع هذه الليالي ختمة كاملة ولا
يرضون باختيار سور أو أجزاء... ولم يكن الناس كيومنا هذا يسهرون الليالي كلها فلم
يكن ثم ما يدعوهم إلى السهر ولم يكن ما يشغلهم عن النوم ولم يكن هناك كهرباء
وأنوار تساعد على السهر.... إلا أنهم كانوا يأتون بالشاي والقهوة لتساعدهم على
القيام... كانت الحياة بسيطة ولكنها مليئة بالنور والشفافية.
إن اهتمام أهل "الكويت"
بصلاة القيام نابع من إيمانهم العميق وتمسكهم بالدين فقيام الليل سنة قديمة سنها
النبي - صلى الله عليه وسلم- وكان إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان اعتزل النساء
وشد المئزر وتفرغ لعبادة ربه... وكان يصلي بالمسجد والصحابة يصلون من خلفه كان هذا
دافعًا لأهل الكويت للسير على هذه السنة المباركة.
•وفي بداية السبعينات انفجرت الصحوة الإسلامية
في العالم الإسلامي وخارجه وكان "للكويت" حظها الوافر من ذلك وبانفجار
الصحوة انفجرت هذه الظاهرة لتكون بشكل أوسع وأكبر فازدادت أعداد المصلين وازدادت
المساجد التي تصلي القيام وحتى صار المصلون في بعضها كالجمع.
وفي هذه الصحوة خلف جيل الشباب جيل
الشيوخ الكبار وقام الشباب بدور أهل الكويت القدماء.... ولتغير نظام الحياة تغير
الحال في أيامنا عن الحال في الماضي فتجد جيل الصحوة لا يذوقون النوم في ليالي
العشر الأواخر فهم يسهرون حتى القيام ويصلون القيام ويرجعون بعد ذلك ليقوموا
بتناول طعام السحور ثم يصلون الفجر.
وفي جولة في مساجد "الكويت"
نجد أن جيل الصحوة يتوجهون إلى المساجد في الثانية عشرة تقريبًا ليصلوا القيام
ونجد لهم أذواقهم الخاصة في اختيار المساجد فنجد منهم من يذهب لهذا الشيخ لجمال
قراءته ومنهم من يذهب لشيخ آخر لرقته ومنهم من يذهب لذلك الشيخ لسعة علمه ومنهم من
يختار شيخًا آخر لعذوبة دعائه، ونجد السلفيين يصلون خلف الشيخ "عبد الرحمن
عبد الخالق" ونجد من الشباب من يصلي عند الشيخ "وليد" وآخرين عند
الشيخ "الأفغاني" ونجد من لا يصلي عند هذا ولا ذاك ويختار من ينتهي
بسرعة حتى يدرك السحور أو يقضي بعض أعماله ونجد بعض الكويتيين من أصل نجدي يصلون
عند "الملا مرشد"... المهم أنهم يصلون خلف من يعرفونهم ويثقون بهم.
•ونجد لجيل الصحوة أيضًا مسالكهم في صلاة الوتر
فمنهم من يصليها في المسجد جماعة بعد القيام ومنهم من يصليها في البيت بعد رجوعه.
ونجد المساجد أيضًا تختلف في كمية القراءة فنجد بعض المساجد تحرص على أن تختم ختمة
كاملة خلال العشر الأواخر ونجد بعضهم يختارون القراءة المتأنية والهادئة على الحرص
على الختمة الكاملة، ونجد منهم من يختار أجزاء وسورًا، ونجد الأئمة يختلفون أيضًا
فمنهم من يقرأ عن ظهر قلب ومنهم من ينظر في المصحف ويقرأ منه.
ونجد ظاهرة قيام الليل تتجسد بشكل أوسع
في ليلة السابع والعشرين من هذا الشهر المبارك حيث يزداد الإقبال وتبدأ بعض
المساجد الصلاة في الساعة الحادية عشرة مساء ونجد بعض المساجد تطيل بالدعاء في هذه
الليلة.
•ومن جهة أخرى نجد بعض الكويتيين يختارون قضاء
هذه الليالي العشر في الذهاب للعمرة والصلاة في الحرم ومنهم من يشتري شققًا في مكة
ليمضي بها العشر الأواخر من كل عام ونجد ازدياد الحجوزات على الخطوط الكويتية في
هذه الليالي.
وفي بداية الثمانينات انفجرت ظاهرة
أخرى في "الكويت" وهو إقبال النساء الكبير على صلاة قيام الليل بعد أن
خصصت وزارة الأوقاف أماكن خاصة في المساجد للنساء.
وعمومًا نجد الناس قبل العشر يفكرون في
تنظيم جداولهم وترتيبها خلال العشر ليتعايشوا مع هذه الظاهرة الكبيرة التي شاعت في
"الكويت" فهم يسهرون الليل ويذهبون إلى أعمالهم في النهار فلا تبقى لهم
إلا ساعات بسيطة يستميلون فيها للراحة ليعودوا مرة أخرى إلى مساجدهم وأعمالهم.
•عثمان