العنوان ظاهرة سوق المناخ.. من المسؤول؟ وكيف العلاج؟
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 16-فبراير-1982
مشاهدات 67
نشر في العدد 561
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 16-فبراير-1982
سوق المناخ خلق ظاهرة خطيرة على الاقتصاد والمجتمع.
معظم الأسهم المتداولة لشركات غير إنتاجية أو وهمية!
سوق الأسهم فشلت في هدفها الأساسي وأرباحها غير حقيقية.
المضاربة تضر المواطنين وبيع «المدد» حرام.
البورصة تجذب الكفاءات الفنية وتحول مكاتب الدوائر الرسمية إلى مكاتب بلا موظفين.
الحكومة غائبة وتغاضت عن تطبيق القانون!
المناخ يفرز طبقة خاصة تبدد الثروة بغير حساب.
لم يعد سوق المناخ الذي تُباع فيه الأوراق المالية «الأسهم» مجرد مكان عادي ككل الأسواق التجارية، بل أصبح «ظاهرة» بكل ما لهذه الكلمة من أبعاد اقتصادية واجتماعية، والمتجول في الديوانيات أو الأسواق أو الزائر للدوائر الرسمية، تكاد لا تسمع أذنه غير حديث الأسهم وليالي سوق المناخ المعطرة بالبخور وحكايات الصفقات الكبيرة والأرباح الخيالية.
وهذه «الظاهرة» كما يجمع المراقبون وكثير من كبار التجار والمستثمرين ظاهرة «خطيرة»؛ من حيث آثارها السلبية على الاقتصاد الوطني والمجتمع الكويتي، واحتمال تبدل نعمة الأرباح الوهمية إلى خسائر فادحة تطال جمهورًا عريضًا من المواطنين. ونتيجة للإغراءات التي تقدمها سوق الأسهم باعتبارها «فتنة المال» التي يسقط فيها كثيرون، فيما تعد الفوضى القاعدة الأساس للتعامل في هذه السوق، أصبح السؤال المطروح بإلحاح هو: من المسؤول الأول عن ظاهرة «المناخ» وكيف العلاج؟
شركات غير منتجة
ولكي نكون أقرب للحق والواقع فلا بد من الالتفات بعين الفاحص المدقق في سوق الأسهم وما يتم فيها من معاملات وصفقات، والمتأمل في هذه السوق يجد أنها تتكون من:
سوق الأسهم الكويتية «البورصة» التي تشرف عليها إدارة الأوراق المالية بوزارة التجارة، وتُباع فيها أسهم الشركات الكويتية المساهمة العامة ضمن ضوابط وشروط واضحة.
سوق المناخ أو البورصة الموازية، وتباع فيها أسهم الشركات الكويتية المساهمة المقفلة أو أسهم الشركات الخليجية -الجنسية- ويملكها ويديرها كويتيون حقيقة. ولو شئنا أن نصنف الشركات التي تتداول أسهمًا في سوق المناخ لأمكن القول إنها في معظمها:
شركات مالية عقارية.
وقليل منها شركات إنتاجية كالأسمنت والغذاء.
وكثير منها لم يكتمل تأسيسها وليس لها مكاتب ولا موظفين! وإذا كان هناك نوع من الرقابة في «البورصة» تحكمها لجنة الأوراق المالية فإن الرقابة غائبة تمامًا في سوق المناخ.
ومظاهر الفوضى وعدم الرقابة تبدو في:
تداول أسهم الشركات الخليجية التي كانت وزارة التجارة تمانع في تداولها.
التغاضي عن تداول أسهم المقفلات الكويتية بالرغم من عدم انطباق شروط السماح بالتداول، وهي مُضي ميزانيتين واضحتين مع اشتراط حد أدنى للربح من عمليات هذه الشركات التي تخدم غرضها الأساسي، وليس من عمليات المضاربة بالأسهم!
عدم وجود قانون بشأن بيع «المدد» أي البيع الآجل، أي بيع عدد من الأسهم لأجل قد يكون شهرًا أو شهرين أو ثلاثة، وكلما زادت المدة زاد السعر. وهذا الأمر شجع على المضاربة، الأمر الذي استغلته شركات معدودة لتحقيق أرباح خيالية دون أن تدفع هي من جيبها شيئًا!
وبيع الأسهم لأجَل وبالطريقة التي تتم في سوق المناخ، هي معاملة حرام كما أفتى بذلك بعض أهل العلم لأنها تدخل في باب النهي عن بيع الدينار بدينار. وإضافة إلى ذلك، فإن المضاربة أدت إلى ارتفاع أسعار العقار وأسعار أخرى. وبالرغم من عدم توافر إحصائيات دقيقة عن مدى تأثير سوق المناخ على التضخم في الكويت فإن هناك إجماعًا بين جميع المشتغلين في المال والعقار أن هذه السوق تسهم في زيادة التضخم وارتفاع الأسعار، وهذا كما يعرف ينعكس على عموم المواطنين ويكون أثره سلبيًّا على ذوي الدخول الضعيفة والمتوسطة وهم غالبية الشعب.
نظرة اقتصادية
لم تقتصر سلبيات سوق الأسهم الكويتية على ظاهرة المضاربة، بل إن نظرة اقتصادية متفحصة لها تقول إن هذه السوق باعتبار أنها إفراز طبيعي لاقتصاد حر، قد فشلت في هدفها الأساسي ألا وهو تعبئة المدخرات الوطنية وتوجيهها في مشروعات يصعب الاضطلاع بها من قبل الأفراد أو المؤسسات الصغيرة؛ وذلك بسبب أن الاقتصاد الكويتي لم يعانِ أصلًا من قلة التوريدات المالية، بل العكس هو الصحيح، كما أن الشركات التي تتداول أسهمها في السوق هي شركات في معظمها مالية عقارية غير إنتاجية أي أنها لم تضف شيئًا يُذكر إلى الناتج القومي.
كما فشلت سوق الأسهم في توفير القنوات الملائمة لتوظيف أموال أصحاب المدخرات الصغيرة والمتوسطة بصورة أكثر جدوى وفاعلية. إذ بالرغم من أن الأسهم تعد من الأصول الثابتة التي تحمي صاحبها من آثار التضخم، وتتميز إضافة إلى ذلك بأنها أكثر سيولة ومردودها متجدد، فإن سوق المناخ جعلت من المستثمر مضاربًا أو في الحقيقة «مقامرًا» يربح بسرعة، ولكنه قد يخسر كل شيء مرة واحدة. ولو عدنا إلى الماضي القريب لتبين لنا كيف أن الحكومة أنقذت كثيرين من الإفلاس بسبب ركود سوق الأسهم عام ١٩٧٧؛ حيث بادرت إلى شراء كميات كبيرة من الأسهم.
الدعم الحكومي
وهذه المعلومة تقود إلى حقيقة تفسر كيف أن سوق الأسهم تلقى إقبالًا ونشاطًا عجيبًا بالرغم من كون كثير من الشركات غير إنتاجية أو وهمية؛ فقد أصبح من المعروف أن الثقة في البورصة يعود إلى دعم الحكومات الخليجية بشكل مباشر أو غير مباشر لكثير من الشركات المساهمة.
وذلك ضمن وسائل هذه الحكومات لتوزيع الثروة المتراكمة نتيجة لبيع كميات كبيرة من النفط الخام بأسعار تضاعفت أكثر من عشرين ضعفًا خلال عقد السبعينيات. ولكن بالرغم من زيادة قاعدة المستثمرين في سوق المناخ بسبب تداول أسهم الشركات المقفلة والخليجية وتجزئة أسهم الأخيرة، فإن المستفيدين الحقيقيين من هذه السوق يظلون فئة قليلة من أصحاب الشركات المقفلة أو العقارية المضاربة.
المسؤولية الكبرى
وبعد أن ألقينا نظرة اقتصادية موضوعية على سوق الأسهم الكويتية نعود إلى التساؤل موضوع هذا المقال، وهو: من المسؤول عن ظاهرة المناخ؟
في مؤتمر تطوير سوق الأسهم في الكويت الذي عقد بفندق شيراتون في منتصف نوفمبر الماضي، قال رئيس المؤتمر رئيس غرفة تجارة وصناعة الكويت عبد العزيز حمد الصقر: «إن ما ساعد على تفاقم موجاتها «المضاربة» وقوة تأثيرها في سوق الأسهم الكويتية هو غياب التنظيمات القادرة على كبح جماحها؛ حيث أخفقت جهات مسؤولة عديدة في الوصول إلى مثل هذه التنظيمات أو تراخت في وضعها موضع التطبيق». وأضاف: «إن من المؤكد أن التشريعات الحالية لا تشكو فقط من ثغرات واسعة في تنظيم عمليات سوق الأوراق المالية، بل هي تشكل عائقًا فعليًّا في وجه تطوير أعمال هذه السوق».
وفيما يتعلق بالشركات الخليجية قال السيد الصقر: «إن تأخر الجهات الكويتية المختصة في اتخاذ القرارات المناسبة أحيانًا، وتضارب هذه القرارات أحيانًا أخرى والتراخي في تطبيقها في معظم الأحيان، ساهم في تعقيد المشكلات التي نشأت عن تداول أسهم الشركات الخليجية وتكثيف الغموض حولها».
وهذا الذي يراه رئيس غرفة تجارة وصناعة الكويت يراه كثير من أصحاب الخبرة المالية والاستثمارية، فالمسؤولية الكبرى تقع على عاتق الجهات المختصة في الحكومة من عدة وجوه:
فالجهات المسؤولة أوقفت تأسيس الشركات المساهمة من غير دراسة جادة واعترفت أخيرًا أن قرارها كان خاطئًا!
وسمحت بإنشاء شركات مقفلة تكررت أسماء مؤسسيها كثيرًا.
وتغاضت عن تداول أسهم المقفلات بالرغم من مخالفتها للقانون.
وتغاضت عن تداول أسهم الشركات الخليجية!
ولم تبادر إلى تطوير التشريعات والتنظيمات الإدارية الكفيلة بتوازن سوق الأسهم وحمايتها من فوضى المضاربة.
وبالاستناد إلى هذه الحقائق، وبالنظر إلى النتائج الاجتماعية الخطيرة لظاهرة سوق المناخ، يتضح أن المسؤولية لا تقع على الجهات المختصة فقط بل على الحكومة بأسرها.
نتائج خطيرة
فالأفراد في اقتصادٍ يتميز بتراكم السيولة وضعف القاعدة الإنتاجية وبالتالي محدودية الاستثمار، بالإضافة إلى ضعف الوازع الديني والوعي الاستثماري، سيتجهون بالتأكيد إلى سوق الأسهم والمضاربة فيها بهدف الحصول على أكبر وأسرع دخل نقدي، الأمر الذي أدى إلى نتائج اجتماعية خطيرة لو استمرت لأحدثت خللًا كبيرًا في المجتمع الكويتي يصعب تداركه.
فظاهرة المناخ أفرزت «طبقة» من الأثرياء المترفين في وقت قصير جدًّا أخذ يبدد الثروة بغير مسؤولية كإهداء سيارات الكاديلاك، وكميات البخور التي وصلت قيمتها آلاف الدنانير!
كما أن الأثرياء عن طريق الأسهم أصبح الأمل الذي يراود الصغير قبل الكبير، وأصبح حديث سوق المناخ هو حديث الديوانيات والمنتديات وكأن شيئًا لا يستحق الاهتمام غير المال وجمع المال، في الوقت الذي تواجه فيه الأمة تحديات حضارية جمة تحتاج إلى عمق في الفكر والثقافة وعلوٍّ في الهمة وتفانٍ في التضحية والفداء!
وإذا كانت الكويت قد عانت من نقص الكوادر الفنية وهجرتها من القطاع العام للقطاع الخاص، فإن هذه الأزمة أخذت تتفاقم بسبب ربحية سوق الأسهم الخيالية، وبالفعل بدأ يتجه لها كثير من الأطباء والمهندسين وغيرهم من ذوي المهن الفنية.
كما أن السماح لموظفي الدولة بمزاولة التجارة خارج أوقات الدوام قد جعل من مكاتب الجهات الرسمية مكاتب أعمال خاصة للموظفين، أو حولها إلى مكاتب بلا موظفين!
ومن نتائج ظاهرة المناخ أيضًا ارتفاع أسعار العقار من بيوت وأراضِ والسلع الأخرى، كما ساهمت في زيادة التضخم، الأمر الذي يؤدي إلى تأخير سن الزواج وما قد يترتب على ذلك من مفاسد.
والمال بحد ذاته فتنة للمسلم، وإذا تراكم بطريق حرام وبشكل سريع فإنه قد يألفه وقد يصعب عليه التراجع عنه، وإذا فشِي استحلال الحرام في المجتمع فلنا أن نتخيل ما يحل به من نكال من الله ومن فوضى وعدم استقرار وأمان. وعلى أية حال فالطمع والجشع والحسد وغيرها من الأمراض الاجتماعية الخبيثة ستجد لها بسبب ظاهرة المناخ مناخًا مناسبًا لا يعلم إلا الله ما قد يترتب عليها من مكاره ومفاسد.
فإذا أخذنا بنظرة الاعتبار هذه الآثار الاجتماعية الخطيرة، بالإضافة إلى ما سبق ذكره من حقائق عن مسؤولية الجهات المختصة عن ظاهرة المناخ، يمكن فهم وجهة نظر من يقولون إن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الحكومة بأسرها. فهل تقوم الحكومة بإصلاح الأمر؟ وإذا فعلت كيف يكون العلاج؟
ذلك ما نرجو أن نعالجه في مقال آخر.