; ظاهرة «ديانا» بين الهستيريا الجماعية.. وحقائق الأحداث | مجلة المجتمع

العنوان ظاهرة «ديانا» بين الهستيريا الجماعية.. وحقائق الأحداث

الكاتب نوال السباعي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1997

مشاهدات 77

نشر في العدد 1267

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 16-سبتمبر-1997

لا تكاد تخلو مكتبة من مكتبات الأطفال في العالم من حكايات العرابات، والجنيات اللاتي يحولن بلمسة من عصيهن السحرية حياة فتاة بائسة إلى أميرة تقود عربة مسحورة وترتدي حذاء من »بللور».

هذه الحكايات التي ولدت في أحضان الثقافة الغربية، بلمساتها الكنسية وأجوائها العقيدية، وضعت وبشكل جلي بصمات التصور الغربي لأسس القيم التي يقاس من خلالها الإنسان، والتي يقدر بها الإنسان، والتي يرتفع على سلم إغريقيها الإنسان، ليصبح نصف معبود، أو كما يدعى في لسان حال الغرب.. قديسًا!!

لقد تركت هذه الحكايات أثارها العميقة على أجيال بكاملها في مختلف أمم الأرض، واستمر هذا التأثير في حياة شعوب النصف الثاني من القرن العشرين المأخوذة الألباب ببريق حضارة الغرب التي لا تخرج حكاية ديانا، هذه عن كونها واحدة من حكاياتها-حكايات العرابات من حيث الموضوع والهدف مع تغيير ما تقتضيه الحداثة والتقنيات، فلقد استبدلت بصفحات الحكايات شاشات التليفزيون والصور المنشورة، وحل الصحفيون والمصورون مكان الجنيات وعصيهن السحرية، واستبدلت بالأميرات النائمات مارلين مونرو، وديانا وغيرهما.

ولا عجب في ذلك كله، ولكن العجب كل العجب أن تنجرف وراءهم أمم الأرض في استعراض عالمي للذل النفسي، والتبعية الفكرية والحضيض الثقافي، والخواء الروحي، الذي جعل الغرب يصل قمة الصلف وهو يرى أمة.. كالأمة الإسلامية تقدم له صنوف وفروض الولاء.. في كل محفل من محافله.

من هي ديانا؟

إن الموضوعية في البحث تقتضي أن نراها ضمن إطار الحضارة التي أفرزتها.. إنها شخصية يراها الغرب الحديث فريدة من نوعها، لأنها المرأة التي وضعت سلوكها ولأول مرة، وكفرد من أفراد العائلة المالكة البريطانية، أمام المجد الشعبي وعاشت في ظل عائلة تمثل إحدى قمم السلطة الأوروبية في عالم اليوم، بينما يأكلها الفساد والتدهور الأخلاقي.

كما لا ينبغي أن نسارع إلى إطلاق الأحكام على ديانا من مقاييس الخيانة الزوجية لأنها لا تخرج عن كونها ممثلة لشريحة عريضة من نساء الغرب، إنها قضية المرأة الغربية التي يريد لها المجتمع أن تكون رجلًا على أن تبقى امرأة، وهي أم، ولكن ينبغي أن تكون عاملة، وهي زوجة، ولكن يجب أن تكون عشيقة، وهي شقية، ولكن يجب أن تبدو مبتسمة، وهي ثائرة.. ولكن يجب أن تبدو على غاية من الهدوء والاحتفاظ بالأعصاب!! هذا النموذج الغربي هو نموذج المرأة المعاصرة في أواخر القرن العشرين، والذي امتد وانتشر ليشمل معظم دول العالم، وليمثل أقصى نوع من أنواع الظلم الإنساني للمرأة.. كامرأة.. وإنسانة.

نقلت«ديانا» مأساتها الشخصية التي لا يخلو بيت أوروبي من شبيه أو مماثل لها، إلى مسرح الاهتمام الاجتماعي في العالم الغربي الذي تعاني شعوبه من مأساة إنسانية خطيرة تتمثل في اليأس، والإحباط، والكآبة، والانحطاط الأخلاقي، والفساد الفردي، بينما تجلت مأساة الشعوب الخاضعة له، في النفاق الإنساني، وانفصام الشخصية، وازدواج الرؤية في التفكير والسلوك، وهنا يكمن واحد من أهم الأسباب التي أدت إلى هذا التجاوب الشعبي على مستوى إنجلترا والعالم الغربي، ثم على مستوى العوالم الأخرى التي مازالت تحتفظ بالتبعية الثقافية الاستعمارية.

أبعاد الظاهرة 

الحدث يخص بشكل رئيس ما يسمى بريطانيا العظمى أو المملكة المتحدة، فلقد أخذت ديانا على عاتقها تدمير التقاليد الملكية في هذا البلد، وهو أمر كانت قد صرحت به مرارًا وتكرارًا، ولم تكن اعترافاتها العلنية بمغامراتها السيئة إلا وسيلة لإرغام العائلة المالكة هناك على القبول بمنحها الطلاق.

ولم تشكل ديانا، خطرًا على الأسرة الملكية البريطانية في حياتها فحسب، بل إن الأخطار المترتبة على موتها لهي مما تأخذه ملكيات أوروبا بعين الاعتبار والجد، ووراء هذه الأخطار يكمن الشيء الكثير من الاهتمام الأوروبي والعالمي بهذه الوفاة.

إن موت ديانا، يعني انقلاب الشعب البريطاني ضد وريث الملكة، وربما الحيلولة دون وصوله إلى كرسي الملك باعتباره المسؤول الرئيس عن فشل حياتها الزوجية وتورطه في جعل حياتها مأساة.

وتمرير هذا المنصب الملكي إلى ابن ديانا مباشرة دون أخذ أبيه بعين الاعتبار، يعني بداية انهيار العائلة التي مثلت وخلال ثلاثة قرون متتالية الإمبراطورية الغربية التي تولت دك حصون العوالم الأكثر أهمية في سلم الحضارات الإنسانية، وعلى رأسها العالم الإسلامي الذي مازال يعاني وفي جميع أقطاره انعكاسات السياسة البريطانية الاستعمارية التدميرية وإلى أبعد حدود ممكنة.

هذا من جهة، أما من جهة ثانية فليست قضية ديانا، إلا حربًا سافرة بين زوجين هددت وجود وصورة العائلة التي اضطرت إلى التنازل عن كبريائها وعاداتها.

ولقد آثار موت »ديانا» ألف إشارة استفهام في أذهان الناس في الغرب، وهز هذه المجتمعات بعنف، وجعل السؤال الرئيس على السنة هؤلاء ما معنى الحياة؟ ولماذا نعيش وإلى أين نمضي؟

ولكن العجيب الغريب أن يتأثر المسلمون إلى أبعد حدود التأثر بهذه القضية إلى درجة اهتزاز العقيدة الإيمانية في نفوس الكثيرين الذين هزتهم البرامج المتتالية وفي جميع القنوات التليفزيونية وعلى مدى أربع وعشرين ساعة متصلة، فصاروا يقولون إن »ديانا» لاشك في الجنة.

إن هذه الطفولية الفكرية، والسذاجة في فهم الأمور، وتمييع الأسس العقيدية الكبرى، بدت واضحة على معظم أفراد الجاليات الإسلامية المنتشرة في أوروبا، بل وفي غير أوروبا، وليس إلا أن يمشي المرء في الشارع ليستمع إلى الأعاجيب في هذا المجال.

لا ينبغي أن تجرفنا العواطف حتى نخرج من ديننا أو حتى تختل الموازين في منطقتنا، فالكفر واضح جلي، والإيمان واضح جلي، والسلوك المنحرف والفاسق واضح جلي، والسلوك الإسلامي واضح جلي، ولا نتالى على الله، ولا نزكي عليه أحدًا.

إنه من المؤسف أن يضطر المرء إلى إيضاح هذه الحقائق للمسلمين، لأن الفساد الفكري

والعقيدي بلغ من شعوبنا كل مبلغ.

الجماهير.. ووسائل الإعلام

لقد عبرت ردة الفعل الجماهيرية الإنسانية الواسعة بسبب وفاة هذه الأميرة عن ضياع الجماهير وعن شعورها العميق بالفراغ الروحي والفكري القاتلين، وعن حاجتها إلى التعلق بأي شيء ممكن من المثل والقيم.

ف »ديانا« بالنسبة للمجتمع الذي عاشت فيه لم تفعل شيئًا يختلف كثيرًا عما يفعله كل فرد من أفراده بدءًا بالأسرة المالكة، ومرورًا برجال الدين وانتهاء بجميع أفراد الشعب.

إن الشعوب الغربية- ومن تبعها من الشعوب- أصبحت من الخواء الروحي بمكان يجعلها سريعة التأثر بكل ما يمكنه أن يميز وجدانها، ويحرك مشاعرها، ويستثير دموعها، ولعل هذا الذي تفتقده الشعوب الأوروبية هو الميزة الوحيدة التي بقيت لدى إنساننا، ولولا أن وسائل الإعلام الغربية مستنفرة بشكل استثنائي ومنذ ثلاثين سنة لتشويه الإسلام، ورد الناس عنه بكل وسيلة ممكنة لدخل الناس في بلاد الغرب في دين الله أفواجًا.

إلا أن الدور الخطير الذي تمارسه وسائل الإعلام الغربية بدأ رهيبًا في هذه الحادثة بالذات وبقدر ما ساهمت وسائل الإعلام في تحطيم صورة ديانا، وتشويه سمعتها قبل الموت، ساهمت في تقديس شخصها بعد الموت، ولقد وصل الدور الخطير لهذه الوسائل أن شبكة الإنترنت وحدها كانت قد تلقت خلال الساعات الأربعين التي تلت الوفاة مليونين وثلاثمائة ألف رسالة تعزية!!

هذه الهستيريا الجماعية لا يمكن تفسيرها دون فهم الظاهرة التليفزيونية في عالمنا، حيث أصبح التليفزيون رب الأسرة، وموجه الأفراد خاصة في بلاد الغرب، حيث الالتزام، والطاعة والدقة شروط أساسية ورئيسية من شروط التربية ولا يمكن أن يصدر أمر فكري أو سياسي أو اجتماعي في التليفزيون، إلا ويتم تنفيذه من قبل معظم الأفراد وعلى الفور.

لقد أدى حادث الموت إلى وضع الكثير من إشارات الاستفهام في العالم الغربي على دور الصحافة والصحافيين الذين لا يحترمون الإنسان ولا حدود حياته الشخصية، ولا الأمه، ولا حتى موته.

 لقد أثار سلوك الصحفيين المصورين الاشمئزاز، وهم ينزلون إلى حضيض تجاري يفضلون فيه تصوير أناس في نزعهم الأخير على المسارعة لطلب نجدة لهم.

لقد أثبتوا أنه ما من شيء لا يمكن عرضه للبيع في سوق الصحافة الغربية سوق الذعر المفزع الذي تهمه الرصاصات التي قتلت لوركا أكثر من لوركا نفسه، كما قال بنجامين برادو، في مقال له في صحيفة البايبسي، في ٢/ ٩/ ١٩٩٧م: «إن بعض وسائل الإعلام العالمية تراهن على الاتجار بالجيف، وبالآلام متلاعبة بأحزان وعواطف الجماهير، عارضة معاناة الإنسان للبيع والشراء دون أدنى قدر من الحياء الذي يمنع المرء من إضافة الملح إلى الجرح هذه الوسائل ذاتها هي التي ترفع وتخفض وتشوه وتعمي، وهي التي جعلت من عظام الأطفال العراة الحفاة في إفريقيا، مادة يمكن لجماهير الناس في العالم أن تتناول الطعام وهي تراها ليلًا ونهارًا دون أن تحرك فيها ساكنًا، ودون أن ينغص مرآها لذة الطعام ولا شهوة الإقبال عليه!!..

هذه الوسائل جعلت جرائم القتل مشهدًا عاديًا في أدمغة الأطفال، ومناظر الدماء شيئًا مألوفًا.

حتى أن أحدًا ما عاد يستغرب قطع الرؤوس في رواندا، ولا هتك أعراض الأطفال واللعب برؤوس أباءهم في مباريات كرة القدم في المعسكرات الصربية، ولا مآسي الإنسان في كل مكان من هذا العالم التعيس الذي أصبح فيه الفلسطينيون معتدين والمسلمون إرهابيين واليهود عباقرة مسالمين، هذا العالم الذي انقلبت فيه الموازين وتشوهت فيه القيم، واضطربت فيه الإنسانية.

هذا العالم المسير بواسطة الإعلام الغربي بشقيه الأوروبي والأمريكي اللذين تسيطر عليهما وبصورة معروفة الأموال اليهودية، والإدارة اليهودية، قبل يوم واحد فقط من الحادث أعلنت وسائل الإعلام عن مذبحة رهيبة يشيب لهولها الولدان، على بوابة أوروبا الجنوبية في الجزائر

ملحوظة: لم تعد لبلداننا قيمة إلا من خلال علاقتها بأوروبا، ومن خلال تصور أوروبا لها بوابة أوروبا، حدود أوروبا الجنوبية، البحيرة الأوسطية- الأوروبية الضفة الجنوبية للبحر الأوروبي المتوسط المستعمرة الأوروبية سابقاً.

فماذا فعلت وسائل الإعلام من أجل تحريك ضمير البشر؟

وماذا فعل الساسة الذين يتبادلون السلطة والفعل مع وسائل الإعلام؟

يقول رافائيل مورالس في صحيفة الفائيتاء الإسبانية يوم /٩/٢/ ۱۹۹۷م: إن السلطات السياسية رفيعة المستوى افتقرت دائمًا إلى أسباب- رغم وجودها- لتعبر عن أسفها بسبب المذبحة الجارية في الجزائر، ولكن هذه السلطات وجدت السبب والوقت الكافي لتذرف الدموع على »ديانا»، بينما لم تحرك مشاعرها جثث ألف قتيل في الجزائر، ذبحوا خلال الأشهر الثلاثة الماضية فقط، يبدو أن مشاعر أوروبا لن تتحرك إلا عندما تمس مصالحها الاقتصادية أو سلامة تثير الكثير من العجب أمام هذه الحقائق، ولدى فهم واحد على الأقل من مواطنيها هناك.

إن الهستيريا الجماعية التي شهدها العالم لا تثير الكثير من العجب أمام الكثير من الحقائق ولدى فهم أبعاد وملابسات الحدث، ولكن أن تصاب شعوب عالمنا الإسلامي بمس من هذه الهستيريا فهو الذي يثير القلق والألم، وإشارات التعجب حول سلوك المسلمين أمة وشعوبًا، أمة أضاعت هويتها، وشعوبًا فقدت القدرة على التزام النظام في حياتها الاجتماعية والفكرية والسلوكية، وعبرت من خلال سلوكها عن التخبط والضياع الذي تعانيه.

الرابط المختصر :