; ظاهرة العنوسة في المجتمع الكويتي | مجلة المجتمع

العنوان ظاهرة العنوسة في المجتمع الكويتي

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1987

مشاهدات 69

نشر في العدد 823

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 30-يونيو-1987

قضايا اجتماعية:

  • غلاء المهور جعل الكثير من الشباب يتزوج من الخارج

حجم المشكلة

من الجداول الإحصائية السابقة يتبين أن ما مجموعة 25.800 امرأة كن في دائرة العنوسة من سن 25 إلى سن 54، حيث إن معظم الشباب الذين يرغبون بالزواج لأول مرة فإنهم لا يفضلون الزواج ممن تبلغ 25 فما فوق، وتبين من الجداول أيضًا أن نسبة الزيادة في حالات العنوسة لكل خمس سنوات يبلغ 9000 حالة منها 7000 غير كويتية و2000 كويتية، وهذه النسبة قابلة للزيادة أيضًا باستمرار مطرد.

نتائج المشكلة:

لا شك أن بروز هذه الظاهرة بهذا الحجم الكبير يؤدي إلى نتائج سلبية في المجتمع والتي من أبرزها:

1- انتشار الزنى أو انتشار الزنى المقنع، والتي تزني فيه المرأة بمن تحب ويمنعها أهلها من الزواج منه لاعتبارات كثيرة حتى تجعلهم أمام الأمر الواقع، وقد حدث من هذه الحوادث الكثير.

2- انتشار الحسد والغيرة بين أفراد العائلة الواحدة بين من تزوجن ومن دخلن في نفق العنوسة فيكثر الشجار، وتضعف العلائق.

3- يفقد ولي الأمر الاحترام، وينشأ في نفوس بناته اللآتي حرمهن من فرصة الزواج لأسباب جاهلية، الحقد، فتتحين بعضهن الفرص للانتقام منه بأي صورة من الصور، حتى ولو على حساب شرفها.

أسباب المشكلة:

أجمل النبي صلى الله عليه وسلم الدوافع التي تدفع الناس لاختيار الزوجة إلى أربعة دوافع المال والحسب والجمال والدين حين قال فيما معناه «تنكح المرأة لأربع المالها ولحسبها ولجمالها ولدينها» فاظفر بذات الدين تربت يداك. وتستطيع أن تستخرج من هذا الحديث عدة أمور:

1- أن من أهم أسباب العنوسة أن يكون المال والحسب والجمال هي المرتكزات التي يعتمد عليها في عملية الاختيار، وبالتالي فإنه إذا تقدم من لا يملك من هذه الصفات  شيئًا ردوه، وأبقوا المرأة دون زواج حتى تدخل نفق العنوسة.

2- أن  كل من لا يجعل الدين شرطا في الاختيار لا يمكن أن يوفق في زواجه.

3- وأن ما ينطبق على اختيار المرأة ينطبق تمامًا على اختيار الرجل؛ فأهل المرأة يريدون ممن يتقدم لابنتهم أن يكون صاحب مال وحسب وجمال أو صاحب دین.

ومن هذا نستخلص أن من أهم أسباب مشكلة العنوسة:

السبب الأول- البحث عن الشروط الجاهلية:

ونقصد هنا ما يطلبه أهل الفتاة من الزوج المتقدم لابنتهم، فهم لا يركزون أبدًا على الجانب الخلقي فيه، بل يركزون على تلك الأمور الجاهلية التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث، ومن ثم فإنهم مستعدون للانتظار حتى يتقدم من تتوافر فيه هذه الشروط وقد لا يتقدم هذا الفارس المرجو، ومن ثم تكون هذه الفتاة إحدى ضحايا تلك الشروط الجاهلية. 

وأكثر ما يؤلم في هذه الشروط، البحث عن الأصيل، وكلمة الأصيل مختلف فيها، فمنهم من يعني بالأصيل هو سليل القبيلة العربية، ومنهم من يعني طبقة التجار، أو من هم من غير طبقة الحرفيين والعمال، ومنهم من يعني هو من ولد في الكويت أبًا عن جد.

وأيا كان المعنى المقصود فإنه اختيار جاهلي ظالم سيقف فيه الأب أمام الله يسأله عن ظلم ابنته التي حرمها الزواج، وربما عرضها للحرام بسبب هذه الشروط الباطلة.

وقد جاء في ترجمة التابعي الجليل سعيد بن المسيب أن عبد الملك بن مروان خطب لابنه الوليد، فأبي أن يعطيه إياها وزوجها لأحد طلبة العلم وهو ابن أبي وداعة بدرهمين، ذلك أن الميزان الذي يعتمد عليه وشرطه الرئيسي الدين قبل كل شيء.

السبب الثاني: غلاء المهور

وهو أحد الأسباب المستفادة من الحديث السابق ولكن بالنسبة للرجل؛ فغلاء المهور إلى الحد غير المعقول، جعل الكثير من الشباب يتزوج من الخارج مما زاد في حجم المشكلة، التي سببها ولي الأمر دون أن يعلم، وقد يكون السبب أحيانًا هو التباهي لا غير أمام المعارف والأقارب وقد يكون السبب أحيانًا التنافس والغيرة من هذه القريبة التي تزوجت بمهر كذا وكذا، أو تلك الصديقة وهكذا أمام ضغط هذه الأعراف الظالمة، والتصرفات الرعناء، يعزف الشباب عن الزواج ممن ارتفع مهرها، والمشكلة في ازدياد لأن معظم الشباب من الطبقة المتوسطة ذات الدخل المحدود غير قادرة على هذه التكاليف الباهظة.

السبب الثالث: الحجز للأقارب

وقد يتقدم شباب فيهم كل ما تتمنى المرأة من صفات، إلا أنهم يُرفضون -بضم الياء- من قبل الأهل لسبب أن لها أقارب هم أولى بها من غيرهم، ولعل هذا القريب لا يريد الزواج بها، وقد يتزوج بغيرها، إلا أن البعض يستمر في حجزها له ولو كزوجة ثانية، حتى يستأذنوه، ولعله لا يأذن لتخطيطه بأن تكون له ثانية أو ثالثة، وربما بدل رأيه بعد فترة، فتسقط تلك الضحية في دائرة العنوسة؛ ولهذا يحارب الإسلام جميع هذه الشروط والعوائق الجاهلية، ولا يعتبر  إلا الدين والقيم الأخلاقية كشرط رئيسي في عملية الاختيار، ويحذر أنه ما لم يختر الزوج أو الزوجة على أساس الدين فإن ذلك يؤدي إلى انتشار الفساد في المجتمع المؤدي إلى الخلل الاجتماعي.

إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد عريض». 

وقال العلماء: «إذا زوجت ابنتك فزوجها ذا دين، إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها».

السبب الرابع: قضية الترتيب

ابتدعت بعض العوائل قضية الترتيب بين البنات والأبناء في الزواج، فعندهم لا يزوج الصغير حتى يزوج الكبير ولا تتزوج الصغيرة حتى تتزوج الكبيرة، وقد لا يتقدم أحد للكبيرة فتكون الصغيرة ضحية لهذا الاعتقاد الخاطئ. ولعل منشأ هذا التصرف هو مراعاة شعور الكبيرة، هذه المراعاة السلبية لا يدرك الآباء مدى ما ينتج عنها من نتائج خطيرة، أقلها الشعور بالظلم وأكبرها اقتراف الفاحشة.

السبب الخامس: المواصفات المثالية

الكثير من الشباب عندما يبدأ بالبحث عن الزوجة يضع في مخيلته مواصفات ملكة جمال العالم، وهذا يذكرني فيما يروى عن تلك الخاطبة التي جاء لها ذلك الشاب وقال لها: أريد فتاة ليست بالطويلة ولا بالقصيرة وليست بالسمينة ولا بالنحيلة ذات عينين ليست بالواسعتين ولا بالضيقتين ذات بشرة ليست بالبيضاء بياضًا شديدًا ولا بالسمراء.. وأخذ يضع لكل جزء من جسدها مواصفات مثالية، فعندما انتهى من الوصف قالت له الخاطبة: والله يا بني لا تجد هذه إلا في الجنة.

لا يعني هذا إهمال الجانب الجمالي، فهذه فطرة في الإنسان أنه ميال للجمال، والله جميل يحب الجمال، ولكن يجب ألا يخرجنا هذا من الواقعية، وإن ما يرى في الأفلام، وما يعرض في الصحف يختلف عن الواقع، فقد تكون المرأة صاحبة دين وخلق قويم، ولكن فيها سمنة قليلة، أو جمال متوسط أو مقبول، فهل ترفض مثل هذه أو قد تكون جميلة متدينة، ولكن تنقصها الرشاقة أو لا تكون خريجة جامعية، فهل ترفض مثل هذه، هذه بعض النماذج والنواقص الواقعية التي تكون سببًا في رفض مثل هذه الفتيات لأن الشباب يريد مواصفات مثالية، وينسى في حمأة البحث أن جانب الدين والخلق هو الأساس في هذه القضية.

السبب السادس: عدم القناعة بتعدد الزوجات:

وهذا سب من الأسباب الرئيسية في هذه المشكلة، حيث إن الكثير ممن فاتهن القطار أو على وشك أن يفوتهن يرفض رفضًا قاطعًا أن تكون إحداهن زوجة ثانية، وقد تقع بعضهن في الكفر دون أن تشعر خاصة إذا وقعت بالاستهزاء في مثل هذا التعدد الذي أباحه الشرع، وتعتبر ذلك من الظلم.

وتشارك الأجهزة الإعلامية وللأسف الشديد من خلال ما تعرض من تمثيليات ومسلسلات وأفلام بتأصيل هذه القناعة الخاطئة، حتى وصلت بالمجتمع بتخطيء أو تجريم أو سفاهة وشهوانية من يتزوج بالثانية حتى جعل الكثير من الرجال يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على الزواج بالثانية نظرًا لما يرى من ضغوط شديدة من المجتمع للمتزوج بأكثر من واحدة.

إن الحل لمشكلة الطلاق ومشكلة العنوسة ينبع من إزالة المسببات لها، بالإضافة إلى مشاركة الأجهزة الحكومية بعملية التوعية الاجتماعية للمجتمع لهاتين المشكلتين وتشكيل اللجان المكونة من وزارة الأوقاف ووزارة الشؤون والجامعة وممثلين عن الجمعيات النسائية لدراسة هذه المشكلة ووضع الحلول النابعة من ديننا الحنيف، وليست المستوردة حتى نعيد لأصحاب المشكلة ابتسامتهم ونزيد من ترابط الأسر وتماسكها، ونساعد في نشر المحبة بين أفراد المجتمع. لقد كان المجتمع الإسلامي أيام تطبيق شرع الله، لا يعرف مشكلة مثل مشكلة العنوسة، ولا يعرف زيادة في الطلاق مثل الزيادة الفاحشة في مجتمعاتنا، والتي إن دلت على شيء فإنما تدل على تخلينا لقيمنا وموازيننا النابعة من ديننا الحنيف، فهل نرجع إلى الدين، لنخلص أنفسنا ومجتمعنا من ويلات كثيرة، وفساد عريض؟؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل