; ظاهرة العنف عند بعض الجماعات الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان ظاهرة العنف عند بعض الجماعات الإسلامية

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-1994

مشاهدات 66

نشر في العدد 1082

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 04-يناير-1994

ندوة المجتمع

الحلقة الثالثة

أدار الندوة: عبد الحميد البلالي

المجتمع: ما علاقة العنف كظاهرة بالحركة الإسلامية؟

د. وائل الحساوي:

بادئ ذي بدء عندما تلاحظ التغيير السياسي ككل والذي حدث في العالم الإسلامي في هذا العصر أو الذي قبله، حدث بسبب الحركة الإسلامية، فلم نجد حركات جهادية قامت لتغيير الواقع إلا كانت ذات صبغة إسلامية مثل السنوسية في ليبيا والمهدية في السودان، وثورة الجزائر، والقسام في فلسطين، ومحمد بن عبدالوهاب في السعودية، والأفغان في هذا العصر. ولكن الذي اختلف بين هذه المدة والتي سبقتها أن أعداء الإسلام هم الذين أصبحوا يصنفون معنى العنف حسب ما يريدون. والمثال الحي على ذلك في الجزائر، فهي مجموعة وصلت للبرلمان بصورة مشروعة، فقام النظام العسكري وانقلب عليها، واعتقل أفرادها وأسقط نتائج الانتخابات؛ فقيام هؤلاء بالمطالبة بإعادة القضايا المشروعة هل يعتبر عنفًا ضد مجموعة جاءت بغير طريق شرعي وتسلطت على رقاب الشعب، ومدعومة من الخارج؟ فالذي أريد أن أقوله بأن المفاهيم هي التي غيرت وقد تشبع بها رجل الشارع تشبعًا كبيرًا، وأصبح يستخدم المفردات التي تعمد نشرها أعداء الدين كالتطرف وغيره، حتى هذا اللفظ أصبح يوصم به من هو بعيد كل البعد عن مفهوم التطرف. ولو جئنا لما يحدث في مصر وأحصينا عدد الذين يقومون بهذه الأعمال، فكم سنجد نسبتهم للعاملين في الحركة الإسلامية؟ لن يزيدوا على بضع مئات من الأشخاص، وكثير منهم مندس ومخابرات وغيرهم.

فهل يجوز أن نصف الحركة الإسلامية بالتطرف والعنف بسبب بضعة أشخاص لا يمثلون شيئًا بالنسبة للحركة الإسلامية العامة في العالم الإسلامي، والتي أحدثت التغيير في كل البلاد الإسلامية؟ وأضرب لذلك مثلًا: قضية تفجير المركز التجاري في نيويورك والتي لا ندري حتى الآن مَنْ وراءها؟ في نفس الوقت الذي كانت الصحافة والمجتمع الأمريكي يتداول تلك القضية، كانت هناك قضية أخرى لقائد مجموعة دينية يسمى «ديفيد كورش» والذي احتجز ما يقارب المائة من أتباعه، وقتل بعض أفراد الشرطة، وتمت محاصرته وانتهى الحصار بأن قام كورش بتفجير المبنى ولم يسْلم شخص واحد من الحادث؛ وجدنا في ذلك الوقت جميع الصحف تصف المسلمين بالتطرف والإرهاب، وتلصق بهم أشد النعوت بينما صمتت تمامًا في قضية «كورش» ولم يصمه أحد بالتطرف، وهذا يدلل على أن الأمر متعمد في تشويه الحركة الإسلامية. وهناك مبالغة واضحة لهذا الأمر لتشويه الحركة الإسلامية ومن ثم يسهل بعد ذلك ضربها. ومع ذلك فإننا لا ننكر أن هناك بعض الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي شوهت نظرة الغرب عن الإسلام حيث اعتبروه دينًا دمويًّا يدعو إلى العنف، خاصة عندما ترى قتلًا لبعض الأبرياء واختطافًا للطائرات، وتفجيرات في الأماكن المقدسة.

وبشكل عام نستطيع أن نقول إن الواقع الإسلامي لا يوجد به عنف، وحركات التغيير إنما هي حركات جهادية قامت لتغيير ظلم واقع، أما حركات العنف في الحركة الإسلامية فهي حركات شاذة لا يمكن تعميمها على الصفة الغالبة للحركة الإسلامية أو هي حركات ليست إسلامية.

محمد الراشد:

في واقع الحال أنه لا توجد لدينا أية دراسة موضوعية علمية، وفي الإطار المنهجي عن حجم قضية العنف في الحركة الإسلامية، ولو أننا أخذنا بلدًا بلدًا في العالم الإسلامي لوجدنا أن غالب الجماعات الإسلامية لا تنتهج العنف في عملها الدعوي، وليس هذا مقتصرًا على الواقع، بل إنها في غالبها لا تنتهج ذلك حتى في فكرها. وأنا أعتقد أنها قضية سياسية في الدرجة الأولى، وأنا أتساءل هنا: إن قضية العنف في أجزاء قليلة من الحركة الإسلامية موجودة من سنوات، فلماذا الآن فقط تُضخم هذا التضخيم، وتعطى مثل هذا البعد؟ ذلك أن مقتضيات السياسة العالمية في الوقت الحالي فرض نظام واحد على المسلمين وهو النظام الدولي، ومن السياسات الإستراتيجية لهذا النظام أن يعزل الجماعات التي تناهض عملية سياسة السلام في الشرق الأوسط وتناهض عملية استقرار المنطقة. وبسبب اعتقاد الجماعات الإسلامية أن قضية القدس وتطبيق الشريعة وقضايا إسلامية غيرها هي من صلب الدين، ستعتبر تلك الجماعات الإسلامية تلقائيًا ضد سياسة النظام العالمي الجديد وسياساته الجديدة في المنطقة، وبالتالي أصبح التركيز على قضايا الحركة الإسلامية كبيرًا في العالم، وخاصة العالم الغربي وأمريكا، حتى وإن كانت تلك القضايا صغيرة.

الأمر الآخر الذي أريد التطرق إليه أن كثيرًا من القضايا التي اتهم فيها إسلاميون وأحيلت إلى المحاكم نجد في نهاية الأمر تبرئة الإسلاميين منها، ومثالًا على ذلك تبرئة تنظيم (الناجون من النار) في مصر، وتبرئة عمر عبدالرحمن، وتبرئة شركة سلسبيل، وغيرها كثير. إذن مَنْ الذي يقف وراء هذا الأمر؟

الجانب الآخر، نحن نعيش صراع هوية في الدرجة الأولى، وطبيعة هذا الصراع تكمن في هذا النظام العالمي الجديد الذي يريد فرض هوية معينة علينا نحن المسلمين، وهي هوية التطبيع، كالتطبيع الفكري والثقافي... إلخ، كما يريد أن يقلب مفاهيم كثيرة.. ومنها مفهوم الجهاد. ولو أخذنا هذا المفهوم وحاولنا أن نسلط عليه الضوء، فجميع الجماعات الإسلامية تقر هذا المفهوم، وهو بمكانة الدفاع عن النفس، واعتباره كوسيلة من وسائل تبليغ الدين. هذه القضية اليوم ينظر إليها النظام العالمي نظرة مختلفة؛ فبينما كان هذا النظام العالمي يسمي من يذهب إلى أفغانستان من العالم العربي عام ١٩٧٩م للقتال مع الأفغان «مجاهدًا» أصبح يسميه الآن -وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي- إرهابيًّا ومتطرفًا، ويطلقون عليهم (الأفغان العرب)، وكذلك الحال في فلسطين، يطلق على من يجاهد اليهود متطرفًا وإرهابيًّا، ويطلق على قضية البوسنة والهرسك والذين يدافعون عن أنفسهم من المسلمين بأن هؤلاء ليسوا مجاهدين، إنما هم يريدون إقامة دولة إسلامية في أوروبا وهكذا. وحتى لا تختلط الأوراق فإن هناك نوعين من العنف في إطار الحركة الإسلامية:

الأول: ما نسميه «بالجهاد» وهو مشروع لدينا، سواء في حالة الدفاع عن النفس أو الدفاع عن الأقليات المسلمة أو غيرها.

الثاني: وهو الناتج من فكر منحرف أو غير واضح، فهذا غير مقبول، وإن كنا قد أبدينا رأينا بأن هذا النوع يجب أن يوضع في إطاره الصحيح بحيث لا تدمغ الحركة الإسلامية بشكل عام بالعنف.

د. عيسى زكي:

أشعر من كلام بعض الإخوة أن الحديث يتجه باتجاهين:

الاتجاه الأول: إن بعض الإخوة يرى أنه لا يوجد أصلاً شيء اسمه عنف في الحركة الإسلامية وأن العنف قضية ضخمتها أجهزة المخابرات وأعداء الدين.

والاتجاه الآخر: يقول بأن هناك شيئًا يسمى «العنف» -وطبعًا أقصد به العنف غير المقبول- تمارسه بعض الجماعات الإسلامية، وأنا أعتقد جازمًا بأن هناك من الحركة الإسلامية اتجاهات تتبنى العنف غير المقبول في تغيير الواقع باعتبارها سياسة عمل في منهجها.

خالد العدوة:

نريد من الأخ الفاضل الدكتور عيسى أن يسمي لنا جماعة بذاتها تتبنى العنف غير المقبول كسياسة عمل أو اتجاه في منهجها؟ حيث إننا يجب أن نسمي الأمور بمسمياتها، وأنا باعتقادي أن الحركات الإسلامية بشكل عام لا تتصف بالعنف، وإنما هو ثوب ألبسته لهم أجهزة المخابرات، وليس هو من نهجها ولا طرحها. وبعد ذلك حتى الطرح التوصيفي لا يعتبر عنفًا بل هو حق مشروع؛ فعندما يقول سيد قطب بأنه مجتمع جاهلي، فلا شيء فيه، وعندما يقول محمد الغزالي: «من حق الجماهير أن ترفض الإسلام إذا جاء بفرعونية طاغية، أو قارونية كانزة»، فمن حق أي إنسان أن يصف المجتمع كما يريد. وهل إذا أطلقت على المجتمع الأمريكي «بأنه مجتمع من الناحية الأخلاقية منحل»، أو «أنه نظام إمبريالي مغتصب لحقوق وإرادات الشعوب» يعتبر ذلك عنفًا؟! وليس بالضرورة أن يذهب إنسان في وصف المجتمع الذي يعيش فيه إلى أقصى حد، ثم ينعكس ذلك على ممارساته العملية في الواقع...

المجتمع: اسمحوا لي بأن أوفق بين وجهتي النظر فأطرح تساؤلاً. وهو: لو لم تكن الأسباب التي تفضلتم بها موجودة ووجد بدلاً منها العدالة الاجتماعية وإعطاء الحريات، وفرصة للتعبير عن الرأي للجميع دون محاباة، ولو أنه لم توجد استفزازات للإسلاميين، هل تتصورون بأن العنف سيوجد في الحركة الإسلامية؟

د. عيسى زكي:

صحيح أن القضية تبدأ كردة فعل لوجود سبب من الأسباب التي ذكرت، ولكن ردة الفعل من المفروض أن تكون وقتية، أما وأنها تستمر وتكون الصفة الغالبة فهي ولا شك تكون من ضمن منهجية من يقوم بها من الجماعات الإسلامية. وأضرب لذلك مثلاً رواه لي الأخ إسماعيل الشطي شخصيًا في مرحلة من مراحل دراسته، يقول إنه التقى مع شكري مصطفى ولاحظ خلفه شبه زنزانة وبها أشخاص مسجونون؛ فلما سأله عنها قال له: إن هؤلاء اختلفوا معه، وهو يسجنهم في هذه الزنزانة ثم يناظرهم، والذي لم يقتنع بكلامه سوف يقوم بقتله؛ لأنه كان يتبنى فكرة جماعة المسلمين. أقول هذه مسألة لا تتوقف على ردة فعل لتعذيب وانتهاك تعرض له، بل دخلت هذه في مرحلة التأطير والتأصيل، ومحاولة الفلسفة. ومع كل ذلك فأنا أتفق مع الأخ محمد الراشد بأننا بحاجة إلى دراسة منهجية دقيقة. ونطرح السؤال مرة أخرى، أما كان من الممكن مواجهة هذه الأفكار في مراحلها الأولى؟

محمد الراشد:

أنا أوافق الأخ عيسى في كثير من طرحه ولكنني لا أدري لماذا ينتزع الأخ عيسى قضية مهمة في هذه المسألة؛ وهي أن العامل الخارجي له الدور في تأطير الأفكار، وجعلها منهجية، ومؤصلة في حركة ما. ونحن لا نستطيع أن نفصل قضية العنف عن الأسباب، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «يولد المولود على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». كما أعتقد أن المناخ العام له تأثير لتأطير الأفكار.

د. عيسى زكي:

عفوًا... الأخ الكريم... هل تطرح هذا الأمر كتفسير أو تسويغ؟ فهناك فرق بين الأمرين؛ فإذا كان كتفسير فهذا مقبول، وأنا متفق معك فيه، أما كتسويغ فهو غير مقبول. فأنا أنظر إلى الحركة الإسلامية كحركة قيادية بمعنى أنها أمام العالم لتقوده، فلا يصح أن تبني مواقفها وسياساتها وتأصيلها الفكري على ردة فعل.

محمد الراشد:

من الممكن أن تكون الأمور التي ذكرناها مسوغًا للعنف، فأنت عندما تذهب للقاضي ليحكم في قضية ما، ستجد أنه يستخدم الظرف الخارجي أحيانًا كدليل للإدانة أو دليل للتبرئة.

د. عيسى زكي:

على الأقل في الأحكام الجنائية في الفقه الإسلامي، فإن الضغط النفسي للمجرم القاتل لا ترفع عنه عقوبة القصاص.

خالد العدوة:

جانب آخر مثلاً، في عهد عمر رضي الله عنه، أوقف حد السرقة في عام الرمادة. وأظن أن استدلال الدكتور عيسى بحادثة شكري مصطفى استدلال ذكي، ولكن تبقى قضية محدودة جدًّا ومحصورة، وحتى لو صحت قضية محاولتهم قتل العالم الذهبي على الرغم من تبرئة المحكمة لهم، فإن القاعدة عند أهل الفقه «أن النادر لا حكم له».

الرابط المختصر :