العنوان ظاهرة السقوط اللا أخلاقي.. بين مسؤولية الأسرة والمجتمع
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-نوفمبر-1999
مشاهدات 108
نشر في العدد 1378
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 30-نوفمبر-1999
ظاهرة خطيرة أخذت في التزايد في مجتمعاتنا خلال السنوات الأخيرة.. وهي ظاهرة السقوط اللاأخلاقي الذي أصاب بعض شباب الأمة بنين وبنات.. متمثلًا في زيادة الإقبال على تعاطي المخدرات والتدخين والاختلاط السافر وما يتبعه من سلوك محرم إلى غير ذلك من الانحرافات.
وكما هو معلوم، فإن تنشئة الأجيال الجديدة مسؤولية مشتركة بين الأسرة والدولة، ومادامت هناك مظاهر سلبية آخذة في الازدياد، فإن البحث يتجه نحو إدراك جوانب التقصير في أداء أحد الجانبين المسؤولين أو كليهما.
أما الأسرة فمن مظاهر تقصيرها في تربية الأبناء غياب ما يسميه بعض الخبراء «الهم التربوي»، والذي يستلزم توجيه الطاقات الفكرية والنفسية والجسدية، وما يتطلبه من استعدادات وجهود لتحقيق مطلب التربية السليمة للأبناء، وفي غياب الهم التربوي، أصبحت التربية في نظر كثير من الآباء والأمهات أمرًا نافلًا، وانتشر التسيب واللامبالاة والتواكلية والتنصل من التبعات وإلقاء المسؤولية على الآخرين والتسويف في تربية الأبناء وهم صغار، ثم إعلان العجز عن تقويمهم وهم كبار، وغلبة العواطف في المواطن التي ينبغي أن يحكم فيها العقل السليم.
وقد أثبتت الدراسات الميدانية لكثير من حالات الانحراف اللاأخلاقي التي تقع بين الشباب وخصوصًا البنات أن وراء ذلك أسبابًا متعلقة بالأسرة مثل غياب القدوة الحسنة من الأب أو الأم، وضعف الرقابة أو الاهتمام بتوجيه الأبناء توجيهًا دينيًا، وعدم توافر السلطة الضابطة بسبب انشغال الأب أو غيابه بالكلية وضعف شخصية الأم أو سوء سلوكها.
إن أحوج ما يحتاجه الناشئ أن يرى القدوة الحسنة فيمن حوله، وفي والديه على وجه الخصوص، فقد فطر الإنسان على نزعة التقليد ومحاكاة الآخرين.. وهذه النزعة لان تميز في مرحلة الطفولة بخاصة بين التقليد في الخير أو التقليد في الشر، بل إننا نجد أن الكبار لا يميزون أحيانًا عندما يقعون تحت تأثير الانبهار والإعجاب بالآخرين فيصبح التقليد أعمى، والاتباع بغير وعي ولا تمييز، ومن ثم فإن خير ما يقدم للأجيال الناشئة القدوة الحسنة في الأقوال والأفعال، والأخلاق والسلوك.
وليعلم الأب والأم أنهما مسؤولان عن تربية الأبناء مصداقًا لحديث رسول ﷺ له «كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها». (رواه البخاري) فليرع الآباء والأمهات الله في هذه المسؤولية وليؤدوها على أكمل وجه.
أما الدولة، فتتمثل مسؤوليتها على وجه الخصوص في مناهج التربية والتعليم والثقافة والإعلام التي تخضع لتوجيهها، ومن المعلوم أنه قد واكب بداية حقبة الاستعمار الغربي للمنطقة في القرن التاسع عشر تدخل غربي واضح في مناهج التعليم يهدف إلى علمنة التعليم وتخريج أجيال مبتورة الصلة بعقيدتها وتاريخها أجيال تقبل العمل تحت أيدي المستعمرين وتقبل بوجوده وهيمنته.
وعلى الرغم من أن موجة الاستقلال السياسي شملت كل بلدان العالم العربي والإسلامي تقريبًا، إلا أن مناهج التربية والتعليم لم تتحرر في أغلبها من ربقة التبعية للغرب، بل إنها قد ازدادت سوءًا في بعض البلدان نتيجة انتهاج بعض الحكومات سياسات تجفيف منابع التدين وخضوعها لتوجهات التغريب، أو السير في طريق التسوية. مع العدو الصهيوني.. وقد انعكس ذلك سلبًا على مناهج التعليم وما يدرس للأجيال الناشئة في المدارس والجامعات.
وعلى صعيد الثقافة والإعلام، فإننا نشهد على كل الساحات -إلا ما من رحم ربي- مظاهر حرب ضروس تستهدف هدم القيم والأخلاق الدينية النبيلة وإعلاء شأن الممارسات الفاسدة الشائنة، حيث التركيز المقصود والمبالغ فيه على الغناء الماجن والرقص الخليع والشباب الرقيع، وتقديم النماذج الغربية الفاسدة على أنها القدوة التي ينبغي على شبابنا أن يقتدوا بها، وعرض حالات اتخاذ الخليلات والحمل والإنجاب بدون زواج والعري وشرب الخمر على أنها من مظاهر الحياة المعتادة بل يتعمد بعض وسائل الإعلام العربية استفزاز مشاعر المسلمين كإبراز حالات زواج المسلمة من غير المسلم، أو الزعم بأنه يمكن الجمع بين التدين والفن الهابط والممارسات غير الأخلاقية.
وقد تضافر مع هذا الاتجاه اتجاه دولي يستهدف المرأة المسلمة تشارك فيه منظمات دولية وعلى رأسها الأمم المتحدة ومؤسسات دولية على رأسها البنك الدولي.. حيث الإلحاح على خروج المرأة من البيت والانشغال في القضايا التي يمكن أن ينوب عنها فيها الرجال، والتحقير من شأن الأمومة ودور المرأة في بيتها وتربية أبنائها، والزعم بان حرية المرأة لا تتحقق إلا بإطلاق حريتها في الممارسة الجنسية المحرمة والمروق من الدين والقيم، وقد عقدت من أجل ذلك المؤامرات والندوات وصيغت القرارات وأخذ بعضها سبيله إلى التنفيذ.
إن ما يحدث للأسرة المسلمة جد خطير، ولا يخرج عن كونه إهمالًا جسيمًا من جانب البعض، وتآمرًا وتخطيطًا من جانب البعض الآخر، والأمر يستدعي تحركًا نشطًا دؤوبًا يستهدف استدراك ما فات والمحافظة على ما بقي قبل أن تنهار قواعد الأسرة المسلمة... ومن ثم تنهار المجتمعات جميعًا.
لقد أدرك بعض العقلاء في الغرب ذاته أخطار ذلك الانقلاب اللاأخلاقي الذي وقع عندهم ونجد اليوم من ينادي بالعودة إلى منع الاختلاط في المدارس الأمريكية، وفي الأسبوع الماضي دانت الحركة النسائية البريطانية إجراء ما يسمى مسابقة ملكة جمال العالم في لندن الشهر القادم وشبهت المناسبة بانها سوق لبيع قطعان الأغنام.
وأولى بمجتمعاتنا التي تحمل في صدورها كتاب الله الكريم وتشريعه الحكيم أن تسارع إلى سد الثغرات التي سمحت لمظاهر السقوط اللاأخلاقي أن تزداد وأن تهتم بتنشئة الأجيال الجديدة تنشئة إسلامية قويمة تعينها على الصمود أمام التحديات ومواجهة المخططات والتغلب عليها لتعيش الأسر المسلمة والمجتمعات المسلمة وفق منهج الله الذي ارتضاه لخلقه.