العنوان طوبى للغرباء: العالم الداعية عبد السلام ياسين وراء القضبان
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1984
مشاهدات 56
نشر في العدد 669
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 01-مايو-1984
- من بين ظلام الغربة كان يخرج الغرباء واحدًا تلو الآخر فطوبى للغرباء.
كان الهدف الأساسي لمجلة المجتمع منذ ظهورها هو نشر الوعي الإسلامي لدى القارئ المسلم الوعي الذي يمتد ليشمل كافة مناحي الحياة الفكرية والدينية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدعوية... لذلك كانت المجتمع تختار لصفحاتها موضوعات متنوعة تحقق في مجملها هدفها الأساسي المتعلق بنشر الوعي الإسلامي ولم يفت المجلة وهي تقوم بهذا الواجب أن تتعرض بين الحين والآخر لعلم من أعلام المسلمين أو مجاهد من مجاهديهم أو داعية من دعاتهم تهدف من هذا إلى تكوين وتثبيت روابط العقيدة بين المسلمين أينما كانوا، والمعرفة والتعريف أحد أهم العوامل في تكوين هذه الروابط.
واليوم نتحدث عن واحد من هؤلاء الأعلام الذين وهبوا حياتهم للدعوة إلى الله في الجانب الآخر من عالمنا العربي الإسلامي، وذلك هو الداعية المغربي الأستاذ عبد السلام ياسين.
- تعريف بالداعية:
نشأ الأستاذ ياسين في وسط عائلة صالحة ملتزمة بالإسلام عبادة وسلوكًا... وبدأ توجهه الإسلامي يأخذ الطابع الدعوي منذ أن كان في الرابعة عشر من عمره فاستطاع خلال المراحل الأولى من شبابه أن يتعرف على معظم الثقافات والفلسفات إضافة للدراسات الإسلامية المتنوعة حتى أصبح لديه رصيد كبير من الثقافة الإسلامية وغير الإسلامية، كما استطاع أن يتقن اللغات الفرنسية والإنجليزية والروسية إضافة إلى إتقانه العربية التي مكنته من ممارسة التأليف فأصدر عدة مؤلفات منها «الإسلام غدًا» و«الإسلام بين الدعوة الدولة» إضافة إلى مؤلفات أخرى تتحدث عن الإسلام كتبها باللغة الفرنسية، وللأستاذ ياسين بحوث ومذكرات عديدة في مجال التعليم ومناهجه حيث كان يعمل في التدريس ثم تدرج في العمل الوظيفي ليصل إلى منصب كبير المفتشين في وزارة التعليم ثم أحيل بعدها إلى التقاعد بقرار حكومي من قبل أن يصل إلى السن التي تتناسب مع هذه الإحالة، وكان المقصود بهذا القرار إبعاد الأستاذ ياسين عن ممارسة أي تأثير في مجال التعليم وربط مناهجه بالعقيدة الإسلامية، -والملاحظ هنا أن معظم الحكومات التي تعادي التوجه الإسلامي تحاول إبعاد أبناء الدعوة الإسلامية عن مجال التعليم ودفعهم إلى مجالات وظيفية أخرى إيمانًا منهم بأهمية وخطورة المجال التعليمي على الناشئة-.
ويعرف عن الأستاذ ياسين أنه رجل متدين زاهد، صوام، قوام، وفي نفس الوقت مفكر وحركي وسياسي وقانوني... وهو ينطلق في هذا كله من مبدأ أن الإسلام دنيا ودين، وسياسة ودولة.. لذلك لم يكن متعبدًا فقط ولا مفكرًا فقط ولا أقتصر على السياسة والقانون، ولكنه كان كالغرباء السابقين البنا وقطب والمودودي والسباعي... جمعوا الإسلام من كل جوانبه فكانت دعوتهم عامة وشاملة كما هو الإسلام عام وشامل.
- الداعية والدعوة:
وهب الأستاذ عبد السلام ياسين حياته كلها للدعوة إلى الله فكان رصيده الثقافي من أجل الدعوة، وعمله في التعليم خدمة للدعوة، ومؤلفاته لنشر الدعوة، وفي سبيل الدعوة أيضًا لم يكتف بهذا كله بل توجه وجهةً حركيةً إيمانًا منه بأن الدعوة تحتاج لحركة تحمل مسؤولية هذه الدعوة والحركة تحتاج إلى تنظيم وجهد وتضحية... من أجل هذا كله وضع الأستاذ ياسين كل ماله وجهده ووقته من أجل تحقيق هذا الهدف فكانت حركة «أسرة الجماعة الإسلامية» وكان الأستاذ ياسين مرشدها ورائدها، وكان بيته منطلقها ومقرها، وكانت كلماته وتعليماته وإرشاداته منهجًا يلتزم به أتباعه وانطلاقًا من وعيه الدعوي وإيمانًا منه بأهمية الجانب الإعلامي للدعوة عمل الأستاذ ياسين على إصدار مجلة إسلامية دورية أطلق عليها اسم «الجماعة» تهتم بشؤون الحركة والدعوة ثم عمل بعدها على إصدار صحيفة إسلامية باسم «الصبح» وما أن أطل عددها الثاني حتى كان أمر مصادرتها قد خرج إلى حيز التنفيذ فاضطر إلى إصدار جريدة أخرى باسم «الخطاب» وما أن خرج عددها الأول حتى صدر أمر اعتقال الأستاذ ياسين ومصادرة الجريدة، وجدير بالذكر أن الصحف التي كان يصدرها الداعية كانت مستوفية لشروط الإصدار القانوني ولم يكن هناك من مبرر قانوني لدى السلطات المختصة لمصادرتها وإغلاقها ولكن ما تضمنته هذه الصحف من فكر إسلامي ونقد بناء وانتشارها بين الشباب كان كفيلًا بأن تعمد السلطة الأمنية كما هو الحال في معظم بلاد العالم الإسلامي إلى مصادرتها ظنًا من هذه السلطة أن حجز الصحيفة سيحد من انتشار الفكر الإسلامي بين أوساط الشباب المسلم.
- محنة الداعية:
تعرض الأستاذ ياسين خلال مسيرته الدعوية للعديد من المحن والابتلاء، وكان حاله في ذلك كحال الغرباء في كل عهد وكما كان أسلافه صابرين محتسبين كان الداعية عبد السلام ياسين صابرًا محتسبًا، وكما خرج من سبقه من محنته أشد التصاقًا بدعوته وأقوى عزيمة كان الأستاذ ياسين يخرج من كل محنة أشد عزيمة وأكثر إيمانًا بدعوته.
وكان الداعية ياسين قد اعتقل عام 1974م إثر نشره رسالة بعنوان «الإسلام أو الطوفان» دعا فيها إلى العمل بالإسلام وتمكينه في جميع مناحي الحياة، وحذر من أن تحكيم القوانين الوضعية المخالفة للنهج الإسلامي سيوقع البلاد في الفوضى... وقضى في الاعتقال ما يقرب من ثلاث سنوات ونصف واتهم عندها بالجنون ومع ذلك فقد صبر واحتسب. وبعد خروجه من السجن عاد أشد
عزيمة وأكثر حماسًا لدعوته وبدأ يمارس عمله الدعوي من جديد والتف حوله الشباب بصورة أثارت الأجهزة الأمنية المعادية في طبيعتها للاتجاه الإسلامي فلجأت هذه السلطات إلى اعتقال الداعية مرة أخرى في 27 ديسمبر 1983م ولم يشفع له عمره الذي قارب 60 عامًا من منع الاعتقال الذي كان في الأصل مخالفًا للقواعد القانونية والدستورية إلا أن الأجهزة الأمنية حبكت ضده تهمة من نوع جديد لم يعرفها القضاء المغربي قبل ذلك وهي تهمة قذف الشخصيات وحدد موعد للمحاكمة في 23 فبراير 1984م وفي الموعد المحدد فوجئ القضاة والمحامون بعدم مثول الداعية المتهم أمام المحكمة لاستمرار حجزه في السجن فتأجلت المحاكمة إلى يوم 23 مارس 1984م ولكن المحاكمة لم تتم ولا زال الأستاذ ياسين رهن الاعتقال غير القانوني حتى الآن وكان الإعلان عن موعد محاكمته خدعة بوليسية لاجتذاب الشباب الإسلامي لحضور المحاكمة ومن ثم الانقضاض على هؤلاء الشباب واعتقالهم وقد تم اعتقال 50 منهم في 23 فبراير الماضي من وسط قاعدة المحكمة، كما اعتقل 60 آخرين كانوا ينتظرون خارج المحكمة، وقد أحيل هؤلاء الشباب إلى محاكم أمنية سريعة حيث حكم على بعضهم بالسجن لمدد تتراوح بين السنة والسنتين ودفع غرامة مالية وخضعوا للتعذيب أثناء الاستجواب والتحقيق...
أما الأستاذ الداعية عبد السلام ياسين الذي لا زال رهن الاعتقال فقد شددت القيود عليه ومنع أهله وتلامذته من زيارته في السجن ومع ذلك فحبه لدعوته وعمله من أجلها لم يفارقه حتى وهو في السجن حيث ذكرت الأنباء الواردة من معتقله أن أحد رجال الأعمال الفرنسيين تأثر بصبر الشيخ وعزيمته وطريقة عرضه للإسلام فأعلن إسلامه على يديه، كما أن الحركة كسبت من اعتقاله انتشارًا إعلاميًا وجماهيرًا واسعًا، وما زال الشيخ حتى الآن صابرًا على محنته وبلائه محتسبا الأجر عند الله.
- طوبى للغرباء:
هكذا هي الدعوة إلى الله وهكذا هم الدعاة من لدن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، محن وابتلاء وفتن ومكاره... فالأنبياء عليهم السلام أوذوا وامتحنوا وصب عليهم البلاء من كل حدب وصوب ومنهم من قتل ومنهم من سجن و.... ولكن كانت دعوتهم إلى الله تستمر وتتقدم وتنتشر هنا وهناك، ويذهب الطغاة إلى حيث يتجرعون كأس الندامة والخسران المبين...
وانتقلت الدعوة إلى الله بعد الأنبياء إلى الصالحين فتبنوا خطوات أنبيائهم وانتهجوا نهجهم فاستمرت الدعوة وخسر المبطلون، ثم كانت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ختام الدعوات ومحصلتها لذا كانت المحنة أشد والبلاء أعظم ولكن الدعوة انتصرت ودخل الناس في دين الله أفواجًا...
وانتقلت الدعوة إلى جند محمد وأتباعه فحملوها في قلوبهم وسعوا بها في طول الدنيا وعرضها فكانوا رهبان الليل فرسان النهار لا يصدهم ابتلاء ولا تقعدهم محنة ولا يضعف من عزيمتهم إيذاء فكانوا بحق خير القرون.
ثم تعرضت الدعوة بعد ذلك لحصار الطواغيت وجنود إبليس فانحسر الإسلام عن بعض أرضه ثم امتد الانحسار ليشمل معظم الأرض الإسلامية نتيجة استكانة المسلمين وركونهم إلى الدنيا فعاد الإسلام غريبًا كما بدأ غريبًا، ولكن من بين ظلام الغربة كما يخرج الغرباء واحدًا تلو الآخر يحتضنون الدعوة ويحفظونها فكانوا حصن الدعوة ومأمنها، ومن أجلهم وعنهم كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا فطوبى للغرباء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل