العنوان طريق الأدب الإسلامي
الكاتب محمد حسن بريغش
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1979
مشاهدات 108
نشر في العدد 442
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 24-أبريل-1979
- لا بد للأديب المسلم من التميّز والوضوح في الوَسَائل والأهداف
- لماذا يصر طغاة الفكر المادى على كتم أصوات المؤمنين الواعية؟
شيء جميل أن نرى آثارًا أدبية جديدة تخرج إلى عالم النور.
وشيء جميل أن نحس باهتمام أكبر في تعميق التيار الأدبي الإسلامي.
وشيء جميل أن يبدأ الذين يملكون المواهب في صنع مستقبل أدبهم الإسلامي المتميز. نعم كل هذا أصبح يرى ويسمع، رغم الحواجز التي ما زالت تحول دون وصول ما يكتب إلى أنظار القراء وأسماعهم ورغم المحاولات التي ما زالت تدأب على تشويه وجهه الطهور.
ولكن علينا أن ندرك حقائق هذا العصر، وصورة الصراع الدائر على بساط أرضنا المباركة.
وأبسط هذه الحقائق هي أنه ما من نتاج أدبي إلا وينتمي إلى فلسفة معينة ويستقي من فكرة محددة، ويعمل لغاية تحددها تلك الفلسفة، وطريق ترسمها العقيدة.
حتى العبث -والتفاهات- والسقوط، والضياع أصبح عقيدة من عقائد الزمن الكثير التي ضلت الطريق.
وكذلك فإن أولئك الذين يساقون وسط التيار، ويخدعون بأردية شفافة ومظاهر براقة يخضعون لهذه الحقيقة أيضًا من حيث يعلمون أو لا يعلمون.
ومن هذه الحقائق- أيضًا- أن أصحاب الفلسفات المادية ينظرون إلى الأخلاق والقيم بغير المنظار الذي يفهمه المسلم، أي بغير المنظار الطبيعي الذي فطرت عليه الحياة، إنها مرتبطة عندهم بالتطور والحاجة المادية، والمصلحة الآتية ولهذا فهم يخضعون كثيرًا من الوسائل إلى تكييف لتتلاءم مع المرحلة، ولتخدم مصلحتهم، ولو كان في ذلك تناقض مع مبادئهم وأهدافهم البعيدة ولهذا نراهم يحتمون بالأخلاق، ويتمسحون بالدين، ويدغدغون أحلام الناس لكسب رضاهم، وتمرير مخططاتهم، أو تجاوز مرحلة صعبة تمر بهم. في مجلاتهم وصحفهم، يحرصون على تقديم طبق من أطباق الدين، والخلق، ضمن الأطباق الكثيرة المحرمة التي لا يأكلون إلا منها.
ولا يجدون حرجًا في هذا كله، يجمعون بين أفكار الدين وسلوك الإباحية ويفسرون كثيرًا من النصوص تفسيرًا ماديًا يؤدي إلى الإلحاد، ويقدمون بعض النصوص من الأحاديث الشريفة في مكان آخر.
وهكذا يستخدمون كل وسيلة ويستغلون كل فرصة، والمخدوع الساذج من يصدق دعاواهم، وتجوز عليه أساليبهم.
ولكن هذا كله لا يمنع أصحاب النظريات المادية أن يحافظوا على خط معين لهم فيما ينشرون ويكتبون ويذيعون، إنهم يحرصون على تشويه الصورة الرائعة التي رسخت في أعماق المسلمين عن دينهم: عقيدة وتاريخًا وسلوكًا، ويثيرون الشبهات حول ما يجدون أمامهم.
لهذا نراهم يتناولون أي حدث إسلامي، ويتحدثون عنه حديثًا رائعًا، يكبرون فيه النتيجة ولكنهم، وفي زاوية ما، يرجعون الأسباب إلى أمور غير التي كانت، ويربطون بين النتائج والأسباب المادية، والحاجات الدنيوية و.. و.. كما تعلموا من مذاهبهم المهلكة.
وبهذا يكسبون من ناحيتين: الأولى كسب ثقة البسطاء، والمثقفين العصريين ورواد الإسلام الفكري.
والثانية في إدخال مفاهيمهم إلى عقول هؤلاء وأولئك، وتطبيق نظرياتهم على هذه الحقبة الخالدة من تاريخنا.
وهؤلاء الناس-وهم يملكون قيادة التوجيه الفكري في كثير من بقاع العالم الإسلامي- لا يتورعون عن كتم الأفواه الصادقة، وإسكات أصوات المؤمنين الواعية لأن فيها الخطر كل الخطر، وحينها يصبون جام غضبهم، ويحرفون الكلم عن مواضعه ويزيفون الحقائق، ويشوهون صورة الدعاة، ويرمونهم بكل منقصة ليزيحوهم من الطريق.
ولكن إذا سكت كل الناس لهؤلاء الطغاة -طغاة الفكر- وإذا رضخ لهم الناس، فإن المؤمنين الصادقين لا يسكتون، لأن أصواتهم هي صوت الحق، صوت لا يخشى الموت، ولا يخاف التنكيل، يؤمن برب قادر قاهر وحساب عادل، ومصير محتوم، وجزاء حسن عند رب كريم.
والصوت المسلم صوت متميز، شجاع، صادق، صوت صاف هادئ هادر مطمئن، لا يؤثر الضجيج الفارغ، ولا يخشى القوة الغاشمة ولا ينخدع بالهرج الزائف، وهذه حقيقة ينبغي أن نعيها جميعًا، يعيها الذين يبنون للإسلام طريقًا متميزًا في الأدب والفكر والحياة.
وحملة الأدب الإسلامي اليوم لا بد من أن يتميزوا أيضًا، فالغاية السامية تحتاج إلى وسيلة نظيفة، ومجتمع الإسلام لا يقبل الخلط المشين بين صور جاهلية وأخرى إسلامية ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (الكافرون:2) ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون:6) لأن في هذا الخلط جاهلية، وفيه خطر وتزييف، وليست صورة الضياع منذ تدهورت حضارة المسلمين إلى اليوم إلا مثالًا على هذا كله، فلماذا لا نأخذ العبرة، ونعرف أن مرضاة الله سبحانه هي الغاية، وأن النصر للحق مهما طال الطريق وعظمت التضحيات.
أقول هذا ونحن نرى هنا وهناك كيف يحاول أصحاب المذاهب الباطلة أن يتدسسوا إلى قلب المجتمع الإسلامي، لا حبًا في التطهر ورغبة في الهدى، وإنما ابتغاء الفساد والتشويه ولو كان ذلك بعد حين.
والأديب المسلم عندما يحاول أن يمارس دوره في هذا المجتمع ويساهم في البناء لا بد أن يكون واضح الغاية والهدف، متبينًا للخطى والوسيلة.
أما حينما يسلك مسلك أولئك فيبرر سلوكًا ما، ويقبل أن يساهم في بناء الكيانات المنحرفة -بكتاباته- ومساهماته المختلفة، فإنه ولا شك يكون قد وقع في أحابيل تلك الدعوات وشباك هذه الفلسفات. وإلا فكيف نستطيع أن نميز بين الحق والباطل، وكيف نستطيع أن نبرهن للناس أن الذي يصنعه الإسلام لنا غير ذلك الذي تصنعه هذه الأفكار المادية؟
وكيف نقنع الناس بأن النظافة التي يضمنها الإسلام في مجتمعه غير تلك الأقذار التي تصنعها الفلسفات الأرضية؟
لا نستطيع ذلك عندما نسلك سلوكهم، نكتب في صحفهم، وننطلق في طرقهم ونبرر لأنفسنا أن نكون وهم في ناحية واحدة.
فهل من مستلزمات الأدب الإسلامي أن نعترف بريادتهم، ونخضع لمقاييسهم ونساهم في مجلاتهم؟
وهل من الطرق الصحيحة أن نقبل برابطة أدبية تجمع الحق والباطل، وتعرض الخبيث والطيب، وتضع المرأة المتبرجة والرجل المسلم في زمالة أدبية وكيان واحد؟
إن أولئك حين يستخدمون أي وسيلة للوصول إلى غايتهم لا يرتكبون ذنبًا ولا يخالفون قانونًا، بل يسلكون سبيلهم الطبيعي، ويكشفون عن خلقهم الحقيقي.
ولكن المسلم صورة أخرى - فهو لا يستبيح ما حرم الله، ولا يقبل بالباطل وليس من مهمته أن يصل إلى ما يريد بأي وسيلة، فهناك قدر الله والله يتولى المؤمنين، فإذا وضع الأديب المسلم مرضاة الله هدفًا له وسلك الطريق القويم، وتحرك الخير في الغاية والوسيلة وتميز عن هذه الضلالات كان حريًا بنصر الله
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم:47).
الريَاض ١-٤-١٣٩٩
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل