العنوان طريقنا إلى نظرية متميزة في الاقتصاد الإسلامي
الكاتب الدكتور أحمد النجار
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1976
مشاهدات 71
نشر في العدد 295
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 13-أبريل-1976
أود أن أقول ابتداء إنني لا أعتقد مهما حلق بنا التفاؤل أننا سوف نخرج من مؤتمرنا هذا ([1]) بنظرية شاملة عن الاقتصاد الإسلامي، غير أننا إذا استطعنا أن نحدد من خلال اجتماعات هذا المؤتمر طريق الوصول إلى هذه الغاية فلا شك وإننا سنكون بذلك قد حققنا إنجازًا من أعظم الإنجازات.
ولما كان ذلك هو فكري، فإن الذي سأتشرف بأن أطرحه بين يديكم سوف ينقسم إلى ثلاثة أجزاء أتناول في الأول منها تشخيصًا للتحدي الذي يواجهه فكرنا الإسلامي في المجال الاقتصادي وكيف جاء هذا التحدي وما هي أركانه وسماته، ذلك أن الاستبصار بالداء موقف نفسي ضروري يتوقف على مداه وقوته تحديد مدى العزم ونحن نسعى إلى فكر إسلامي مستقل واضح. وأتناول في الجزء الثاني إحدى ظواهر الاقتصاد الحديث عارضًا إياها على التوجيهات العامة التي أوردها القرآن الكريم والسنة الشريفة كمثال على ما يمكن أن يحيق بالعالم يوم أن ينحى دستور السماء عن عجلة القيادة، ولست أقصد من وراء ذلك أن أطرح معالجة منهجية لقضية من قضايا الاقتصاد المعاصر، ولكني أقصد إلى أن أضرب مثالًا يوقظ فينا المشاعر ويلهب بين جوانحنا الأمل والثقة في أن الطريق موجود وأنه مفتوح وأنه لا ينقصنا غير تخطيط العمل للوصول إلى الغاية.
وأما الجزء الثالث فسوف أقصره على تصوري لأسلوب العمل الذي أتخيله طريقًا للوصول إلى الكشف عن النظرية الاقتصادية في الإسلام وتخريجها ومنهجتها وفقًا لمعطيات العلم الحديث في التحليل والتقنين.
ترى؛ ما هو التحدي الذي يواجهه الفكر الإسلامي عامة والجانب الاقتصادي منه على وجه الخصوص؟
لعل التحدي الأعظم الذي نواجهه هو تسليم الكثير صراحة أو ضمنًا بأن المسلمين لكي يسايروا الرقي العالمي ويلحقوا بعجلة التقدم فإنه لا بد وأن يأخذوا بالمنهج الاجتماعي والاقتصادي الذي أقرته الأمم التي سبقتهم على هذا الطريق سواء في الشرق أو في الغرب وأن تقليد هذه المدنيات هو السبيل الوحيد للخروج من مظاهر التخلف واللحاق بالأمم المتقدمة.
ولست أرى أن التحدي الأعظم يتمثل في الصراع بين الأيدولوجيات أو المذاهب فحركة التاريخ ودورته تؤكد أن البقاء للأصلح. وأن الاستمرار مكفول للمذهب الذي يحمل أكثر من غيره كمية من عناصر الحياة وعناصر القوة الذاتية.. إن التحدي الحقيقي والتحدي المؤسف إنما هو في تقبل فكرة التقليد لأن مجرد القبول بفكرة التقليد يعني أن الرصيد الذاتي قد اهتز وأن مقومات هذا الرصيد غير موثوق فيها.
إن قبول المسلمين غيرهم لهو بلا ريب أكبر الأخطار.. إن ذلك يعني منذ البداية موقفًا مستسلمًا قانطًا.. يقول أحد المفكرين المسلمين: «ما دام المسلمون مصرين على النظر إلى المدنية الغربية على أنها القوة الوحيدة لإحياء الحضارة الإسلامية الراكدة فإنهم يدخلون الضعف على ثقتهم بأنفسهم، ويدعمون بطريقة غير مباشره ذلك الزعم الغربي القائل بأن الإسلام: «جهد ضائع».
نريد أن نسأل أنفسنا: كيف استطاعت هذه الفكرة أن تزحف إلينا؟ وكيف غدت الآن تحديًا نعتبر خطره من أكبر الأخطار؟ بطبيعة الحال فإن الأمر لم يأت بين يوم وليلة، ولكنه استغرق أجيالًا فقد لفتت الأحداث في مطلع القرن العشرين أنظار المسلمين إلى الغرب أكثر من ذي قبل.
حيث انبهرت أعينهم بألوان زاخرة وجديدة من الحياة وكان ذلك مواكبًا لانتباه الغرب إلى حال الدولة العثمانية المنهارة، فعلمت دول الغرب على بسط نفوذها على أجزاء هذه الدولة بأشكال وصور متعددة وفي هذه الغمرة ومن خلال تلك الثغرات شقت الآراء المعاصرة والقيم الاجتماعية الحديثة طريقها إلى عقول المسلمين وأمزجتهم وأذواقهم، يبشر بها ويدعو لها في إغراء ينسجم مع غرائز الإنسان ووسائل ومخترعات ترفه عن الناس وتوفر عليهم كثيرًا من العناء وكانت الحرب العالمية الثانية، فتجسمت بعدها الأوضاع التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. ومضت المخترعات الحديثة والمغريات أشواطًا بعيدة جدًّا في التأثير على المسلمين. وكان يواكب كل ذلك تولد وانتشار مذاهب جديدة وآراء وقيم اجتماعية حديثة تستهوي العقول، وتجتذب الناشئة، وتتفاعل مع الحياة، وتعمل عملها في صبغ المجتمعات الإسلامية بأصبغة لم تألفها من قبل.
وحتى نستطيع أن نلقي على هذه النقطة نظرة أكثر شمولًا، فإنني أرجو أن تأذنوا لي فــــــي الاستطراد بعض الشيء حتى نكون على بصيرة من النقاط المحورية التي ترتكز عليها وتطلق منها هذه المذاهب والآراء.
إن السمة البارزة والغالبة على إنسان الغرب نجدها بوضوح في اتجاهه البرجماني.. إنه يميل إلى أن ينسب الأهمية العملية فقط إلى تلك الأفكار التي تقع في نطاق العلوم التجريبية أو تلك التي ينتظر منها على الأقل أن تؤثر في صلات الإنسان الاجتماعية بطريقة ملموسة. وبما أن قضية وجود الله لا تقع تحت هذا الوجه- فإن العقل الأوروبي يميل ابتداء إلى إسقاط الله من دائرة الاعتبارات العملية.
إن المدنية الغربية الحديثة لا تقر الخضوع إلا لمقتضيات اقتصادية أو اجتماعية أو قومية.. إن معبودها الحقيقي ليس إلا الرفاهية. كما وأن فلسفتها الحقيقية المعاصرة إنما تجد قوة التعبير عن نفسها عن طريق الرغبة في القوة، والمدنية الغربية تعتقد أن التزيد من المعرفة المادية والرفاهية مرادفًا الترقي الإنساني الروحي والمعنوي، وهي تطبق ما وصلت إليه من حقائق في المجالات التجريبية على ما لا يمكن أن يقع تحت طائلة التجريب. وقد تبدو هذه النزعة الأساسية في المدنية الغربية متناقضة مع طريقة التفكير المسيحي بافتراض أن النصرانية هي الهيكل الروحي للمدنية الغربية، ولكن هذا التناقض يزول عندما ندرك أن المدنية الغربية ليست في الواقع نتاج النصرانية، ذلك أن الأسس الفكرية الحقيقية في الغرب يجب أن نتلمسها في فهم الرومانيين للحياة على أنها قضية منفعة خالية من أي حفيف للروح. إن المدنية الغربية حتى قر رأي المنصفين من الغربيين إنما تقوم في أساسها على المدنية الرومانية الوثنية، والغرب لم يأخذ من النصرانية- التي اعتنقها لأسباب سياسية قاهرة- سوى الطلاء الخارجي فحسب، وهو ما يزال في واقعه وثنيًّا ماديًّا لا يؤمن بغير القوة فإذا ما أضفنا إلى ذلك ما أورده التاريخ من صراعات ومعارك ضارية قامت بين الفكر الغربي وبين الكنيسة وهي معارك جعلت الفكر الغربي- عندما تحرر من عبوديته الأولى للكنيسة- يوطد العزم على العداء لكل شكل من أشكال السلطان الروحي على الإنسان ومن ثنايا هذا الخوف الباطن، ولئلا تعود تلك القوى التي ترى السلطان الروحي مرة ثانية إلى التغلب، أقامت أوروبا نفسها زعيمًا لكل ما هو ضد الدين، ولا يعرف الغربي دينًا إيجابيا واحدًا غير التعبد للرقي المادي والاعتقاد بأن ليس في الحياة هدف سوى جعل هذه الحياة أيسر فأيسر.
وكما نجد هذا الأساس في الغرب نجده في الشرق فروسيا السوفياتية لا تمثل من الناحية الثقافية تطورًا مختلفًا في أساسه عما في سائر العالم الغربي.. بل على العكس من ذلك يبدو لنا أن هذه التجربة الشيوعية ليست شيئًا آخر سوى نهاية المطاف لتحقيق تلك الميول في المدنية الغربية الحديثة، تلك التي هي بلا شك لا دينية، إن الميل الأساسي في الرأسمالية الغربية وفي الشيوعية كلتيهما إنما هو في التخلي عن شخصية الإنسان الروحية وفضائله الخلقية للمقتضيات المادية في مجموع آلي يدعونه المجتمع حيث لا يكون فيه الفرد إلا رأسًا في قطيع أو قطعة من آلة. أما ذلك العداء الحاد بين الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي فهو إنما يرجع أساسًا إلى اختلاف الخطى بين هاتين الحركتين المتوازيتين في جوهرهما وفي انطلاقهما نحو هدفهما النهائي.
إن هذا الانقسام ليس إلا انقسامًا ظاهريًّا لا حقيقيًّا، وإنه على المصالح لا على المبادئ وإنه على السلع والأسواق لا على العقائد والأفكار، فطبيعة التفكير الأوروبي الأمريكي لا تختلف عن طبيعة التفكير الروسي؛ كلتاهما تقوم على تحكيم الفكرة المادية في الحياة.
لعل ما تقدم يمكن أن يكفينا للوصول إلى النتيجة التي نريد أن نصل إليها وهي:
أن مثل هذا الموقف لا يمكن أن يتفق معنا وأن أسس المدنية الغربية الحديثة لا توافق الإسلام.
غير أنه إلى جانب هذه النتيجة فإن هنالك حقيقة لا نستطيع أن ننكرها وهي أن هذه المذاهب- وقد أفضل كلمة المذاهب عن كلمة الأيدولوجيات- قد زحفت إلينا وباتت تنخر في كياننا من خلال أشكال متعددة، ونريد الآن أن نعرف بعض الأشكال الهامة التي تزحف من خلالها هذه المذاهب إلينا.
إن أول هذه الأشكال يتمثل في موقف نفسي صنعه أمران أحدهما الغزو الفكري المركز، وثانيهما ضعف الثقة الناشئ من الجهل بحقيقة الإسلام. أما هذا الموقف النفسي فهو الانبهار بكل ما هو غربي والجري وراء تقليده. وكم كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ملهمًا نافذ البصيرة عندما كان ينهى- صلوات الله عليه- المسلمين عن التشبه بغيرهم من الأمم حتى في وحدات السلوك اليومية الصغيرة التي قد لا تستلفت النظر. لقد كان- صلوات الله عليه- يرى بنافذ بصيرته أن التقليد أول درجات الإعجاب وأن الإعجاب هو بداية الذوبان وأن الذوبان هو الانحلال وهو النهاية.
وأما ثاني هذه الأشكال فإنه يتمثل في موقف الأسر الفكري الذي يتعرض له من يتلقون العلوم عن الغرب ومن الغرب، ويقعون في حصر من جراء ما تلقوه.. حصر لا يملكون معه غير التسليم الخانع، أو تبرير الواقع في أحسن الأحوال.
وأرجو ألا يتبادر إلى الذهن أن هنالك مصادرة على تلقي العلم ونشدانه حيث كان، فالإسلام يدعو إلى العلم ويكرم العلماء، وتلك هي دعوته التي بدأت مع أول آيات التنزيل الحكيم ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1) ولكن الذي أريد أن أوضحه هو أن العلوم ليست في ذاتها مادية ولا روحية، ولكنها يمكن أن تنقلب إلى هذا المظهر أو ذاك حسب استعدادنا العقلي الخاص. إن علوم الغرب ليست هي الضارة بالحقيقة الثقافية في الإسلام دائمًا وإنما الضار هو روح المدنية الغربية التي يقترب المسلم بها إلى تلك العلوم.
إن الأثر الأكبر يجيء عندما تتلقى هذه العلوم أوعية خالية من رصيد عقيدي يعينها على المقارنة والمناقشة ويحميها من الأسر والاستسلام. وقد أحسن بعض الغيورين على الإسلام التعبير عن هذه المشكلة حين قالوا: «إن التنشئة الغربية لأحداث المسلمين ستؤدي حتمًا إلى زعزعة إرادتهم في أن يعتقدوا أو أن ينظروا إلى أنفسهم على أنهم هم ممثلو الحضارة الإلهية الخاصة التي جاء بها الإسلام». وليس ثمة من ريب في أن العقيدة الدينية آخذة في الاضمحلال بسرعة بين المتنورين الذين نشأوا على أسس غريبة وهذا بكل تأكيد لا يعني أن الإسلام قد احتفظ بوحدته كدين عملي بين الطبقات غير المثقفة، ولكننا نجد هنا تلبية أبعد من مداها العاطفي لداعي الإسلام على الطريقة التي يدركها أصحاب هذه الطبقات أشد مما نجده عند المتنورين المصطبغين بالصبغة الغربية.
أما تعليل هذا التباعد فليس لأن العلوم الغربية التي علقوا بها قد جاءت بدليل معقول على فساد حقيقة التعاليم الدينية، بل لأن ذلك الجو الفكري في المدنية الغربية الحديثة يناهض الدين إلى حد من الشدة، حتى إنه ليجعل من نفسه عبئًا فادحًا على القوى الدينية الكامنة في أبناء الجيل الإسلامي الحاضر.
إن أسوا الآثار التي ترتبت على عملية التلقي المنبهر غير الواعي أن هذه الفئة قد باتت في مجتمعاتنا أشد غيرة وأسهر عينًا على حماية المظاهر والأشكال الغربية في مجتمعاتنا من الغرب نفسه.. وقد كانت هذه هي بالفعل النتيجة التي خطط الغرب بدهاء وخبث للوصول إليها.
ويرتبط بالمظهر السابق ما نجده من تردد وإحجام عن الأخذ بالبدائل الإسلامية للأشكال والمؤسسات ذات الأصل والروح الغربية والتي توجد في مجتمعاتنا.. قد تستطيع أن تصل بجهود صعبة إلى مرحلة الإقناع بسلامة وصحة وفائدة البدائل الإسلامية التي تقدمها.. ولكنك تجد برغم ذلك كل تردد وإحجام عند محاولة الاتفاق على تطبيقها.
إن كل المذاهب الغربية أو الشرقية لم تأت بمنهج للحياة متكامل كالذي جاء به الإسلام.. إن الإسلام قد قدم للبشرية منهجًا شاملًا لكل النشاطات التي يمكن أن تذخر بها الحياة.. قدمه في توسط واعتدال يستجيب للبشرية من حيث هي مادة وروح ومن حيث هي طين ونفخة إلهية وأن الهدف الأصيل الذي جاء القرآن كله لتحقيقه هو إنشاء أمة وتنظيم مجتمع على أساس من عقيدة خاصة وتصور معين وبناء جديد.
أما الظاهرة التي أريد أن أشير إليها، فأود ابتداء أن أختار واحدة من الظواهر التي يتوافر فيها الجانب المأسوي من ناحية، والاستعلان الذي لا يسوق إلى خلاف من ناحية أخرى، والملامسة اللاصقة بالأوضاع والظروف الراهنة من ناحية ثالثة، ومن ثم فإن الظاهرة التي سنلقي عليها نظرة طائر- لا أكثر ولا أقل هي ظاهرة التضخم والأزمة النقدية التي تجتاح بلاد العالم وقد لا يكون من المناسب أن نبدأ الموضوع بتعريف التضخم؛ ذلك أنني أتشرف بتوجيه الحديث إلى أساتذة في المضمار الاقتصادي، ولكنني سأتعرض بإيجاز ما يرد من أسباب رئيسية لهذه الظاهرة في أي مجتمع. ويكاد الجميع يتفقون على أن الأسباب الرئيسية للتضخم في أي مجتمع لا تخرج في الغالب عن زيادة الإنفاق الرأسمالي من جانب الحكومة أو الأفراد، الإنفاق الحكومي على الحرب والتسليح، عدم كفاية المدخرات الاختيارية بما يتناسب مع الاستثمارات المتزايدة، ارتفاع الأجور والمرتبات، زيادة كمية النقود نتيجة زيادة حجم الائتمان وإقراض الحكومة، زيادة الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية.
ولعل هذه هي جملة الأسباب التي يفسر بها الاقتصاديون ظاهرة التضخم في أغلب الأحوال.
ولو أننا قمنا بعملية تحليلية وتجميعية لهذه الأسباب فإننا في النهاية يمكننا أن نقرر أولًا: أنها في يد كيانات ثلاثة هي:
- الدولة
- الأفراد
- المؤسسات المالية
وثانيًا: أنها لا تخرج عن كونها عملية سلوك يصدر عن هذه الكيانات الثلاثة.
أما الدولة وسلوكها فلا يغيب عن أحد منا كيف أثر الفكر الاقتصادي الغربي في الدور الذي تقوم به الدولة حاليًا، والسياسات التي تمارسها الحكومة في أغلب المجتمعات متأثرة بوجه أو آخر من هذا الفكر.
لقد بدأت النظرة إلى النقود نظرة حيادية. فالنقد رمز يعبر عن قيمة مقابلة وكان دور الدولة محصورًا بذلك في أضيق الحدود.. ثم تطورات نظريات النقود حتى جاء بنظرية سيادة الدولة. وجاء كينز بدعوته إلى تحقيق العمالة الكاملة عن طريق زيادة الإنفاق.
ولو كان بتدخل الدولة وقيامها بدور إيجابي في النشاط الاقتصادي. وصادفت هذه الآراء صدى في نفوس الحكومات فبدأت منذ ذلك الوقت تمارس سياسات تؤدي جميعها بدون استثناء إلى تضخم، أو على الأقل تفقد الحصانة ضد التأثر بالتضخم. وتؤكد لنا الشواهد التاريخية أن السبب الرئيسي لكل أزمات التضخم الكبيرة في الماضي ترجع إلى إساءة تصرفات الدولة، وهنا نقفز قفزة سريعة لنسأل :
ترى؛ هل يمكن القول بأن تصرف معظم الحكومات يمكن أن يكون تصرفًا إسلاميًّا إذا عرضناه على ما جاء بمصادر التشريع الإسلامي من توجيهات في المجال الاقتصادي، وإذا اتبعنا هذا السؤال بالإشارة إلى الأسلوب الذي تنتهجه معظم هذه الحكومات من الاقتراض من بنوكها المركزية بالفائدة، فإنه يصعب علينا أن تكون إجابتنا على السؤال المطروح بالإيجاب فإذا انتقلنا إلى الأفراد فسوف نجدهم تمشيًّا من إحدى القواعد الاجتماعية الثابتة يتأثرون بسلوك الحكومات ومؤسساتها الرسمية.
وحتى عندما لا تطمئن الحكومات والمؤسسات المالية الرسمية إلى التأثر التلقائي من جانب الأفراد، فتتجه عمدًا إلى التأثير المقصود، وتتدخل لتغيير سلوك الأفراد الذي يؤدي إلى التضخم، فإنها تشتق برامج الوسائل إلى التغيير من فكر مادي وافد. ولذلك فإننا نرى أن أهم ما تعتمد عليه من وسائل إلى ذلك التغيير يتركز على سعر الفائدة. وبذلك فإنها تعتمد أساسًا على الجوانب المادية من الحوافز، سواء كان ذلك بالنسبة للحد من إنفاق الأفراد وزيادة مدخراتهم أو حث المنتجين على الإقدام على الاستثمار، ولا يسجل التاريخ غير حالات نادرة اتجهت فيها الحكومات أو الزعامات إلى الاستعانة بقيم أو مبادئ لتغيير سلوك الأفراد. ومن هذه الحالات النادرة ما فعله ونستون تشرشل من استثارة الشعور الوطني لدى الشعب البريطاني إبان الحرب العالمية الثانية، وما فعله غاندي باستثارة النزعة الوطنية لدى المواطنين للادخار، والأمر الذي يستحق التعليق أن نتائج استخدام مبادئ أو قيم وضعية كانت كبيرة وهامة، فكيف يكون الأمر لو استعين في تغيير السلوك بقيم ومبادئ روحية حيث يستشعر الأفراد عندئذ أنهم يلتزمون بتكليف يتلمسون به إلى الله الزلفى والتعبد.
ولا يفوتنا ونحن نتحدث عن الأفراد أن نشير إلى الآراء الحديثة في النقود، والتي تربط بين قيمة النقود والعامل النفسي، فهم يقولون: إن من العوامل الرئيسية لفقدان النقود لقيمتها الموقف النفسي للأفراد تجاه قيمة النقود في الحاضر والمستقبل، وهكذا يشكل الموقف النفسي تجاه النقود وعدم التوازن بين الميل للادخار والميل للاستثمار ظاهرة عادية بالنسبة لانخفاض قيمة النقود.
ومحصلة ذلك كله أن الأفراد بسلوك معين يسهمون في التضخم ويأتي إسهامهم نتيجة سلوك اضطراري تسوقهم إليه تصرفات الحكومات والمؤسسات.
وفي مجال الحديث عن سلوك الأفراد، يهمنا أن نشير إلى مظهر آخر يتمثل في أننا نلاحظ أن الحريصين من الأفراد على الالتزام بالتوجيهات الإسلامية يجدون أنفسهم رغمًا عن إرادتهم مربوطين بعجلة مؤسسات غير ملتزمة بهذه التوجيهات. فالملتزم الحريص مثلًا يعي تمامًا حرمة الاكتناز أو التقتير، وما ورد فيهما من نهي ووعيد، ويعي المصلحة الاقتصادية المترتبة على عدم حبس ما بيده من نقد أو من ذهب أو من فضة عن التداول، ولكن يعي في نفس الوقت ذلك التحريم المشدد في أخذ الربا، وقد نهى الله عنه، ومن هنا يقف ذلك الموقف المحير بين محظورين: الاكتناز من جهة والربا من جهة أخرى، وكل المؤسسات المالية من حوله تقوم على الربا، فيضطر في النهاية- خروجًا من هذا المأزق- إلى الإسراف في الإنفاق الاستهلاكي، لا، لأنه هو المخرج المطلوب، ولكن لأنه المخرج الممكن في ضوء مقارنة درجات الحظر والإباحة وينسحب هذا الموقف على سلوك التاجر والمنتج.. إلخ.
لا شك أن هناك وسائل لتغيير سلوك الأفراد، بحيث تحد من الآثار السيئة للسلوك غير الإسلامي للحكومة والمؤسسات المالية غير إننا سنعرض لهذه الوسائل في غير هـــــــذا المقام.
نأتي بعد ذلك إلى المؤسسات المالية:
تقع البنوك والمؤسسات المالية في وسط أو مركز التيار النقدي فهذا التيار يندفع بمعدلات سريعة متفاوتة وبأحجام معينة إلى البنوك لينساب بعد ذلك منها بمعدل وحجم أقل أو أكثر.
ومن هنا يعتبر البنك أو المؤسسة المالية حلقة أساسية في سلسلة الدائرة النقدية في المجتمع ومن هنا أيضًا من هذا الموقع الاستراتيجي في دورة التيار النقدي- يتسنى للمؤسسات المالية تأثيرها المتشابك المتأثر والمؤثر على الدولة وعلى الأفراد. هذه المؤسسات المالية تعتمد من ناحية في مواردها المالية أساسًا على ودائع الأفراد بأنواعها التي تتدفق إليها، وتعمل هي من جانبها على استمرار هذا التدفق، ملوحة تارة بالحوافز والدافع المادي، وتارة بحجة الأمان وتيسير المعاملات. وتعتمد في بقائها ونموها على حاجة الأفراد المنتجين لتمويل نشاطهم وما يصاحب هذه الحاجة من تقبل شروط الاستدانة التي تفرضها هذه المؤسسات، كما تعتمد كذلك على حاجة المأزومين الذين تواجههم ظروف صعبة طارئة. وهي في كل الحالات تزداد أرباحها وتتضخم ثرواتها، ومن ثم تتزايد قوتها ويتعملق نفوذها.
إنه لمما يلفت النظر أن ترتفع نسبة المدينين في مجتمع كأمريكا إلى ما يقرب المائة في المائة، بالرغم من ارتفاع مستوى المعيشة وما ذلك إلا نتيجة تخطط لها البنوك والمؤسسات المالية وتبلغها بتأثيرها الدعائي الضخم الذي يركز على الدعوة إلى الشراء بالتقسيط، ويغري به ويزين له فيقع في حبائل هذه الدعايات الغالبية العظمى من المجتمع ليعيشوا بعد ذلك أسارى ينهشهم التوتر، ويفتك بهم القلق، ويتحركون في دائرة مفرغة من الهم الذي لا يجدون دفاعًا نفسيًّا إزاءه غير الجري المسعور بغير هوادة وراء المادة والكسب، والتماس النسيان بالاستغراق في المتع والشراب.
إن الحديث في هذا المجال طويل طويل.. والنقاش فيه ممتد ومتشعب، وكل ما أريد أن أستخلصه من كل ما تقدم أن أستلفت النظر إلى النقطة الأم في هذه الدوامة الجهنمية هي سعر الفائدة، إنه هو العنصر المحرك الذي يدفع المؤسسات والحكومات والأفراد إلى سلوك يقود حتمًا إلى التضخم.
ترى هل نجد في الإسلام مخرجًا وبديلًا عن ذلك العنصر؟ إنني أقول:
نعم، وهذا البديل هو تنفيذ مبدأ المشاركة.
[1] «ألقي هذا البحث في المؤتمر العالمي الأول للاقتصادي الإسلامي الذي انعقد في مكة المكرمة بدعوة من جامعة الملك عبد العزيز».