; دراسة: طرق تخطيط السياسة الإستراتيجية في العالم الإسلامي «1 من 2» | مجلة المجتمع

العنوان دراسة: طرق تخطيط السياسة الإستراتيجية في العالم الإسلامي «1 من 2»

الكاتب محبوب عالم خواجه

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1994

مشاهدات 79

نشر في العدد 1095

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 12-أبريل-1994

تخطيط السياسة الاستراتيجية يحدد المسارات والأولويات والقضايا ويبرز الآفاق الجديدة للتغيير والتطوير بما يخدم مصالحنا الوطنية والدولية.

الساسة المسلمون فضلوا تبني مفاهيم السياسة الأجنبية ونظرياتها ومبرراتها في رسم أهداف سياستهم.

تخطيط السياسة عند ساسة المسلمين معناه التفاعل مع أحداث معينة في الحالات العصيبة والتطورات المفاجئة.

مفهوم الاستراتيجية

تخطيط السياسة الاستراتيجية هو نظرة تحليلية للحاضر والمستقبل مع تفهم عميق لأحداث الماضي، ويرتكز التخطيط على التحقق التجريبي الهادف إلى صياغة أفضل الأساليب الممكنة والطرق والوسائل من أجل تحقيق الإنجازات العملية للأهداف الوطنية الحيوية للسياسة القومية والدولية. تبحث طرق التخطيط الاستراتيجي في المصالح الوطنية والدولية والأولويات، وتتطلب فهمًا شاملًا للحقائق القائمة والتغيرات المتعلقة بكل ما يجري على الساحة في الزمن الراهن والمستقبل القريب والبعيد، فكيف يمكن أن تؤثر على أهداف سياستنا المحلية والدولية؟ وكيف يمكن أن تؤثر على مصادرنا القومية وعالمنا السياسي والثقافي والاقتصادي والتربوي والعسكري الخاص بنظام حياتنا؟ وماذا يجب أن نفعل من أجله الآن؟ وفي المستقبل القريب، وفي العام المقبل، وعلى المدى البعيد؟ ما التغيرات والتطورات التي قد تطرأ والأزمات والأوضاع التي تؤثر على مصالح سياستنا الوطنية والدولية، سواء من حيث الموقف السياسي أو علاقتنا مع الشعوب الأخرى أو التقدم التكنولوجي أو النزاعات أو القرارات أو الأحداث؟ وهل يجب أن تؤثر هذه الأشياء على ما نحاول فعله؟ إذا كان الأمر كذلك فبأي شكل يمكن أن تؤثر وإلى أي مدى؟ وماذا نحتاج لحماية مصالحنا وسياستنا والنشاطات السياسية والاقتصادية والعلاقات في الداخل والخارج؟

إن تخطيط السياسة الاستراتيجية من شأنه أن يحدد المسارات للشؤون المتفاعلة والأولويات والأدوار والقضايا من خلال عملية السيطرة الفعالة، ومن المتوقع أن تبرز آفاق جديدة توفر الإمكانات للتعرف على أولوياتنا وإنجازاتنا في التغيير والتطوير والقضايا والشؤون لتجديد الخيارات المنطقية والقيام بكل ما فيه خير من أجل مصالحنا الوطنية والدولية.

كيفية الإعداد لتخطيط السياسة الاستراتيجية

التخطيط الاستراتيجي ظاهرة مستمرة لا تقترن بحدود ثابتة من أجل التأمل والتفكر في تعقيدات العالم الثالث، ويعتمد التخطيط لوضع السياسة الاستراتيجية على ما يلي:

1- ذكر مبادئ المسارات السياسية والأهداف المحددة والإطار الزمني والأساليب والأدوات وأقصى درجات التطبيق لتحقيق كافة الأهداف والغايات المرجوة.

2- تطوير وعرض الفرضيات المنطقية للسياسة وبدائلها استنادًا إلى مبادئ وأهداف السياسة الاستراتيجية.

3- الأخذ بعين الاعتبار علم وفن رسم السياسة الاستراتيجية بالنسبة للزمان والمكان ووسائل التطبيق.

4- تحديد عملية تطوير السياسة الاستراتيجية استنادًا إلى نظام الأولويات المحدد سلفًا.

5- مراجعة كافة القيود المفروضة على السياسة الاستراتيجية والتخطيط والإطار العام والنتائج المترتبة عليها.

6- تطوير خطط الطوارئ والخطط البديلة لها لتطبيق مبادئ أهداف السياسة الاستراتيجية.

7- إعادة تقييم الخطط والبدائل المنطقية لها من أجل تطبيق أهداف السياسة الاستراتيجية وتحقيق أفضل النتائج.

8- الاختبار الفعلي لتسلسل تطبيق السياسة والإجراءات المضادة وتحقيق الأهداف، والتأكد من الوضع، والعوامل ذات الصلة والنتائج. تذكر دائمًا ظاهرة التغيير الملاحي باعتبارها جزءًا من نظام تخطيط السياسة الاستراتيجية.

لماذا تخطيط السياسة الاستراتيجية؟

يعتبر التطوير في تخطيط السياسة الاستراتيجية ظاهرة جديدة بالنسبة للدول الإسلامية التقليدية خلال العقود الماضية خاصة تلك التي أعقبت انهيار السياسة الاستعمارية، فلم يحظَ هذا المجال المهم في هذه الحياة سوى بالقليل من الاهتمام، ونظرًا لعدم الاكتراث وضياع الأهداف، لذا يبدو أن مخططي السياسة الإسلامية قد توصلوا إلى علم تخطيط السياسة بطريقة عفوية تاركين معظمه للتخمين ولعبة الحظ؛ لأن الإنجازات الأكاديمية والعلمية التي تحققت في مجال تخطيط السياسة الاستراتيجية غير موجودة في العالم الإسلامي، وفضلاً عن ذلك، فإن رجال السياسة جاءوا أصلًا من مؤسسات مثل: القوات المسلحة، أو الخدمات الاجتماعية، أو المؤسسات الاقتصادية، وليس لديهم سوى القليل من المعرفة بالنسبة للبحث العلمي الأكاديمي أو الإبداع الفكري في علم تخطيط السياسة وتطويرها. ولو نظرنا إلى الموضوع نظرة تجريبية أوسع، نجد أن مخططي السياسة المسلمين قد تجاهلوا وأخطأوا في فهم الملامح البارزة لقواعد تخطيط السياسة وتطويرها، فكان تخطيط السياسة بالنسبة لهم يعني ببساطة التفاعل مع أحداث معينة في الحالات العصيبة والأحداث المفاجئة والتطورات الطارئة.

ولم يكن تخطيط السياسة ووضع جدول من أجل تطبيقها هدفًا منشودًا أو محددًا من قبل ومعروفًا لدى مخططي السياسة المسلمين في العقود الأخيرة، فقد فضلوا مفاهيم السياسة الأجنبية ونظرياتها والمبررات المتعلقة بأهداف رسم هذه السياسة. لماذا فشل المخططون المسلمون في التنبؤ بأهمية نظام تخطيط السياسة؟ تحاول الأمم والشعوب هذه الأيام متابعة تحقيق أهدافها العليا في مجالات مختلفة من المساعي الإنسانية، فالتخطيط الاستراتيجي كما هو معروف تقليديًّا لا يقتصر على العلوم العسكرية أو الأمنية أو على الحرب.. إنه موضوع حيوي ينطبق على مظاهر الحياة البشرية الأخرى، أيضًا سواء من حيث التعليم والتكنولوجيا وتوزيع المصادر، والتخطيط المالي، إضافة إلى تغيير أو تطوير المشاريع.

لقد قامت الأمم الصناعية بتمويل تخطيط السياسة الاستراتيجية كمنهج حياة، بينما الدول الأخرى يبدو أن التخطيط الاستراتيجي لم يحظَ بالاهتمام والدعم، ويتضمن تخطيط السياسة الاستراتيجية أفضل الأهداف التي يمكن تحقيقها من خلال التطبيق الفعلي لها؛ ذلك أن تخطيط السياسة الاستراتيجية يصبح أكثر حيوية من أي وقت مضى عندما يستدعي الأمر إحداث تغيير اجتماعي أو متابعة أهداف التطوير والمجتمعات الإسلامية بفضل عقيدتها لديها دور متميز يجب أن تضطلع به في المجتمع الإنساني... إن رمز الحياة الإسلامي يملي عليك أن تفكر قبل أن تفعل بدلًا من التأجيل باعتباره مبدأ الالتزام الأصيل، ولكن عندما يقوم المرء بتحليل الدور التفاعلي للدول الإسلامية الحديثة لا يلمس الإنسان إلا القليل من هذا المبدأ.

وتمثل أهم المشاكل التي نعاني منها شرعية النفوذ الاستعماري في أرجاء رئيسة من المجتمعات الإسلامية وغالبًا ما يحتاج الأفراد الذين «يفكرون» و«يخططون» من أجل التغيير والتطوير إلى رؤية فكرية أكاديمية، كما أن معظم مخططي الساسة ينتمون إلى النظام الغربي في تعليمهم وعملهم، وكذلك محتوى أفكارهم وسلوكهم السياسي. أما الدول الإسلامية التي استقلت حديثًا فلم تُعنَ بأهمية تطعيم أجهزتها بالتعليم الإسلامي أو التراث الفكري الإسلامي، وكل ما يفكر به مخططو السياسة المسلمون ينتمي بالدرجة الأولى إلى الماضي المندثر، بل إن معظمه أساليب بائدة، ولقد تم تجريد المجتمعات الإسلامية من القدرة على التجديد الفكري والإحساس بالوازع الديني. ونظرًا لكونهم مسلمين فيجب ألا يفكروا بالإسلام كمنهج حياة، أليس هذا في حد ذاته تخطيطًا استراتيجيًّا آخر لجعل المسلمين خاضعين لنمط جديد من الهيمنة الاستعمارية؟ هل ستظل المجتمعات الإسلامية تعتبر هذه الظاهرة على أنها قدرها في الحياة؟ هل يجب أن يُترك المسلمون حتى ينتقلوا إلى معسكرات اللاجئين أو حتى يصبحوا ضحايا لخداع وتضليل زعمائهم؟ أم يتوقعوا من الأمم المتحدة أن تفعل شيئًا من أجلهم؟ ما المطلوب من المسلمين أن يفعلوه في المقام الأول؟

لقد ساعدت المجتمعات الإسلامية أو ما يسمى بالدول الإسلامية المستقلة أعداء المسلمين على تهجير الشعوب المسلمة وإثارة مشاكل جديدة بحيث لا يستطيع أحد أن يكتشف إهمالهم وتقصيرهم المطلق، ويرى مخططو السياسة المعاصرون أن على المسلمين جميعًا أن يكونوا منشغلين بطريقة أو بأخرى في مسائل هامشية سطحية لا تخدم المجتمعات الإسلامية أبدًا. وأنت كفرد مسلم يجب أن تبقى مشغولًا في مشاهدة ألعاب الفيديو ومباريات كرة القدم والأفلام الخليعة والاستمتاع بلذات الحياة وعطلات نهاية الأسبوع. هذا كل ما أصبح مخططو السياسة منشغلين به. أما المفكرون الغربيون فإنهم يفكرون وينفذون بأسلوب غريب، فالأجانب لا يمكن أبدًا أن يقدموا للمسلمين ما يجب أن يفكر به المسلمون أنفسهم ويفعلونه.

 

الرابط المختصر :