العنوان طرابلس المسلمة في وجه المؤامرة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-نوفمبر-1983
مشاهدات 68
نشر في العدد 645
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 15-نوفمبر-1983
لماذا طرابلس؟
إن المتتبع للأحداث الأخيرة في الشمال اللبناني، يعرف بأن الأمور ومنذ بداياتها كانت تتجمع وتتجه بهذا الاتجاه، لتصل إلى نقطة التفجر، لأن مؤشراتها كانت تعتمل منذ أمد.
فمدينة طرابلس المسلمة لم تخضع ولم تذل ولم يصبها ما أصاب الأراضي اللبنانية، وهي تركت إلى آخر المطاف لتكون آخر دفعة في تصفية الحسابات، ووضع آخر رتوش المؤامرة الكبيرة في لبنان، لتكون طرابلس المسرح الذي يشهد العالم فيه آخر فصل من فصول المأساة.
وتجمع طرابلس المسلمة عنصرين للقلق والخوف، بالنسبة لكل أطراف التآمر والخيانة في لبنان، ففي هذه المدينة، التواجد الإسلامي هو الناشط والفاعل، حيث تتمتع الجماعة الإسلامية هناك بثقل وبحضور قوي، وبتعاطف الجماهير المسلمة معها، حيث إن الطابع العام للمدينة إسلامي.
أما عنصر الإقلاق والخوف الثاني، فهو أن المدينة كانت القناة التي يتجمع فيها الفلسطينيون بعد الحصار والرحيل، وهي المكان الذي احتضن أبناء وأطفال الشعب الفلسطيني المشرد، بسبب المذابح وتآمر كل قوى العمالة.
فللدور الذي لعبته المدينة المسلمة باحتضان وإيواء أبناء الشعب الفلسطيني، وللدور الذي لعبته قبلًا في تأييد ودعم المجاهدين المعارضين للنظام البعثي القريب، لهذا وذاك فإنه يراد للمدينة المسلمة الآن أن تدفع ضريبة هذه المواقف.
خاصة وأن طرابلس وبثقلها الإسلامي وبتواجد أبناء الشعب الفلسطيني فيها جمعت القوى الرافضة للخضوع والاستسلام للواقع، الذي تريد أن تفرضه أطراف التآمر الرهيب في لبنان...
فتركت المدينة حتى آخر المطاف على أمل أن تعتمل فيها خلافات طائفية وحزبية داخلية، فتنهك المدينة وتضعفها وتجعلها غير قادرة على الصمود، فيتسلمها الحكم اللبناني الصليبي بسهولة.
ولما آن الأوان، فإنه كان لا بد من عملية تسريع إنهاك وإذلال وإخضاع المدينة، وذلك بحصارها وإعدامها، وخنق أبناء الشعب الفلسطيني وإنهاء وكسر شوكة الوجود الإسلامي المسلح في المدينة، لتتهيأ الأجواء أمام الأطراف المختلفة، لوضع وتنفيذ ما تآمروا عليه خلف وأمام الكواليس.
ترتيب وتنفيذ وتآمر
ويشكل الحصار الذي تفرضه القوات السورية والليبية، ومن سار في فلكهما من الفلسطينيين بدء السعي الهادف لإذلال المدينة، حتى تمهد الطريق للزحف «الذي بدأ الآن» فعلى مخيمات نهر البارد والبداوي، من أجل تسوية العقبة الأخيرة في وجه المخطط الكبير الذي بصم عليه كافة الفرقاء في الساحة اللبنانية: كتائب- اشتراکیون دروز- جنبلاطيون- والتآمر البعثي والخبث اليهودي- والخرس العربي المعهود، وما الأحداث الأخيرة التي شهدتها الساحة اللبنانية في طرابلس المسلمة إلا إحدى الثمار الخبيثة لما تفتقت عنه عقول السادة المجتمعين في «مؤامرة» الحوار الوطني بجنيف.
فيتمسك الجنبلاطيون الدروز من عملاء النظام النصيري بإلغاء الاتفاق «الإسرائيلي- اللبناني» رغم تواطؤهم السافر مع اليهود، هذا من جهة.. وتتمسك سوريا بأنها لن تنسحب من لبنان إلا بعد انسحاب «إسرائيل»... فتعلن دولة العدو بأنها لن تتحرك إلا بعد ضمان أمنها وسلامتها وإنهاء ما بدأته من عملية السلام للجليل، وطبعًا لن يكون هناك أمان «لإسرائيل» ما دام هناك صوت إسلامي رافض، ومادام هناك فلسطيني يقاوم، ثم إنه لن يطمئن الحكم اللبناني الصليبي، ولن يستقر كيانه ما دامت طرابلس المسلمة لاتزال صامدة، لم تذل فتكون النتيجة والمحصلة لكل المعطيات السابقة هي ما نشهده الآن من أحداث:
مؤتمر جنيف: إلغاء الاتفاق بالتقسيط المريح...
ولضمان أمن اليهود فلا بد من إعطائها الأمان والاطمئنان بضرب قوى الرفض والصمود بطرابلس المسلمة آخر المعاقل الصامدة.. فتتحرك سوريا وليبيا وبعد ساعات قليلة من التوصل إلى هذا الاتفاق المبدئي في مؤامرة الحوار بجنيف، تتحرك لتصفية وإعدام المدينة.
وذلك بعد إخراج المشهد الأخير من المأساة، ليكون بصورة اقتتال فلسطيني- فلسطيني لأسباب شخصية وحزبية -كما صوره الإعلام الرسمي- وبذلك يقدم هذا النظام وذاك طقوس الطاعة وأدلة الإخلاص والولاء للبيت الأبيض، فيضمن أمن إسرائيل.. ويتآمر على القوى المخلصة الباقية في لبنان.
وذلك تمهيدًا لانضمام النظام البعثي لمسيرة السلام الاستسلامية التي بدأها علانية النظام المصري، وعلى غرار ما حدث مع مصر تعطى لسوريا «جولان» تقديرًا لجهودها المخلصة في عملية السلام!! وكالعادة لا بد من معركة تحريك!! لتلميع الرموز وإلباسهم ثوب البطولة.
وبذلك تشرف المؤامرة على نهايتها، تلك المؤامرة التي استهدفت القضاء على الشعب الفلسطيني جسديًا ونفسيًا، وطمس قضيته لتترك بأيدي الأطراف المتآمرة المعروفة دوليًا وعربيًا، تتصرف بها كما يحلو لها من خلال تنصيب تلك الرموز التي عملت على عين، لتنطق بما أراد العملاء، وبذلك تكون أوراق القضية الفلسطينية قد أصبحت بيد سوريا، بعد أن عانت من انحسار في ذلك، خاصة خلال محاولات التفاوض مع الأردن، وبذلك أيضًا ينتقم النصيريون من المدينة التي وقفت ودعمت حركة الجهاد ضد النظام السوري، وبعد هذا وبعد أن تسدل الستائر على آخر مشهد من مشاهد المذبحة والمؤامرة، يكون الفرقاء الرفقاء المجتمعين في جنيف جاهزين، وبلا عوائق لترتيب الصيغة التي خرجوا واخرجوا بها من دهاليز مؤتمر جنيف، الذي أجل اجتماعاته بحجة الاتصالات الدولية...