العنوان طبخة «الحوار» المسمومة!
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 11-يوليو-2009
مشاهدات 66
نشر في العدد 1860
نشر في الصفحة 17
السبت 11-يوليو-2009
لا يستطيع المرء أن ينتظر شيئًا ملموسًا –للأسف –على الأرض من حوارات القاهرة بين «فتح» و«حماس»، ولذلك أسبابه الخفية والظاهرة.. فمنذ بدء تلك الحوارات في 2/26/ ٢٠٠٩م، وعلى امتداد ست جلسات أصبح الملموس أن هناك طبخة «مسمومة» يجري سبكها بهدوء لإطعامها لحماس» بأية حيلة، حتى يمكن التخلص منها للأبد بطريقة ديمقراطية حوارية، بعيدا عن ميادين المعارك والحروب التي فشلت فشلًا ذريعًا في تحقيق ذلك.
ويبدو أن المطلب الأوحد من تلك الحوارات موافقة «حماس» على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية لمعرفة خيار الشعب فيمن يحكمه، وبعدها يتم حل كل الملفات العالقة، وظاهر هذا الكلام معقول.. لكن «مربط الفرس»أن الرأي بين كل الأطراف التي سعت للقضاء على «حماس» خلال حرب غزة استقر على أنه لم يبق من سبيل لإخراج «حماس»من الساحة السياسية إلا السبيل الذي دخلت منه، وهو الانتخابات، ولذلك يتم إعداد المسرح جيدًا لتكون نتائج تلك الانتخابات مضمونة مائة في المائة في الضفة الغربية حيث الغالبية العظمى من المقاعد والأصوات لصالح محمود عباس.
وما يقوم به الجنرال الأمريكي «كيث دايتون» وفريقه الأمني المرابط هناك، وما يجري من اعتقالات مكثفة لقادة وكوادر «حماس»(ما يقرب من ألف معتقل، والرقم مرشح للزيادة)، ثم استمرار إغلاق المعابر، ومواصلة حصار غزة.. كل ذلك يصب في إعداد «الطبخة» إياها.. «طبخة» انتخابات إخراج «حماس» من الساحة! والحسبة تأتي كالتالي: لو قدر لـ «حماس» الحصول على كل أصوات غزة، وحصل محمود عباس على كل أصوات الضفة ذات الأغلبية السكانية، فإن الرئاسة والمجلس التشريعي تعود ل «فتح » بكل سهولة.. وحتى يتحقق ذلك فلابد أولًا من تفريغ حماس من كوادرها التي يمكن أن تكون على قوائم الترشيح وتجريدها من كل إمكاناتها بمصادرة سلاح المقاومة، وإغلاق وتخريب المؤسسات الخيرية والبحثية والاقتصادية، حتى تلك التي كانت موجودة قبل وجود «حماس» أغلقوها لأنهم اشتموا منها رائحة الإسلام!
يحدث ذلك وسط أجواء من الرعب تسود المواطنين في مدن وقرى الضفة؛ خوفا من الاعتقال والتعذيب إن فكر أحدهم في الاقتراب من «حماس» أو حتى أثنى عليها بلسانه.. في تلك الأجواء يريدون الاحتكام لصناديق الاقتراع، بزعم الاحتكام إلى الديمقراطية، ومن عارضهم في ذلك سيردون عليه بأنه إرهابي رافض للأساليب الديمقراطية!
ولذلك فإن «فتح» تتعنت خلال حوارات القاهرة في فتح ملف المعتقلين، رافضة إطلاقهم وتسوية ذلك الملف حتى تكون هناك أجواء مواتية للحوار، وذلك في مقابل إصرار «حماس» على أن نقطة البدء في حوار حقيقي وتحقيق مصالحة هو إطلاق المعتقلين.. إذ كيف يتحاور طرفان على تحقيق مصالحة بينما يقوم أحدهما بعمليات اعتقالات واسعة للطرف الآخر في الوقت الذي يجري فيه الحوار ؟ في هذه الآونة يجري الإعداد لتشكيل جيش من أتباع محمود عباس على عقيدة : «أن العدو هو المقاومة –وفي القلب منها حماس –وليس «إسرائيل»، وأن مهمته الأولى والأخيرة مقاومة الإرهاب (المقاومة)، والتعاون مع الصديق الصهيوني في ذلك، ويتولي «كيث دايتون» تلك المهمة منذ عام ٢٠٠٥م بعد توقيع اتفاقية خارطة الطريق.
وقد كشف خطاب «كيث دايتون» الذي ألقاه في ندوة SOREF التابعة لمعهد واشنطن في ۷ مايو ۲۰۰۹م، تحت عنوان «السلام من خلال الأمن.. الدور الأمريكي في تطوير قوات أمن السلطة الفلسطينية»، كشف الكثير من مهام ذلك الجيشالمرتقب.
(اقرأ ص ٢٢-٢٦ من هذا العدد ). وحاول «دايتون» والصهاينة تجريب كفاءة طلائع ذلك الجيش وجديته في القضاء على المقاومة، فأطلقت السلطات الصهيونية يده في أربع مدن بالضفة الغربية، هي: بيت لحم، ورام الله، وأريحا، وقلقيلية لمواجهة ما يسميه «أي تهديدات عاجلة» من جانب رجال المقاومة الفلسطينية. وذلك تمهيدًا لتسليمه السيطرة على بقية المدن ليقوم بمهمة اعتقال وقتل وسجن كوادر المقاومة، وتخريب بيوتهم، وإشاعة الرعب في ربوع تلك المدن نيابة عن الصهاينة.
في هذه الأجواء تجري حوارات القاهرة ولا حديث جديًا فيها إلا عن إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية.. ومن هنا فإن الحوار ربما يطول كثيرًا، والحسم فيه سيكون لعامل الزمن، وفي أقدار الله الكثير من المفاجآت﴿..وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال:30) صدق الله العظيم.