; طاقات المسلم المذخورة.. متى تظهر؟ | مجلة المجتمع

العنوان طاقات المسلم المذخورة.. متى تظهر؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 15-يونيو-2002

مشاهدات 56

نشر في العدد 1505

نشر في الصفحة 47

السبت 15-يونيو-2002

في الإنسان طاقات مذخورة وقوى مدخرة، تستطيع اكتشاف الكثير من الأشياء وعمل العديد من الأعاجيب ولا يری معظم الباحثين كيف تخلفت هذه الطاقات وتلك القوى عن الإنسان ولم تهب لمساعدته في الحقب السحيقة حتى ينهض من كبوته، ويرتفع من وهدته، كما لم ينتبه هو لذلك أو يعمل أحد على توجيهه إليها التوجيه الصحيح، حتى جاء الإسلام، ونزل الوحي بالتعاليم التي تشير إلى ذلك وتلفت الإنسان إلى ما فيه من ملكات وأسرار وطاقات، قال تعالى:  ﴿وَفِیۤ أَنفُسِكُم أَفَلَا تُبصِرُونَ(الذاريات: 21)

ونسج هذا المعنى أحد المؤمنين العارفين من وحي دينه ورسالته فقال:

 دواؤك فيك وما تشعر   *** وداؤك منك وما تبصر

وتزعم أنك جرم صغير   ***    وفيك انطوى العالم الأكبر

وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى أن بعث الطاقات الذي يهم في التغيير الحقيقي للأفضل ويساعد الإنسان على اكتشاف الكثير الكثير يأتي بعد عون الله من ذات الإنسان نفسه ومن عمله هو، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم﴾ ﴿ (الرعد: ۱۱) وقال سبحانه:  ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَم یَكُ مُغَیِّرا نِّعمَةً أَنعَمَهَا عَلَىٰ قَومٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِیعٌ عَلِیم﴾(الأنفال: ٥٢)

هذا هو القانون الإلهي الإرشاد الإنسان إلى ذاته والقانون الإنساني الذي يربطه بواقع الناموس الحياتي للكون الذي يعيش فيه، إذن فقد ربط الحق سبحانه فضله وإرادته في تغيير هذا الإنسان ومساعدته له، بعمله على تغيير ذاته، فما كان رب العزة يعطي الكسالى نصرًا، أو يمنح العابثين فلاحًا  ﴿كَیفَ یَهدِی ٱللَّهُ قَوما كَفَرُوا بَعدَ إِیمَـٰنِهِم وَشَهِدُوۤا أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقّ وَجَاۤءَهُمُ ٱلبَیِّنَـٰتُ وَٱللَّهُ لَا یَهدِی ٱلقَومَ ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾(آل عمران: 86).

أما من أحسن عملًا وفتح للجد والعقل بابًا والكفاح والكد والصبر قلبًا، فإنه لا بد أن يبلغ الآمال ويحقق الأماني قال تعالى: ﴿وَجَعَلنَا مِنهُم أَىِٕمَّة یَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِـَٔایَـٰتِنَا یُوقِنُونَ﴾(السجدة: ٢٤) وحث الحق سبحانه طلاب الفلاح على الصبر حتى يبلغوه، والتقوى والاستقامة حتى يرتقوا إليه. قال تعالى: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا ٱاصبرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُو وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200).

ورحم الله شوقي حين قال:

وما استعصى على قوم مثال  ***   إذا الإقدام كان لهم ركابًا

وما نيل المطالب بالتمني *** ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا

ثم قال:

وليس الخلد مرتبة تلقى  ***   وتؤخذ من شفاه الجاهلينا

ولكن منتهی همم کبار   ***    إذا ذهبت مصادرها بقينا

إذن فالعمل والكفاح وشحذ العزائم هي الخطوة الأولى في النجاح على الطريق الطويل الذي ينبغي للناجحين أن يقطعوه، وهو السفينة التي يخاض بها عباب بحار ومحيطات الحوادث لمن يريد تحقيق الآمال العراض ولله در القائل:

لاستسهلن الصعب أو أدرك المنى  ***    فما انقادت الآمال إلا لصابر

نعم فلا بلوغ للآمال إلا بالجهد والعرق والكفاح والكد، ومن قال بغير ذلك فهو واهم ومغيب عن فهم الحقائق.

قال الشافعي رضي الله عنه:

بقدر الكد تكتسب المعالي ***     ومن طلب العلا سهر الليالي

ومن رام العلا من غير كد  ***    أضاع العمر في طلب المحال

 وصدق الله العظيم ﴿وَٱلَّذِینَ جَـٰهَدُوا فِینَا لَنَهدِیَنَّهُم سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلمُحسِنِینَ﴾  (العنكبوت: 69) فجاءت الهداية بعد الجهاد الطيب والتضحية بالنفس والمال والوقت لأن هذا الصنف المؤمن لا يستحق أن يتصف بأخوة الإيمان والعقيدة إلا بعد إثبات جدارته وقوة عزيمته، تبين ذلك آيات الكتاب العزيز وتؤصله فتقول: ﴾ ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَـٰهَدُوا بِأَموَلِهِم وَأَنفُسِهِم فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِینَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوۤا أُولَـٰۤىِٕكَ بَعضُهُم أَولِیَاۤءُ بَعض﴾(الأنفال: ۷۲) ﴿وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَـٰهَدُوا فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِینَ ءَاوَوا وَّنَصَرُوۤا أُولَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلمُؤمِنُونَ حَقّا لَّهُم مَّغفِرَة وَرِزق كَرِیم﴾(الأنفال: ٧٤).

وأفضل ما يبعث الهمم ويبني الآمال ويزرع الغايات الكبار هو الإيمان الذي يعطي الإنسان القوة المذخورة ويدفعه إلى الريادة المطلوبة. بتعاليم ووسائل وخطوات ومناهج تستطيع بعث الموات فيه، وإحياء الهامد في أعماقه، وصدق الله ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا ٱستَجِیبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا یُحیِیكُم﴾(الأنفال: ٢٤) ﴿أَوَمَن كَانَ مَیتا فَأَحیَینَـٰهُ وَجَعَلنَا لَهُۥ نُورا یَمشِی بِهِۦ فِی ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِی ٱلظُّلُمَـٰتِ لَیسَ بِخَارِج﴾(الأنعام: ۱۲۲) إحياءه للعزائم الميتة والآمال المدفونة والقوى الخامدة، إحياءه للعقول والأفهام حتى تستطيع أن تقارع الهوان وتجالد الباطل، وتغير من أدران الجاهلية وعاداتها، وتقدر على قيادة البشرية بالمنهج الصحيح، والأساليب العظيمة والوسائل القيمة، وتفتح عقول البشرية على كل جهد بشري لتستفيد منه حتى يعطي المسلم ويأخذ من الخير وتتعاون البشرية في الخير وعليه والحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق الناس بها، وشرع الله الحق هو الحكمة بأسمى معانيها، وصدق الله ﴿وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَیكَ ٱلكِتَـٰبَ وَٱلحِكمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَم تَكُن تَعلَمُ وَكَانَ فَضلُ ٱللَّهِ عَلَیكَ عَظِیما﴾  (النساء: 113).

فهذه هي تعاليم الإسلام التي أنقذت العالم من الجهالة و انتشلته من الضلالة، فاستفادت البشرية منها في حضارتها الآنية، فهل سينقذ الإسلام المسلمين من وهدتهم؟، ما أظنه سيفعل إلا بسنته التي علمهم إياها وتعاليمه التي تلاها عليهم، فهل هم أخذون بها حتى تخرج طاقتهم المذخورة من مكمنها نسأل الله ذلك

آمين آمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1041

86

الثلاثاء 09-مارس-1993

رسائل الإخاء ..   ميزان العمل.

نشر في العدد 1156

151

الثلاثاء 04-يوليو-1995

المجتمع التربوي (1156)