العنوان طاجيكستان.. وأبعاد الصراع بين الإسلاميين والشيوعيين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1992
مشاهدات 58
نشر في العدد 1030
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 22-ديسمبر-1992
موسكو - كمال عبد الله:
بعد أحداث الساحة الساخنة في الربيع
من هذا العام (1992) وتقدم القوات الإسلامية (التابعة لحزب النهضة الإسلامي)
لاحتلال المواقع الإستراتيجية في العاصمة دوشانبيه وبعد الإطاحة بالحكومة الشيوعية
ورئيس البرلمان الشيوعي السابق (كينجايف) شعرت قوى الاستكبار العالمي بخطورة الوضع
على مصالحها الحيوية في المنطقة، خاصة إذا علمنا أن طاجكستان تحتوي على ثلث
احتياطي اليورانيوم الخصب للاتحاد السوفيتي السابق وتمتلك كذلك 3 مصانع من أكبر
المصانع العاملة على إشباع اليورانيوم في الاتحاد السوفيتي السابق.
ونظرًا للموقع الجغرافي الفريد
للدولة الطاجيكية، فهي تقع إلى شمال أفغانستان التي تشهد مخاض ولادة الدولة
الإسلامية الحديثة.. ويوجد فيها (في أفغانستان) ما يقرب من 5 ملايين طاجيكي،
أي إن عوامل الوحدة بين الجمهوريتين متوفرة.. بالإضافة إلى حدودها الواسعة مع كل
من أوزباكستان قرغيزيا وكازاخستان حيث تشهد هذه الجمهوريات موجات متصاعدة من المد
الإسلامي.. مما سيؤدي إلى إعطاء دفعة قوية للحركة الإسلامية في هذه البلدان في
حالة نجاح الإسلاميين في السيطرة على طاجيكستان.. لذا كان لابد من القضاء على
الحركة في مهدها قبل أن تقوى وتشتد.
وهكذا بدأت عملية تصفية الإسلاميين
والموالين لهم في منطقة كولاب من قبل العناصر الشيوعية العائدة بعد هزيمتها في
المواجهة مع الإسلاميين في الساحة العامة الطاجيكية «دوشانبيه» مدعومين من قبل
القوات الروسية الموجودة في المنطقة ومسلحين بأسلحة حديثة ومتطورة (زودتهم بها
الطائرات الأمريكية الفخمة التي هبطت مباشرة في كولاب تحت غطاء المساعدات
الإنسانية) ومعتمدين بالدرجة الأولى على أصحاب السوابق الإجرامية الخطيرة.. وشهدت
المنطقة حملات وحشية فظيعة.. من تقتيل ونهب وسلب واغتصاب النساء المسلمات الحرائر
مما دفع الإسلاميين إلى الهجرة واللجوء إلى العاصمة وضواحيها، وكذلك إلى منطقة
كورغان تيوبه المحاذية لكولاب.. والتي تعتبر معقل الحركة الإسلامية الطاجيكية.
في 19/6/1992م- 27/6/92 بدأ الهجوم
الشيوعي المركز على كورغان تيوبه لاحتلالها وإغلاق الجنوب إغلاقًا تامًا ليقطعوا
الطريق مع أفغانستان.. في محاولة لتشكيل رأس حربة للسيطرة على العاصمة دوشانبيه
وقلب الحكومة الائتلافية التي دخل فيها الإسلاميون والديمقراطيون والقوميون
وسيطروا على أهم الحقائب الوزارية فيها.
ولكن لسوء حظ الشيوعيين لم يتمكنوا
من تحقيق هدفهم وفوجئوا بمقاومة عنيفة من الإسلاميين، الذين سطروا بدمائهم أروع
آيات البطولة والشجاعة.. وتمكنوا بعد أيام من طرد الشيوعيين الكولابيين وحلفائهم
من المجرمين قطاع الطرق.. من كورغان تيوبه.. وعزلهم في ولاية كولاب، وعندما حاول
الإسلاميون التقدم باتجاه كولاب لتحريرها تدخل الجيش الروسي مدافعا عن الشيوعيين..
وبانيًا خطا فاصلا بين كلاب وكورغان تيوبه.
وفي 20/7/1992 تجددت المعارك على
الحدود بين كولاب وكورغان تيوبه.. حيث ظهرت ولأول مرة المدرعات وناقلات الجنود
الثقيلة والمصفحات مع المتمردين الكولابيين.. وقد ظهر أن الجنود التابعين للجيش
الروسي هم الذين يديرون هذه الآليات خاصة بعد وقوع أعداد منهم في أسر القوات
الوطنية الموالية للحكومة التي يشكل الإسلاميون عمودها الفقري.. ولكن الجيش الروسي
وقيادته في موسكو نفت ذلك مبررة بأنه تصرف فردي غير صادر عن القيادة الروسية، ولكن
المؤامرة سرعان ما اتضحت جوانبها حين اتخذ الشيوعيون في قرية (لامانوس) مركزًا
لهيئة أركانهم.. وهي قرية عسكرية تابعة للجيش الروسي وتوجد فيها المنشآت العسكرية
والمدنية التابعة للجيش الروسي.
في أواخر شهر 8 عقد البرلمان جلسته
التي لم يتمكن فيها الإسلاميون وأنصارهم من المعارضين للحكم الشيوعي من إجبار
نبييف على الاستقالة بالطرق الديمقراطية؛ نظرًا لسيطرة الشيوعيين على البرلمان
كونه (أي البرلمان) من مخلفات الاتحاد السوفيتي البائد.
تطورت الأحداث بعد ذلك تطورًا سريعا
حيث قام الشيوعيون بمحاولة للسيطرة على العاصمة ولكن محاولتهم باءت بالفشل؛ مما
دفع الرئيس الشيوعي نبييف إلى محاولة الهرب من العاصمة خوفًا من ردة فعل المواطنين
وأنصارهم، وأثناء محاولته الفرار تمكنت القوى الوطنية من محاصرته في المطار
ومحاصرة المطار نفسه، وقد حاول الجيش الروسي التدخل لصالح الرئيس.. ولكن كل
محاولاته ووجهت بمقاومة عنيفة وارتدت قطاعاته خائبة.. مما دفع الرئيس نبييف إلى
الموافقة على الاستقالة وتوقيع وثيقة التنازل عن السلطة.
كانت القوات الانفصالية في هذا الوقت
في أضعف أوضاعها.. ولم يبق تحت سيطرتها سوى مدن قليلة.. وينتهي أمرها.. ولكن قوى
الاستكبار تتدخل مرة أخرى لتزويدهم بالدبابات الحديثة المتطورة.. وطائرات
الهليكوبتر الحديثة.. وهذه المرة من أوزباكستان المجاورة، ومن قطعان الجيش الروسي
الموجود على أرض الجمهورية.. مما دفع الإسلاميين إلى الانسحاب التكتيكي المنظم
نظرًا لضعف الأسلحة الموجودة معهم وعجزها عن مواجهة الزحف التقني الشديد.. وهكذا
سقطت مدينة كورغان تيوبه في أواخر شهر 9/ 92.
وفي 24/10/1992م قام رئيس البرلمان
الشيوعي السابق (كينجايف) مع (1500) من أنصاره بهجوم خاطف على العاصمة
دوشانبيه في محاولة للسيطرة على المدينة وفعلا تمكن من السيطرة على مبنى البرلمان..
بعد أن ساعدته قطعان الفرقة (201) الروسية المكلفة بحماية المبنى.. واستمرت
المعارك يومين متتاليين.. اتضحت الصورة بعدها حيث فشل الانقلاب.. وقتل (كينجايف)
نفسه مع ما يزيد عن (300) مقاتل من أنصاره وانسحبت باقي فلوله مشتتة في أنحاء
مختلفة من الجمهورية.
ومن الجدير بالذكر أن وسائل الإعلام
الروسية والأوزبكية لم تخف فرحتها بالانقلاب واستعجلت إعلان النتائج كما كان
مقررًا فيما يبدو.. ولكن الله خيب ظنهم، وقد وصلت المساعدات الأوزبكية إلى كينجايف
وأتباعه من قاعدة كوكايدي الأوزبكية القريبة من مدينة ترفة الحدودية.. ونتيجة لفشل
الانقلاب السابق المذكور شددت أوزباكستان من حصارها المفروض على طاجيكستان وصادرت
حمولة 700 عربة قطار محملة بالمؤن والزاد للشعب الطاجيكي مع تشديد القبضة على
الحدود الأوزبكية الطاجيكية..
في 10/11/1992م أذاع التلفزيون
الروسي نبأ كاذبًا حول استقالة الحكومة الطاجيكية.. مما أوقع العديد من المراقبين
والمحللين في الحيرة وعدم الإدراك لما يجري.. ولكن الأنباء تواترت عن عدم صحة هذه
المعلومات مما يطرح شكوكا كبيرة حول مصداقية وسائل الإعلام الروسية وحياديتها.
الوضع الآن في الجمهورية مازال
متوترا حيث تدور المعارك الآن في منطقة (شادرشار) فيما تم تحرير مدينة نوريك
الإستراتيجية الواقعة على بعد 60 كم إلى الجنوب في دوشانبيه وتقع على حدود محافظة
كولاب فيما يوجد ما يزيد عن 500 ألف لاجئ مشرد في أنحاء مختلفة من الجمهورية
يحتاجون إلى الزاد والمأوى والعلاج واللباس.. فيما نشهد صمتا عالميًا مطبقًا حول
هذه المأساة.. والأعجب من ذلك أننا نلحظ جهلًا إسلاميًا مريعًا بقضية المسلمين في
طاجيكستان… ولا أدري حقيقة ما الذي تنتظره المؤسسات الإغاثية الإسلامية لتقوم
بدورها المطلوب في إغاثة المسلمين ومعونتهم؟ أم أنهم ينتظرون المؤسسات التبشيرية
النصرانية ليهبوا هم بعدهم ليعضوا أصابع الندم ولات ساعة مندم؟
وعلى جميع الأحوال يبدو أن الأوضاع
في طاجكستان لن تعود إلى الهدوء إلا بتصفية الحركة الإسلامية والقضاء عليها
نهائيًّا أو انتصارها على أعدائها نصرًا ساحقًا.. الأمر الذي لا تبدو معالمه في
الأفق القريب، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار محاولة تشكيل قيادة بديلة من قبل
رؤساء الجنوب في رابطة الدول المستقلة في اجتماعهم الأخير في 7/11/92 في ألما آتا..
فهل يعي المسلمون خطورة الوضع؟ أرجو ذلك!
واقرأ أيضًا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل