العنوان طاجيكستان: السلام المتعثر.. إلى أين؟
الكاتب مطيع الله تائب
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1998
مشاهدات 68
نشر في العدد 1320
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 06-أكتوبر-1998
علقت المعارضة يوم ٢٥ من سبتمبر الماضي عملها في مجلس المصالحة الوطني، وكذلك الائتلاف الحكومي، احتجاجًا على مقتل أحد أبرز أعضائها «أتاخان لطيفي»، واشترطت لعودتها، إلقاء القبض على قتلة لطيفي، وتوافر الأمن اللازم لقادة المعارضة وأفرادها المتواجدين في العاصمة دوشنبه، ومع أنه تم الإعلان يوم ٢٨ من سبتمبر، عن عودة المعارضة إلى عملها في المجلس والحكومة بعد مفاوضات صعبة وطويلة بين الرئيس رحمانوف وقادة المعارضة، فمازالت أزمة الثقة تنخر في جسم السلام الطاجيكي، وتزداد المخاوف من أنه يسير نحو طريق مسدود.
المعارضة تقيم مسيرتها السلمية:
في مؤتمر صحفي عقده يوم 15 من سبتمبر الماضي في ذكرى مرور عام على بده مجلس المصالحة الوطني عمله في العاصمة دوشنبه اتهم زعيم المعارضة ورئيس مجلس المصالحة سيد عبد الله نوري حكومة رحمانوف بالمماطلة في تطبيق بنود السلام، ولا سيما تلك التي تتعلق بإصلاح الحكومة وإشراك المعارضة فيها، وكذلك ما يرتبط بتغيير الدستور، ولم ينس نوري أن يذكر مكاسب السلام ومجلس المصالحة خلال فترة عام من بدء عمله فذكر في هذا المضمار عودة جميع المهاجرين من أفغانستان وتطبيق المرحلة الأولى من البروتوكول العسكري القاضية بتسجيل جميع أفراد قوات المعارضة مع أسلحتهم، وتعيين أماكن تجمعهم، تمهيدًا للاندماج مع القوات الحكومية في وزارات الدفاع والأمن والداخلية.
الحكومة الطاجيكية وعلى لسان وزير خارجيتها «طلبك نظروف» رفضت اتهامات المعارضة، وقالت إن هذه المعلومات من شأنها أن تشوه صورة السلام الطاجيكي وتعرقل مسيرته، وفي الحقيقة، فإن عملية تبادل الاتهامات، لم تنته منذ أن بدأت اتفاقية السلام الطاجيكية، التي جاءت نتيجة مفاوضات استمرت ثلاث سنوات، وتم التوقيع النهائي عليها في موسكو في ٢٧ من يونيو ١٩٩٧م، وفي سابقة مماثلة، كانت المعارضة قد علقت عملها في المجلس في شهر يناير ۱۹۹۸م، بعد توجيه اتهامات مماثلة للحكومة لعرقلة المسيرة السلمية.
دخلت المعارضة مسيرة السلام بتصور واضح أهم ما فيه وقف الحرب، والعمل المشترك مع الحكومة ضمن خطة واضحة، وفترة معينة وتحت إشراف دولي لإعادة القانون والحريات العامة والتمهيد لانتخابات عامة يختار فيها الشعب الطاجيكي حكامه ويقرر مصيره.
واليوم، حينما تقف المعارضة لتقيم مسيرتها السلمية، تجد أن الطريق مازال طويلًا، ومع أن الحرب وقفت على نطاق واسع، لكن عمليات القتل والاغتيالات والنهب مازالت موجودة، وحتى المواجهات العسكرية بين الحكومة والمعارضة ممكنة جدًا في أي فرصة، مثلما حدثت في أبريل ۱۹۹۸م في منطقة كامزبنهان شرق العاصمة وراح ضحيتها عشرات الأفراد من الجانبين.
وحسب الاتفاقية، انتهت الفترة الانتقالية المتفق عليها في ٢٣ من يونيو الماضي، حيث كان من المقرر أن تنتهي جميع مراحل الاتفاقية، لكن ما بقي من بنود الاتفاقية أكثر مما تم، وما تم قامت به المعارضة، مثل عودة المهاجرين وقادة المعارضة، وتسجيل قوات المعارضة ودمجهم في القوات الحكومية، أما ما يتعلق بالجانب الحكومي مثل إشراك المعارضة بنسبة ٣٠٪، في جميع مستويات الحكومة في المراكز والولايات والمديريات، وكذلك تغيير الدستور، وتقديمه للاستفتاء، والتمهيد للانتخابات العامة، كل هذا لم يتم منه سوى إشراك ۱۱ عضوًا من اتحاد الأحزاب المعارضة في المناصب الحكومية العليا ومازالت الحكومة تماطل في إعطاء ثلاث حقائب مهمة للمعارضة، وهي وزارة الدفاع، ومنصب نائب رئيس وزراء ووزارة الصناعات الثقيلة، وأما الدستور، فمازالت الحكومة ترفض مناقشة التغييرات التي اقترحها مجلس المصالحة، وتصر من جانبها على عدم مناقشة البند الرقم ۱۰۰ من الدستور والذي ينص على علمانية الدولة.
ومع قرب موعد الانتخابات في ربيع ۱۹۹۹م، لا تبدو حكومة الرئيس رحمانوف جادة في رفع الحظر عن الأحزاب المعارضة، وعلى رأسها حزب النهضة الإسلامي المنافس الأول لها، ويتوقع كثير من المراقبين، أن يقوم الرئيس رحمانوف بهذه الخطوة قرب موعد الانتخابات، حتى لا تجد النهضة الفرصة الكافية للتحرك، وتبقى النتائج مضمونة لحزب الرئيس «الحزب الديمقراطي الشعبي الطاجيكي» ويتخوف البعض من أن يصادق الرئيس على قرار البرلمان الصادر في ٢٣ من مايو الماضي، والقاضي بمنع الأحزاب الإسلامية ذلك تحت ضغط البرلمان وضغط الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف، الذي لم يخف مخاوفه من وجود حزب إسلامي في طاجيكستان، على أمن المنطقة واستقرارها!
انسحاب المعارضة... مناورة أم ضرورة؟
كان اغتيال أتاخان لطيفي- رئيس اللجنة القانونية في مجلس المصالحة، وأحد أعضاء اتحاد القوى المعارضة الطاجيكية ضربة موجعة لمجلس المصالحة، والمسيرة السلمية عمومًا، قبل أن تكون ضربة لكيان المعارضة، التي كان لطيفي عضوًا فيها، ممثلًا عن مكتب تنسيق القوى الديمقراطية الطاجيكية، الذي كان برأسه لطيفي، الذي أصبح أول ضحية من أعضاء المجلس ومن قيادات المعارضة، جاء مقتله بيد مجهولين في ٢٢ من سبتمبر الماضي، وفي وضح النهار ليثبت أن حياة بقية قيادات المعارضة مهددة كذلك، وأن الترتيبات الأمنية لهم ناقصة، وإذا استمرت الأوضاع كما هي، فقد يسقط ضحايا أخرون في صفوف قيادات المعارضة.
وفيما كان الجميع -الحكومة والمعارضة- مشغولين في مراسم العزاء القائمة من أجل أتاخان لطيفي- أصدرت الحكومة يوم ٣٣ من سبتمبر الماضي، مذكرة تتهم فيها المعارضة وقواتها العسكرية بخرق بنود اتفاقية السلام، عبر عمليات قتل ونهب وسطو، وذكر البيان أن قوات المعارضة هي التي قتلت موظفي الأمم المتحدة في يوليو الماضي، وكذلك نائب الجمارك المركزية في العاصمة، وطالب البيان قيادة المعارضة بتنفيذ بنود الاتفاقية، والسيطرة على قواتها التي تقوم بعمليات خارجة عن القانون.
المعارضة التي كانت تعاني صدمة اغتيال أحد قادتها السياسيين، فوجئت بهذا البيان الحكومي، وأصدرت بعد يومين من صدوره، بيانًا ردت فيه مزاعم الحكومة، ووصفتها بالأكاذيب، وقالت إنها لم تعد تثق في حكومة الرئيس رحمانوف المدعومة من موسكو، وأنها ليست صادقة أو جادة في تطبيق اتفاقية السلام، وأنها لم توفر الأمن اللازم للمعارضة في العاصمة، ولم تلق القبض على قتلة أعداد ضخمة من عناصرها الذين تم اغتيالهم من قبل مجهولين، في العاصمة وأطرافها، وأعلنت المعارضة، أنها تنسحب من مجلس المصالحة وكذلك من الحكومة ولا تعود إليهما حتى يتم القبض على قتلة أتاخان لطيفي وتوفير الترتيبات اللازمة لضمان أمن قيادات المعارضة وعناصرها.
الرئيس رحمانوف تحرك بسرعة لاحتواء الأزمة، وعقد لقاء مطولًا مع قيادات المعارضة يوم ٢٦ من سبتمبر، غير أن اللقاء فشل في تحقيق أي تقدم، وأما اللقاء الذي تم يوم ٢٨ من سبتمبر واستمر ٩ ساعات متوالية، فقد نجح في حل الأزمة، ولو مؤقتًا، وأعلنت المعارضة عزمها العودة إلى عملها في مجلس المصالحة والحكومة، بعد أن وافق الرئيس رحمانوف على تشكيل هيئة مشتركة تبحث في قضية اغتيال لطيفي وأخذ ترتيبات جادة للحفاظ على أمن قيادات المعارضة.
تحرك رحمانوف هذا، يأتي من إدراكه العميق بأن انهيار السلام يعني توقف الدعم الدولي لحكومته التي تعاني من أزمات مالية واقتصادية صعبة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها روسيا حاليًا، وهي أكبر دولة تقدم المساعدات لدوشنبه. وكانت الدول المانحة التي اجتمعت في باريس في نوفمبر ۱۹۹۷م، قد حددت تقديم مساعدات لطاجيكستان بقيمة ٥٢٠ مليون دولار، عدا ٢٥٠ مليون دولار أخرى يقدمها صندوق النقد الدولي، وكل هذه المساعدات مرتبطة بمدى تقدم مسيرة السلام، وتطبيق بنود الاتفاقية.
المعارضة الطاجيكية التي ربطت مصيرها بالسلام ورانت عليه ترى نفسها اليوم مدعوة الممارسة ضغوط سياسية معينة، قبل أن تستفحل الأوضاع في ظل المماطلة الحكومية، وانتشار الفوضى وازدهار تجارة المخدرات، وقبل كل شيء في ظل وجود ٣٥ ألف جندي روسي يهددون استقلال طاجيكستان أكثر من أن يحفظوا حدودها وأمنها، وفيما تتقدم قوات طالبان في شمال أفغانستان وبالتحديد في المناطق المتاخمة مع طاجيكستان تخاف روسيا ودول أخرى في آسيا الوسطى من أن يؤدي هذا الأمر إلى دعم الحركات الإسلامية في آسيا الوسطى، وقبل ذلك في طاجيكستان، فهل يمكن قراءة التطورات الأخيرة ني طاجيكستان في ضوء ما يتم في أفغانستان؟ الجواب نعم بالتأكيد.