العنوان ضيف جديد قادم.. وحدة النقد الأوروبي
الكاتب أورخان محمد علي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1998
مشاهدات 100
نشر في العدد 1322
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 20-أكتوبر-1998
منذ أن صدر في بروكسل قبل عدة شهور قرار التحول إلى وحدة النقد الأوروبي «اليورو»، وتعيين تواريخ هذا التحول.
والنقاش محتدم في أوروبا بل وفي جميع المحافل الاقتصادية في العالم، وليس هناك إجماع حول النتائج المتوقعة لهذه الخطوة وأوضح دليل على ما نقول هو أن بعض الدول الداخلة في الاتحاد الأوروبي - مثل إنجلترا، والدانمارك، والسويد - تعارضها وترفض التحول إلى الوحدة النقدية لأنها تراها مضرة باقتصادها الوطني.
ويرى الخبراء أن وحدة النقد هذه يجب أن تكون وحدة مستقرة وقوية، وإلا فإنه ما من أحد يستطيع تخمين الفوضى والهزات الاقتصادية التي ستولدها في الاتحاد الأوروبي، لذا قامت هذه الدول بوضع ضوابط مشددة لجميع المظاهر والقرارات الاقتصادية للدول الداخلة في الاتحاد، ووردت معظم هذه الضوابط في اتفاقية «ماسترخت».
ما هذه الضوابط؟
1- أن تكون ميزانيات هذه الدول متوازنة، أي لا يكون هناك أي عجز في هذه الميزانيات.
2- ألا تتجاوز القروض التي تأخذها هذه الدول نسبة 3% من دخلها القومي، أي لا تتورط في قروض تخل باقتصادها وتضعفه.
3- أن تبقى نسبة التضخم في هذه الدول في حدود معقولة لا تتجاوزها، والحد المعقول حسب الضوابط الموضوعة هو ٥.١٪ من متوسط أعلى نسبة تضخم موجودة حاليًا في ثلاث دول في الاتحاد الأوروبي.
وقد أطلق على هذه الضوابط اسم ضوابط «تيو ويجال»، نسبة إلى اسم وزير مالية ألمانيا «تيو ويجال»، ونجاح وحدة النقد الأوروبي «اليورو» مرتبط بمدى نجاح دول الاتحاد في تطبيق ومراعاة هذه الضوابط فإن
أخلت بها أو فشلت في تطبيقها وتحقيقها فلا يدري أحد مدى الفوضى الاقتصادية التي ستضرب أوروبا.
ولكن ترى ماذا يمكن عمله تجاه دولة داخلة في الاتحاد الأوروبي إن قامت بالإخلال بهذه الضوابط ولم تطبقها؟ ... وكيف يتم عقابها؟
ذلك لأن قرار العقوبة قرار سياسي، وأي قرار سياسي يتخذ في هذا الاتحاد يجب أن يكون بالإجماع، إذن فهل ترضى الدولة التي أخلت بهذه الضوابط بالموافقة والتوقيع على قرار سياسي يفرض العقوبة عليها؟ فإن رفضت دولة أو عدة دول أخلت بهذه الضوابط الموافقة على مثل هذا القرار السياسي بتوقيع العقوبة عليها فما الحل؟ لا أحد يدري حتى الآن.
ولا تكفي الضوابط التي ذكرناها لنجاح هذه التجربة الفريدة، فالخبراء يرون وجوب قيام كثير من الدول الأوروبية – ولا سيما ما يطلق عليها اسم دول الجنوب - بإصدار قوانين اقتصادية ومالية ثورية وتجديدية، وقسم من هذه القوانين يجب صدوره حتى في بعض الدول الأوروبية المتقدمة مثل ألمانيا، فهذا ما يقوله الخبير الألماني الدكتور «ستيفن فراولخ» الخبير في مركز دراسات الوحدة الأوروبية ولكنه يضيف أن هذا الأمر سيأخذ وقتًا ليس بالقصير، لأن الرأي العام في مثل هذه الدول يقف عادة ضد مثل هذه التغييرات الجذرية وهذا يغل يد الحكومات ويؤخر صدور هذه القوانين، ولكن ما إن تبدأ وحدة النقد «اليورو» بالتداول حتى يسهل تحقيق هذه التغييرات الجذرية لأن الحكومات ستبرر هذه التغييرات لشعوبها، لكي تسهل عليها مجاراة ومنافسة بقية دول الاتحاد في الساحة الاقتصادية .
والقرار المتخذ مؤخرًا يقضي بجعل وحدة النقد «اليورو» الوحدة القياسية المشتركة لإحدى عشرة دولة أوروبية داخلة في الاتحاد الأوروبي اعتبارا من ١/١/ ١٩٩٩م. وسيتم طبع وصك وتداول هذه الوحدة النقدية في عام ٢٠٠٢م إن سارت الأمور سيرها الطبيعي.
ما النتائج التي ستؤدي إليها هذه الخطوة المهمة والخطيرة؟
كما قلنا قد لا يكون هذا الأمر واضحًا تمامًا وبكل تفاصيله وجوانبه المتعددة، ولكن يمكن توقع ما يأتي:
1- اختفاء جميع وحدات النقد لدول الاتحاد الأوروبي كالمارك، والليرة، والفرنك، والشلن والباوند الأيرلندي.. إلخ أما وحدات النقد للدول الرافضة حاليًا لوحدة النقد - مثل إنجلترا والدانمارك، والسويد، فإنها ستزول أيضًا مع تقدم ونجاح هذه التجربة.
2- هبوط أسعار البضائع والخدمات في هذه الدول وزيادة التبادل الاقتصادي فيما بينها.
3- زيادة السياحة بين بلدان الاتحاد وسهولتها ورخصها.
4- انخفاض نسبة الضرائب فيها.
5- ازدياد استثمارات رؤوس الأموال الأجنبية فيها.
6- ظهور هذا الاتحاد كمنافس قوي للولايات المتحدة.
كما أن نجاح وحدة النقد «اليورو» سيؤثر تأثيرًا كبيرًا على سوق الاستثمارات الدولية وأهم ما يتوقع حدوثه أن هذه الوحدة النقدية ستكون منافسة قوية للدولار الأمريكي، وأن عرش الدولار سيتضعضع دون شك، وهو أهم ما يخشاه الخبراء الأمريكيون.
كما هو معلوم فإن 60% تقريبًا من التجارة الدولية تتم الآن بالدولار الأمريكي، كما أن معظم الدول تحتفظ بثلثي ادخارها القومي بشكل دولارات، وأن 83 % من أعمال تبادل النقود بين الدول تتم بالدولار، وهذا الأمر نتيجة طبيعية لهيمنة الاقتصاد الأمريكي على العالم وقوته، فالولايات المتحدة تنتج وحدها خُمس إنتاج العالم، ولكن دول الاتحاد الأوروبي بدأت تقترب من الولايات المتحدة في هذا الخصوص.
كما بدأ نصيبها وحصتها من التجارة الدولية تزداد حتى وصلت إلى حصة الولايات المتحدة وتجاوزتها أحيانًا.
لذا أمام هذه الحقائق الاقتصادية وأمام قوة اقتصاد دول الوحدة الأوروبية فإن من المنتظر أن يكون «اليورو»، منافسًا قويًا للدولار الأمريكي ولا يدع الساحة الاقتصادية له.
ولكن التوقعات ليست كلها إيجابية كما ذكرنا من قبل، فهناك من الاقتصاديين والخبراء من يتوقع نتائج سلبية وحدوث مصاعب كبيرة.
فما هذه التوقعات السلبية؟
أهمها ما يأتي:
1- زيادة نسبة البطالة.
2- حدوث هزات اقتصادية، وزيادة حوادث إفلاس الشركات.
3- زيادة التوتر الاجتماعي، وضعف سيطرة الدولة على اقتصادها القومي.
ولشرح النقطة الأخيرة نقول: إن وحدة النقد «اليورو» ما إن تدخل في ساحة التطبيق حتى تضعف سيطرة كل دولة على مسار اقتصادها، لأنها ستضطر إلى الإذعان لكل القرارات الصادرة من البنك المركزي الأوروبي وسيتدخل هذا البنك في كثير من القرارات الاقتصادية والمالية لهذه الدول ابتداء من مصاريف الخزينة، وكمية النقد المتداول ونسب الفوائد، ونسبة نمو الدخل القومي، وانتهاء إلى نسبة المساعدات الاجتماعية والضمان الاجتماعي ومساعدة العاطلين.
ونظرًا لهذه الأهمية الكبرى التي يتمتع بها البنك المركزي الأوروبي، فهناك صراع بين الدول الأعضاء حول من يتولى رئاسة هذا البنك، فألمانيا رشحت فيم دوسنبرج رئيس معهد النقد الأوروبي - وهو من أصل هولندي - لهذا المنصب، بينما رشحت فرنسا رئيس البنك المركزي الفرنسي «جان كلود تريج» ليتولى هذا المنصب الحساس.
ومهما يكن من أمر فإن ظهور الاتحاد الأوروبي يشير إلى أن التيار العالمي، والظروف الدولية الراهنة تتجه إلى تجاوز النطاق الضيق للقوميات، وإلى تكوين تكتلات سياسية واقتصادية كبيرة، فقد أصبح هذا هو منطق العصر، فهل تستطيع الدول العربية والإسلامية فهم واستيعاب منطق العصر وتجاوز الأطر الضيقة التي حبست نفسها فيها بسبب حسابات ضيقة الأفق؟ وهل تقوم هذه الدول بإنشاء السوق العربية المشتركة، والسوق الإسلامية المشتركة بشكل فعال، ولا سيما بعد تشكل منظمة (الثمانية) بين أكبر الدول الإسلامية الثمانية من ناحية التعداد السكاني؟ أم ستبقى هذه الدول متخلفة في هذا الأمر أيضًا وتابعة للتكتلات الاقتصادية الكبيرة وسوقًا لها؟ أهناك أمل في هذا؟
سوف ترى إذا انجلى الغبار
أفرس تحتك أم حمار؟..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل