العنوان ضياع المعالم والشرف والعدالة في الأمة لحساب من؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1994
مشاهدات 72
نشر في العدد 1095
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 12-أبريل-1994
من منطلق أن تكون للكلمة حرمة، وللخبر مكانة، وللحدث وقع، وللمعلومة
احترام، وللُّقمة هدف، لا بُدَّ أن تكون للأمة معالم، ومن منطلق أن يكون في الأمة
ضمير، وفي الناس تاج، وفي المجتمعات وئام، وفي الشعوب تعاون، لا بد أن يكون
للقيادة شرف! ومن منطلق إرادة التصحيح وبيان وجه الصواب، وإظهار دلائل الحق،
وسيادة الأمن، وقيادة الجماهير، لا بد أن تكون في الدولة عدالة! فإذا فقدت الأمة
كل هذا فعلى الدنيا العفاء!
تسمع اليوم وترى وتشاهد مسلسل الافتراء والدنس والإفك، وتعيش وقائع
البغي والهمجية والوحشية التي تتعرض لها الجماعات الإسلامية بدون تمييز، ويتعرض
لها الإسلام بدون حياء أو خلق أو ضمير أو شرف، والناس في استغراب وذهول وحيرة
وهول، كيف؟ حماة الإسلام أصبحوا عداته، ورعاة الشعب أضحوا ذئابه، كيف؟! أيمكن أن
يكون هناك بشر لم يسمعوا عن شيء اسمه عدالة، وعن أمر اسمه القانون، وعن شرعة اسمها
حقوق الإنسان، وعن معنى اسمه الإنسانية، وعن نظام اسمه القضاء؟! نعم إنهم المسوخ
التي ابتُليت بهم الأمة المسلمة في كثير من الشعوب الإسلامية إلا من رحم ربك.
إننا نعرف أن الإسلام والمسلمين هم الذين قرروا العدالة، وحددوا لها
المعالم، ورسموا لها الأطر، وفرعوا عليها المسائل، وطبقوا عليها الحوادث والنوازل،
حتى لا تضل الأمة أو تهلك أو تأكلها الفتن ويبغي عليها الطغاة والجبابرة، فكان مما
قرر في ذلك: 1- المتهم بريء حتى تثبت إدانته. 2- لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على
دليل شرعي. 3- لا جريمة ولا عقوبة إلا ببينة وشهود. 4- لا جريمة ولا عقوبة إلا
بدفاع عن النفس وبيان وحجة. 5- لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على حكم قاض غير متهم.
هذه هي معالم العدالة في أمتنا أكان ذلك أو صار بحق الله؟! أم يؤخذ
البريء إلى النار ولا إدانة، ويجرم وتقطع رقبته أو يقتل على قارعة الطريق ولا دليل
ولا بينة ولا شهود ولا سماع لرأي ولا إنصات لحجة ولا حكم القضاء، إنها شريعة الغاب
وأضل، وأحكام الفراعنة وأجرم، نحن لا نقول بعدم معاقبة المعتدي أو ترك محاسبة
الظالم؛ ولكن بشريعة وقانون وعدل وإنصاف، مسلمًا كان أو غير مسلم، إسلاميًّا كان
أو غير إسلامي؛ لأن للإنسانية حرمة، ولبني آدم كرامة، وللحق دستور.. يوضح ذلك
القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا
قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ
الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135).
ثم بين القرآن ذلك عمليًّا في إقامة العدل بين الناس في حادثة وقعت
زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتصف فيها القرآن ليهودي وعنف المسلمين وهددهم
بالعذاب الأليم؛ وذلك أن رجلًا من المسلمين اسمه طعمة سرق درعًا، فلما طلبت الدرع
منه ألقاها في دار يهودي، ثم اتهمه بسرقتها، فلما اشتدت الخصومة بينه وبين اليهودي
جاء قوم طعمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلحق الخيانة باليهودي، فهم صلى
الله عليه وسلم بذلك، فنزل القرآن بثماني آيات كاملة تفضح خيانة المؤمن وتبرئ
اليهودي وتحذر الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا
إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ
ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ
أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ (النساء:
105- 107) إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ
بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا * وَلَوْلَا
فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن
يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ
ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ
تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء: 112، 113).
هذه هي المعالم التي يطالب بها العاملون للإسلام لتكون للأمة
المستباحة كرامة وعزة ومكانة، كما يطالب العاملون للإسلام أن يكون للقيادة شرف حتى
لا تهلك الأمة وتذهب ريحها، فحملة تخريب الذمم وشراء الضمائر وتزوير الحقائق قد
آتت أكلها حتى رأينا جمهورًا من العملاء يجهز ليكون تحت الطلب، وشاهدنا جموعًا من
الخونة تعد لتكون طوع البنان، ورجعت مقولة «ذهب المعز وسيفه»، فمن لم يشتر بالمال
يسحب في جحيم السجون ويتعرض للتصفية الجسدية، حتى أقبل بعض المنهزمين نفسيًّا ورضي
بالخيار الأول، وأدخل سيرك العمالة ليدرب ويصبح بهلوانًا مجيدًا ولاعبًا محترفًا،
ثم يعطى ما كان يتمناه الطامحون ويعدونه من منجزات ليلة القدر أو ضربات الحظ
ويرفعون له الأكف بالدعوات فيقولون: «عشرون ألف جنيه وعربة شيفورليه وشقة في محرم
بيه»، ثم يدفع ليفتري على الله الكذب ويلغ في أحشاء الأعراض والحرمات بغير بينة
ولا ضمير ولا مدافع أو معارض، ثم يدون النظام براءة الاختراع على أنه «صناعة
قومية».
أنظرت معي إلى هذا الشرف المفضوح الذي يسفل عن شرف البغي وينحط عن
كرامة الديوث، ويذكرنا بنظائر له سبقت وأشباه له مورست في تلك الأيام النحسات
وقررتها أعلى القيادات، يوم كان الإسلاميون بالآلاف المؤلفة نزيلي السجون بغير ذنب
ولا جريرة إلا أن يقولوا ربنا الله، كل ذلك قد فضحته وثائق مخزية لا شرف لها ولا
حياء، فبعد أن وضعت بنود لإبعاد الإسلام عن الساحة وتشويهه في عقول الناس، رسمت
خطة لتفضيح القائمين على الدعوة إليه وإبادتهم وتشريد أسرهم، تتكون من: 1- إدخالهم
في سلسلة من المتاعب وفضحهم والاستيلاء على أموالهم وسجنهم وتعذيبهم. 2- العمل على
إصابتهم بالأمراض الجسدية والنفسية وإصابتهم بالعاهات المزمنة. 3- العمل على حجب
المعونات عن أسرهم وتجويعهم وقطع أرزاقهم حتى تنزلق النساء وينحرفن. 4- العمل على
تشريد الأولاد لغياب العائل والفصل من الدراسة ومنع المال والمساعدات من أي إنسان
لهم. 5- إحاطتهم بالمشاكل العائلية والإنسانية والمالية والأمنية حتى يتم انهيارهم
وجنوحهم. 6- العمل على نبذ المجتمع لهم وفضح أعراضهم ووصمهم بالنقائص ورميهم
بالتهم... إلخ.
هذه الوثائق وغيرها مما يندى له الجبين موجودة ومدونة في الكتب اليوم
وموقعة من رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية، فقل لي بالله عليك: أهذي القيادات لها
شرف فضلًا عن أن تكون عندها عدالة؟ وهل يتربى شباب وتنهض أمة في ظلال الشياطين
والأبالسة والبغاة وفاقدي الشرف والعدالة، ولحساب من كل هذا يا قوم؟! نسأل الله
السلامة.. آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل